خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية (3) /الشيخ محمد بشير الإبراهيمي

المرحلة الخامسة

أعمالي في الجزائر بعد رجوعي من الحجاز والشام
وتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأعمالي فيها

كان من تدابير الأقدار الإلهية للجزائر, ومن مخبّآت الغيوب لها أن يرد عليّ بعد استقراري في المدينة المنوّرة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك, الشيخ عبد الحميد بن باديس, أعلم علماء الشمال الإفريقي, ولا أغالي, وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر.
وبيت ابن باديس في قسنطينة, بيت عريق في السؤدد والعلم, ينتهي نسبه في سلسلة كعمود الصبح إلى المعزّ بن باديس, مؤسّس الدولة الصنهاجية الأولى التي خلفت الأغالبة على مملكة القيروان, ومدّت ظلّها على قسنطينة ومقاطعتها حينًا من الدهر, ومع تقارب بلدينا بحيث لا تزيد المسافة بيننا على مائة وخمسين كيلومترًا, ومع أننا لِدَتانِ في السن يكبرني الشيخ بنحو سنة وبضعة أشهر, رغم ذلك كله, فإننا لم نجتمع قبل الهجرة إلى المدينة, ولم نتعارف إلا بالسماع, لأنني كنت عاكفًا في بيت والدي, على التعلّم, ثم على التعليم, وهو كان يأخذ العلم عن علماء قسنطينة متبعًا لتقاليد البيت, لا يكاد يخرج من قسنطينة, ثم بعد بلوغ الرشد ارتحل إلى تونس, فأتمّ في جامع الزيتونة تحصيل علومها.
كنا نؤدّي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي, ونخرج إلى منزلي, فنسمر مع الشيخ ابن باديس, منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح, ثم نفترق إلى الليلة الثانية, إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنوّرة.
كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر, ووضع البرامج المفصّلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتينا, وصحبها من حسن النيّة وتوفيق اللّه ما حقّقها في الخارج بعد بضع عشرة سنة, وأشهد اللّه على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931.
ورجع الشيخ إلى الجزائر من سنته تلك بعد أن أقنعته بأني لاحق به بعد أن أقنع والدي أن رجوعي إلى الجزائر يترتّب عليه إحياء للدين والعربية, وقمع للابتداع والضلال, وإنكاء للاستعمار الفرنسي, وكان هذا هو المنفذ الوحيد الذي أدخُل منه على نفس والدي ليسمح لي بالرجوع إلى الجزائر.
وشرع الشيخ بعد رجوعه من أول يوم في تنفيذ الخطوة الأولى من البرنامج الذي اتفقنا عليه, ففتح صفوفًا لتعليم العلم, واحتكر مسجدًا جامعًا من مساجد قسنطينة لإلقاء دروس التفسير, وكان إمامًا فيه, دقيق الفهم لأسرار كتاب اللّه, فما كاد يشرع في ذلك ويتسامع الناس به حتى انهال عليه طلاب العلم من الجبال والسهول إلى أن ضاقت بهم المدينة, وأعانه على تنظيمهم وإيوائهم وإطعام المحاويج منهم جماعة من أهل الخير ومحبّي العلم, فقويت بهم عزيمته ، وسار لا يلوي على صائح, واشتعلت الحرب العالمية الأولى وهو في مبدأ الطريق, فاعتصم باللّه فكفاه شرّ الاستعمار, وكان له من وجود والده درع وقاية من بطش فرنسا التي لا تصبر على أقلّ من هذه الحركات, وكان لوالده مقام محترم عند حكومة الجزائر, فسكتت عن الابن احترامًا لشخصية الوالد, وظهرت النتائج المرجوّة لحركته في السنة الأولى, وكانت في السنة الثانية وما بعدها أكبر، وعدد الطلبة أوفر, إلى أن انتهت الحرب, ورجعت أنا إلى الجزائر فلقيني بتونس, وابتهج لمقدمي أكثر من كل أحد لتحقيق أمله المعلّق علي, وزرته بقسنطينة قبل أن أنقلب إلى أهلي, ورأيت بعيني النتائج التي حصل عليها أبناء الشعب الجزائري في بضع سنوات من تعليم ابن باديس, واعتقدت من ذلك اليوم أن هذه الحركة العلمية المباركة لها ما بعدها, وأن هذه الخطوة المسدّدة التي خطاها ابن باديس هي حجر الأساس في نهضة عربية في الجزائر, وأن هذه المجموعة من التلاميذ التي تناهز الألف هي الكتيبة الأولى من جند الجزائر, ولمست بيدي آثار الإخلاص في أعمال الرجال, ورأيت شبانًا ممن تخرّجوا على يد هذا الرجل وقد أصبحوا ينظمون الشعر العربي بلغة فصيحة وتركيب عربي حرّ, ومعان بليغة, وموضوعات منتزعة من صميم حياة الأمّة, وأوصاف رائعة في المجتمع الجزائري, وتشريح لأدوائه, ورأيت جماعة أخرى من أولئك التلامذة وقد أصبحوا يحبرون المقالات البديعة في الصحف, فلا يقصرون عن أمثالهم من إخوانهم في الشرق العربي, وآخرون يعتلون المنابر فيحاضرون في الموضوعات الدينية والاجتماعية, فيرتجلون القول المؤثّر, والوصف الجامع, ويصفون الدواء الشافي بالقول البليغ.
وحللت بلدي وبدأت من أول يوم في العمل الذي يؤازر عمل أخي ابن باديس… بدأت أولاً بعقد الندوات العلمية للطلبة, والدروس الدينية للجماعات القليلة, فلما تهيّأت الفرصة انتقلت إلى إلقاء الدروس المنظّمة للتلامذة الملازمين, ثم تدرّجت لإلقاء المحاضرات التاريخية والعلمية على الجماهير الحاشدة في المدن العامرة والقرى الآهلة, وإلقاء دروس في الوعظ والإرشاد الديني كل جمعة في بلد, ثم لما تمّ استعداد الجمهور الذي هزّته صيحاتي إلى العلم, أسّست مدرسة صغيرة لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم, وكانت أعمالي هذه في التعليم الذي وقفت عنايتي عليه فاترة أحيانًا لخوفي من مكائد الحكومة الاستعمارية, إذ ليس لي سند آوى إليه كما لأخي ابن باديس, وكانت حركاتي منذ حللت بأرض الوطن مثار ريب عند الحكومة ومنبع شكوك, حتى صلاتي وخطبي الجمعية, فكنت أتغطى لها بألوان من المخادعة حتى أني تظاهرت لها عدة سنين بتعاطي التجارة وغشيان الأسواق لإطعام من أعولهم من أفراد أسرتي, ولكنها لم تنخدع ولم تطمئن إلى حركتي, فكان بوليسها يلاحقني بالتقارير ويضيّق الخناق على كل من يزورني من تونس أو الحجاز, كل هذا وأنا لم أنقطع عن الدروس لطلاب العلم بالليل.
في هذه الفترة ما بين سنتَي 1920 و1930 كانت الصلة بيني وبين ابن باديس قوية وكنا نتلاقى في كل أسبوعين أو كل شهر على الأكثر, يزورني في بلدي (سطيف) أو أزوره في قسنطينة, فنزن أعمالنا بالقسط ونزن آثارها في الشعب بالعدل, ونبني على ذلك أمرنا, ونضع على الورق برامجنا للمستقبل بميزان لا يختل أبدًا, وكنا نقرأ للحوادث والمفاجآت حسابها, فكانت هذه السنوات العشر كلها إرهاصات لتأسيس جمعية العلماء الجزائريين.
كملت لنا على هذه الحالة عشر سنوات كانت كلها إعدادًا وتهيئة للحدث الأعظم وهو إخراج جمعية العلماء من حيّز القول إلى الفعل, وأصبح لنا جيش من التلامذة يحمل فكرتنا وعقيدتنا مسلّح بالخطباء والكتّاب والشعراء, يلتفّ به مئات الآلاف من أنصار الفكرة وحملة العقيدة يجمعهم كلهم إيمان واحد, وفكرة واحدة, وحماس متأجج, وغضب حادّ على الاستعمار.
كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة في تربية النشء هي : ألا نتوسع له في العلم, وإنما نربّيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل, فتمّت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا.
كانت سنة 1930 هي السنة التي تمّ بتمامها قرن كامل على احتلال فرنسا للجزائر, فاحتفلت بتلك المناسبة احتفالا قدّرت له ستة أشهر ببرنامج حافل مملوء بالمهرجانات ودعت إليه الدنيا كلها, فاستطعنا بدعايتنا السرّية أن نفسد عليها كثيرًا من برامجها, فلم تدم الاحتفالات إلا شهرين, واستطعنا بدعايتنا العلنية أن نجمع الشعب الجزائري حولنا ونلفت أنظاره إلينا.
تكامل العدد وتلاحق المدد… العدد الذي نستطيع أن نعلن به تأسيس الجمعية, والمدد من إخوان لنا كانوا بالشرق العربي مهاجرين أو طلاب علم, فأعلنا تأسيس الجمعية في شهر مايو سنة 1931 بعد أن أحضرنا لها قانونًا أساسيًا مختصرًا من وضعي أدرته على قواعد من العلم والدين لا تثير شكًا ولا تخيف, وكانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهين بأعمال العالم المسلم, وتعتقد أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة فخيّبنا ظنها والحمد للّه.
دعونا فقهاء الوطن كلهم, وكانت الدعوة التي وجّهناها إليهم صادرة باسم الأمّة كلها, ليس فيها اسمي ولا اسم ابن باديس, لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق لنا من الحملات الصادقة على جمودهم, ووصفنا إياهم بأنهم بلاء على الأمّة وعلى الدين لسكوتهم على المنكرات الدينية, وبأنهم مطايا للاستعمار, يذلّ الأمّة ويستبعدها باسمهم, فاستجابوا جميعًا للدعوة, واجتمعوا, في يومها المقرّر, ودام اجتماعنا في نادي الترقّي بالجزائر أربعة أيام كانت من الأيام المشهودة في تاريخ الجزائر, ولما تراءت الوجوه وتعالت أصوات الحق أيقن أولئك الفقهاء أنهم ما زالوا في دور التلمذة, وخضعوا خضوع المسلم للحق, فأسلموا القيادة لنا, فانتخب المجلس الإداري من رجال أكفاء جمعتهم وحدة المشرب, ووحدة الفكرة ووحدة المنازع الاجتماعية والسياسية, ووحدة المناهضة للاستعمار, وقد وكل المجتمعون ترشيحهم إلينا فانتخبوهم بالإجماع, وانتخبوا ابن باديس رئيسًا, وكاتب هذه الأسطر وكيلا نائبًا عنه, وأصبحت الجمعية حقيقة واقعة قانونية… وجاء دور العمل.
هذه المرحلة من حياتي هي مناط فخري وتاج أعمالي العلمية والاجتماعية, والأفق المشرق من حياتي, وهذه هي المرحلة التي عملت فيها لديني ولغتي ووطني أعمالا أرجو أن تكون بمقربة من رضى اللّه, وهذه هي المواقف التي أشعر فيها كلما وقفت أردّ ضلالات المبتدعة في الدين, أو أكاذيب الاستعمار, أشعر كأن كلامي امتزج بزجل الملائكة بتسبيح اللّه.
كلّفني إخواني أعضاء المجلس الإداري في أول جلسة أن أضع للجمعية لائحة داخلية نشرح أعمالها كما هي في أذهاننا لا كما تتصوّرها الحكومة وأعوانها, المضلّلون منا, فانتبذت ناحية ووصلت طرفي ليلة في سبكها وترتيبها, فجاءت في المائة وسبع وأربعين مادة, وتلوتها على المجلس لمناقشتها في ثماني جلسات من أربع أيام, وكان يحضر الجلسات طائفة كبيرة من المحامين والصحافيين العرب المثقفين بالفرنسية, فأعلنوا في نهاية عرض اللائحة إيمانهم بأن العربية أوسع اللغات, وأنها أصلح لغة لصوغ القوانين ومرافعات المحاميين, وكأنما دخلوا في الإسلام من ذلك اليوم, وخطب الرئيس عند تمام مناقشة اللائحة وإقرارها بالإجماع خطبة مؤثّرة أطراني فيها بما أبكاني من الخجل, وكان مما قال : عجبت لشعب أنجب مثل فلان أن يضلّ في دين أو يخزى في دنيا, أو يذلّ لاستعمار. ثم خاطبني بقوله : وَرِيَ بك زناد هذه الجمعية.

تغريدات الجمعية