التشريعيات بداية أم نهاية؟ / التهامي مجوري

ينطلق الموقع ونحن على بعد أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، التي ستجرى في العاشر من ماي، وهو حدث في العرف الإعلامي، لا يليق أن يتجاهله الموقع بعدم الحديث عنه، أو بالتهوين من أهميته، ولكن الحديث عنه لا يكون بالضرورة –مع أو ضد-، لأن مساحات الكلام عن هذه الانتخابات التشريعية أوسع وأرحب، من أن يكون المرء أو الهيئة مساندا أو معارضا، لا سيما عندما لا يكون هذا الفرد متحزبا أو هذه الهيأة حزبية.

وهذه المساحات التي تمثل في غالب الأحيان “المسكوت عنه” في مثل هذه المناسبات، كثيرة جدا، تبدأ من توفير أسباب نجاحها، وذلك مهمة الجميع بطبيعة الحال، السلطة تهيء الجو المناسب، والطبقة السياسية تصطفي من بينها الكفاءات الفاعلة والقادرة على نفع الشعب، وتنتهي بقبول نتائجها مهما كان تضرر هذا الطرف أو ذاك بسببها، وبين البداية والنهاية، مستويات من الاهتمام لا تقل أهمية عن توفير أسباب النجاح والقبول بالنتائج، كرعايتها وحمايتها من التزوير واللعب بأصوات الناس، وحسن سيرها وتجاوب الناس معها من عدمه بأسلوب حضاري قبلوا أم رفضوا.

إن الانتخابات التشريعية أسلوب حضاري، توصلت إليه البشرية بعد معاناة طويلة في مقارعة الظلم، ومحاربة المستبدين عبر طول التاريخ وعرضه، وطريقة هامة في فتح الأبواب لنخب المجتمع وكفاءاته، من اجل الوصول إلى طرق أفضل في تسيير شؤون البلاد ومؤسسات الدولة والمجتمع، ولكنها مع ذلك لا تمثل بداية المطاف ولا نهايته، وليست إلا مفصلا من مفاصل هذه المؤسسات في الدولة والمجتمع وليست كلها، ومن ثم يخطئ من ينتظر أن تحل جميع مشكلات البلاد بمجرد إيجاد مجلس منتخب..؛ لأن هذا المجلس محكوم بأمور أخرى لا يمكن أن يصلح شيئا إلا بصلاحها، فهو محكوم بمستوى ثقافي في الطبقة السياسية، ظهرت ضحالته في الحملة الانتخابية، ومحكوم بمستوى ثقة الشعب في السلطة، وقد بانت إرادة العزوف عن الانتخابات في أكثر من استبيان، أعلنت عنه وسائل الإعلام الوطنية، ومحكوم بثقافة في التسيير في الواقع الإداري والسياسي سادت فيه اللاشرعية على جميع المستويات.

لا شك في أن وجود مجلس منتخب ضروري؛ لأنه الوسيلة الأهم في تمثيل الشعب وطموحاته، ولكن هذا الضروري لا يسعه النجاح في تحقيق ما أخفقت فيه مؤسسات الدولة في مجالاتها المتعددة، ولا إنجاز ما قصر فيه المجتمع في مجالاته المتنوعة، وأقصى ما يعدنا به ويحققه، هو الوصول إلى مجلس تمثيلي حقيقي، أي يكون فيه برلمانيون يمثلون حقيقة ما يريد الشعب ويدافعون عنه..، وربما يكون من بين أفراد هذا المجلس، الجهاز التنفيذي “الحكومة”، رغم أن الصلاحيات الدستورية لباقي المؤسسات لا تفرض هذا، ومع ذلك وعلى أهميته، لا يمكن أن يقدم المجلس شيئا إلا بتفاعل مع غيره من المؤسسات.

إن كل غيور على البلاد في هذا الجو من التحولات الدولية، لا يجوز له إلا أن يعمل على تحقيق السلم والاستقرار السياسي والاجتماعي، وذلك لا يكون بمجرد الانتهاء من هذه الانتخابات التشريعية -رغم أن تصريحات الرسميين، تفيد أن لهذا المجلس من الصلاحيات ما يشبه المجلس التأسيسي- ؛ لأن الجرح عميق، والأزمة مستفحلة، والفساد عم جميع ساحات البلاد والمؤسسات الرسمية والشعبية، توارثتها الأجيال بكل أسف بشكل تراكمي، بحيث أضحى المرء في أحسن الأحوال لا يبحث عن الأفضل وإنما يسعى من أجل الوصول إلى الأقل سوءا (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم 41].

ومهما كانت نتائج هذه الانتخابات، ينبغي ألا تنسينا المبدأ الحضاري في التعاطي معها، ولا حجمها الذي يمكن أن تساهم به في البناء الوطني، ولا أهمية غيرها من المؤسسات الوطنية الرسمية والشعبية.

إن الحمل ثقيل لينوء بالعصبة أولي القوة من الرجال الأوفياء الصالحين، والمسار طويل، والزمن كان ولا يزال في صالح أهل الفكر والتحليل، وأفضل طريق لوضع هذه الانتخابات التشريعية في محلها اللائق بها، أن تبقى في حجمها الذي جعلت له، ولا تخرج عن مسارها، وإنما تدعم –إن حازت على الشرعية المطلوبة- بتعجيل إصلاح ما بقي من الروافد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لها، ليعم الصلاح بدل الفساد، وتعود الشرعية المفقودة، والأمل الذي طال انتظاره.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.