التطبيع مع العدو.. من الغطاء السياسي إلى الغطاء الديني / أ.حسين لقرع

في الوقت الذي كنا نظن فيه أن مصر الثورة ستشرع تدريجياً في الابتعاد عن سياسة الانبطاح والهرولة والتطبيع والتآمر مع العدو الصهيوني وتعود إلى أحضان الأمة مع سقوط الفرعون مبارك وبداية العهد الجديد، فاجأنا “مفتي مبارك” الدكتور علي جمعة بالقيام بزيارة إلى القدس صلى خلالها إماماً في الأقصى، وزعم بعدها أن الزيارة “مِنَّة من الله يحمده عليها”.
بقلم: حسين لقرع

    وتأتي هذه الزيارة المشؤومة إلى الأقصى وهو لا يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي تحت غطاء “شد الرحال إلى ثالث الحرمين”، بعد أيام قليلة من زيارة مماثلة قام بها الداعية اليمني الصوفي علي الجفري، بينما أعلن وزيرُ الأوقاف الفلسطيني أن هناك دعاة آخرين سيقومون تباعاً بزيارة القدس والأقصى في الأيام القادمة.
    ومعنى هذا ببساطة ووضوح، أننا أمام موجة تطبيع وهرولة جديدة في المنطقة؛ موجة يقوم بها الدعاة ورجالُ الفتوى والفقه هذه المرة وليس الأنظمة السياسية العربية كما عرفنا في العقدين الماضيين، وخلَّدها المرحوم نزار قباني في قصيدته الشهيرة “المهرولون”، أي أننا انتقلنا الآن من التطبيع السياسي إلى “الديني” إذا صح التعبير، أو من إضفاء الشرعية السياسية إلى إضفاء الشرعية الإسلامية على التطبيع مع العدو الصهيوني.
   وحينما يقوم داعية ومفتي بلد إسلامي كبير، مثل الدكتور علي جمعة، بزيارة الأقصى والصلاة فيه إماماً وهو لا يزال يجثم تحت نير الاحتلال الصهيوني، فهذا يعني أن جمعة يضفي الشرعية الدينية على هذا الاحتلال ويسوّغ زيارة المسلمين له للصلاة فيه تحت غطاء “شد الرحال إلى المسجد الأقصى” ويصبح ذلك أكبرَ همّ للمسلمين بدل أن يكون همُّهم فقط هو تحريره من براثن الاحتلال ودنسِه بقوة النار والسلاح كما فعل صلاح الدين والأجداد.
   لقد حرّم الكثيرُ من علماء الأمة الإسلامية، من الثقات المشهود لهم بسعة العلم والاطلاع والتقوى، زيارة الأقصى ما دام تحت الاحتلال حتى لا يضفي الزوارُ المسلمون الشرعية على هذا الاحتلال البغيض الذي يفتك يومياً بأهالينا المستضعفين والمرابطين في فلسطين وأكناف بيت المقدس، وحتى لا يقدِّموا دعاية مجانية للاحتلال مفادها أنه “يحترم الحريات الدينية” وأن احتلاله للقدس لا يعني منع المسلمين من الصلاة في بيت المقدس والأقصى، ولكن جمعة وقبله الجفري أبيا إلا الخروج عن إجماع علماء الأمة وزيارة الأقصى بذريعة الصلاة فيه، وهما تحت حماية جنود الاحتلال.
    وغداً سيتوافد غيرُهما من وعاظ السلاطين الذين عوّدونا على الوقوف مع الحكام العرب وتزيين طغيانهم وتجميل جبروتهم للناس وتبرير تسلطهم عليهم، ورفض أية ثورات ضد أنظمتهم الاستبدادية المتعفنة، فهؤلاء الذين لا يسيرون إلا بمهماز الأنظمة ولا يتحركون لإصدار فتاوى أو مواقف إلا تحت طلبات السلاطين، سيُطلب منهم الآن أن يسارعوا إلى نصرة جمعة وفك الحصار عنه وتخفيف الحملة السياسية والإعلامية والدينية عليه، من خلال القيام بسلسلة متتالية من الزيارات إلى الأقصى، فيخفُّ الضغط على جمعة ويبدأ الناس في نسيان أمره وتوجيه أنظارهم إلى الزوار الجدد.
    إننا أمام أناس كنا نحسبهم في صف الأمة، يشدون أزرها ويذودون عن مقدساتها، ويثبتون في الدفاع عنها، ويأمرونها بالمعروف وينهونها عن المنكر ويسارعون إلى تقويمها إذا زلت أو أخطأت، فالعامة والدهماء يخطؤون، والمطلوب أن يأخذ العلماء والدعاة بأيديهم إلى طريق الصواب، ولكننا لم نشهد زيارات للقدس والأقصى من العامة، بل من علماء يُفترض أن يكونوا قدوة لهم فإذا بهم يطعنون الأمة في ظهرها بخنجر الخيانة والغدر.
    وقد أحسن علماء الأمة والمثقفون حينما سارعوا إلى التنديد بخطوة جمعة والمطالبة بعزله من رئاسة فتوى الديار المصرية، فمثله لم يعد يصلح قدوة للمسلمين، وهو ينتمي إلى النظام المخلوع الذي أذل المصريين بانبطاحه وهرولته وتآمره مع العدو الصهيوني ضد إخوته الفلسطينيين المستضعفين طوال ثلاثة عقود سوداء في تاريخ مصر، وما دام ذلك النظامُ الفرعوني قد رحل، أو بدأت أركانُه تتداعى وترحل تباعاً كما نعتقد، فإن بقاء “مفتي مبارك” لم يعد له مبرر ورحيله بدوره كان يجب أن يتم منذ عام وليس الآن.
    لقد أحسن الإمام أحمد ابن حنبل صنعاً حينما رفض قطعاً العفوَ عن صاحبٍ له لازمه طويلاً في مجالس الفقه والعلم، ولكنه زلَّ في مسألة “خلق القرآن” وأقر برأي من زعم آنذاك أنه “مخلوق”، وبرغم أنه اعتذر مراراً للإمام أحمد وأكد له أنه فعل ذلك تحت سياط التعذيب، إلا أن ابن حنبل رفض العفوَ عنه طول حياته لأن الأمر لا يتعلق بزلّة واحدٍ من الرعية، بل بعالم كبير، وزلة العالم لا تُغتفر كما قال، ولا نرى أن زلة الدكتور علي جمعة وقبله الشيخ الجفري وربما من يأتي بعدهما من علماء البلاط ووعاظ السلاطين، يمكن أن تُغتفر، فهي جريمة في حق ملايين الفلسطينيين المجوّعين المحاصرين المقموعين في غزة والضفة والمنافي منذ 60 سنة، وجريمة في حق كل العرب والمسلمين في العالم؛ هؤلاء الذين تربوا منذ نعومة أظافرهم على فكرة دخول القدس يوماً محررين كما دخلها صلاح الدين والأجداد منذ قرون، فإذا بالجفري وجمعة يدخلانها تحت ترحيب الاحتلال وحمايته، وكأن الصلاة في الأقصى أهمّ من تحريره.
    ونحمد الله أن آلاف علماء الأمة الإسلامية قد انتفضوا واستنكروا زلة الجفري وجمعة وأكدوا مجددا حُرمة زيارة الأقصى وهو تحت نير الاحتلال إلى أن يتم تحريرُه بالقوة من دنسه ويعود إلى أهله الفلسطينيين مهما طال الزمن؛ فذلك مما يشدّ عضدَ المرابطين في أكناف بيت المقدس ليبقوا أوفياء لفكرة الجهاد لتحريره، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم أو آذاهم من الساسة المهرولين أو الدعاة المطبّعين، إلى أن يأتي الله بأمر كان مفعولا.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.