هذه حوادث شهر ماي، فكيف وعيناه؟/ د/عبد الحفيظ بورديم

من سنن الناس في الاجتماع، أن يجعلوا الأيّام أعياد الانتفاع. وربّما أهلكهم سوء التقدير، فظنّوها فاعلة في تشكيل المصير. بعضها –عندهم- مطالع للشرور، وبعضها مباهج للسّرور. وزاد من التلبيس أن خبطوا في التّنجيم، فعقدوا لها قدرة كقدرة العليّ العظيم. وليتهم علموا أنّ صحيح الأعمال لا يكون إلاّ بصحيح الاتّكال.
وقد خلا في أمر الأوّلين، أن جعلوا الشهور نسيئة الخاطئين. فقالوا المطر بالأنواء، ونبذوا إليها على سواء. ومن قال أمطرنا بنوء كذا فقد ضلّ وما اهتدى. وصار من أمر الآخرين أن اتّخذوا أيّاما للاعتزاز فجعلوها منارات من غير احتراز. وتعوّذوا من أخريات كأنّها على الشرّ أبدا مطويات. وكلّ ذلك من الاعتقاد الكليل والرأي العليل.
وابتلي شهر ماي بالحواة والرّواة، فأكثروا من نسج الخيالات و الحكايات، حتى ظنّ سامعون أن الشهر مطلع أبطل به الحلفاء الشّرّ. يوم انتصروا على ألمانيا، فغيّروا وجه الدّنيا. وأذاعوا في الناس أنّ الطغيان قد ولّى، وأن زمان الحرّية قد أطلّ. خدعوا العالمين بهيئة للأمم، تظلم المستضعفين وتخفر الذمم.  وقدّمت عليه القرابين قربانا ثمّ قربانا، من هيروشيما إلى فلسطينا. وسل التاريخ عن فرنسا، يوم دنّس مجرموها في الجزائر الشمسا. أهرقوا الدّماء في المدن الشهيدة، والذنب أن (الأهالي) طمعوا في الحياة السعيدة. رحم الله الأربعين ألفا، يوم اصطفّوا -في الغرب والشرق- صفا صفا. وماتوا ميتة الأبطال، لتحيا الجزائر مضرب الأمثال.
يومها صار شهر ماي عندهم تطاولا واستكبارا، وصار عندنا استشهادا وانتصارا. ذقنا فيه – من أوربا – وأهلَ اليابان، سمّا زعافا من كأس الهوان.
وكنّا –وأهل اليابان- على قدم سواء في الشعور بالتغيير، ولكننا لم نكن على فهم سواء في منهج التحرير. هم أكرموا الإمبراطور، لمّا أنشأوا حرّية الاقتراع. ونحن سجنّا التاريخ في مسمّى الحرب والصراع. هم صنعوا الحضارة لمّا حرّروا الكفاءات، ونحن هيكلنا التخلف لمّا قرّبنا الولاءات.
أي وربي، لا يبني الحضارة من قتل المبادرة. ولا يطمح إلى التحرير من لم يفقه منهج التغيير.  ولا تتحقق قاعدة الاستخلاف لمن سلك بالشعب سبيل الاستخفاف.
رحم الله المليون شهيدا، كانت عقيدتهم حبلا مديدا. فهل ينجز الوارثون أحلام السابقين. ويجعلوا الجزائر لكل الجزائريين، فلسنا بأقل من اليابانيين، بل نحن -لو شئنا- على منهج النبيين.
ولكن هل أولو الأمر علينا، يفقهون أصول الولاية فينا؟

تغريدات الجمعية