الدولة الفتّانة / أ.محمد الهادي الحسني

ما من مكان احتلّته فرنسا إلا بذرت فيه بذور الفتن ما ظهر منها وما بطن، لتستغل تلك الفتن للبقاء في ذلك المكان، أو لإطالة وجودها فيه، أو للعودة إليه إن طُردت منه، ثم جاءتها ظروف مواتية.. إن هذا التّفتين والنّزغ بين الناس يقوم بهما في الأصل شياطين الجن الذين يروننا ولا نراهم؛ ولكن هؤلاء الشياطين يوكلون هذه المهمة القذرة إلى فرنسا في الأماكن التي احتلتها، لاستيقان هؤلاء الشياطين أن فرنسا أقدر منهم على إحداث الفتن، وإلهاب نارها كلّما أطفأها العاقلون والصالحون، ولو لم يخق الله إبليس لكانت فرنسا هي إبليس.

من المناطق التي ابتليت بسرطان الإحتلال الفرنسي منطقة المغرب العربي، ابتداء باجزائر، ثم تونس، ثم المغرب الأقصى. وقد أثبتت فرنسا بما فعلت في هذه المنطقة من سوء أنها أكبر جنود إبليس خبثا، وأخلصهم له ولاء، وأحرصهم على الاستمرار في الفساد، لتفسد الصالح، وتزيد الذي أفسدته فسادا، حتى إنه ليصحّ أن يقال فيها: “ثلاث خلقن للفساد، القُمّل، و(فرنسا)، والجراد (❊)”.

إن بذور الشر التي بذرتها فرنسا في هذه المنطقة كثيرة ومتنوعة، وهل بذرت فيها فرنسا غير الشرور؟ ولكن أكبرها خطرا، وأكثرها ضررا، وأسوأها أثرا هي بذرة النزعة العرقية للتفريق بين العنصرين اللّذين اسعمرهما الله -عز وجل- في هذه المنطقة من أرضه؛ وهما أبناء مازيغ وأبناء يعرب.

لا يمتري أحد، ولا يجادل ذو مسكة من عقل في أن سكان هذه المنطقة الأصليين هم الأمازيغ، الذين تذهب الدّلائل إلى أنهم عرب أنستهم الأعوام ومن احتكوا بهم من أقوام لسانهم العربي الذي استرجعوه مع الفتح الإسلامي، حتى قيل “إن الإسلام غرّب وعرّب”، ولا تفسير لذلك إلا أنه “حنين العرق إلى العرق، ومجاوبة الروح للروح، ونداء الدّم للدّم (1)”، وهذا ما أكده الغربيون الذين لا يذبحون “المنهج” على مذبح “المذهب”، فدائرة المعارف العالمية الفرنسية تقرّ بأن “التشابه بين البربر والعرب يبدو أكثر وضوحا وأهمية (2)”، وتؤكد “أن جميع اللهجات البربرية مطبوعة بطابع اللغة اعربية (3)”.

لقد مر على هذه المنطقة عدة أقوام، واحتلتها عدة دول، ولكنهم لم يؤثروا في أهلها تأثيرا عميقا، إذ لم يتجاوز ذلك التأثير المظاهر السطحية، ولم ينفذ إلى الأعماق؛ فقد استقر فيها الرومان عدة قرون فلم يستطيعوا لهم “رومنة”، وأقام فيها الوندال قرنا وبضع سنين ولم يتمكنوا من “وندلتهم”، ومكث فيها البيزنطيون قرنا وزيادة ولم يقدروا على “بزنطتهم”، وجاءتها اليهودية فلم تكن إلا سرابا، وحلّت بها النصرانية فلم يعلق منها فيها إلا بمقدار ما يعلق من الماء في إبرة غُطست في محيط..

وجاء الإسلام، ذلك الدين القيم، يحمل النور المبين، بلسان عربي مبين، فما لبث الأمازيغ إلا قليلا حتى عقلته عقولهم، واطمأنت إليه نفوسهم، وانشرحت له صدورهم، فدخلوه أفواجا، وأُشربوا حُبّه في قلوبهم، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل من أكبر أنصاره، وأفضل أجناده، يجادلون عنه باللسان، ويدافعون عنه بالسّنان إلى الآن…

ثم بعد ذلك الخير الكثير جاءنا شر كبير تجسّد في هذا الشيطان المريد، الذي تمثّل بشرا غير سوي، وهم الفرنسيون الذين نجّسوا المنطقة بالخمر والميسر بعد طهر، وجهّلوها بعد علم، وأفقروها بعد غنى، وأمرضوها بعد صحة، ومزّقوها بعد وحدة…

لقد علم الفرنسيون ورأوا أن الذي أورث هذه المنطقة وأهله العلم، والغنى، والعزّة، والوحدة… هو الإسلام، الذي يتميز كما يقول الكاتب الألماني پاول شيمتز، في كتابه “الإسلام قوة الغد العالمية” بخاصيتين اثنتين هما:

❊) القدرة على التجمع والتوحيد؛

❊) والقدرة على التحريك..

من أجل ذلك راغ الفرنسيون على الإسلام ضربا باليمين وبالشمال، واستعملوا في ذلك أقذر الأساليب وأحقرها، وراحوا يصدون الناس عنه بالترغيب والترهيب، لتعود المنطقة إلى النصرانية – كما زعموا – ثم تندمج في فرنسا – كما وهموا –

من أخسّ الأساليب التي استعملها الفرنسون إصدارهم في 16 ماي من سنة 1930 قانونا في المغرب الأقصى الشقيق سموه “الظّهير (❊❊) البربري”، يتلخص في فكرة شيطانية واحدة، هي إبعاد الأمازيغ في المغرب عن الإسلام بإخضاعهم في جميع القضايا إلى العرف البربري لا إلى الشريعة الإسلامية، وإبعادهم عن اللسان العربي، لفائدة اللسان الفرنسي.

وتحركت الحميّة الإسلامية في صدور المغاربة، أمازيغ وعربان، وانطلقت من بيوت الرحمن دعوات العلماء الشجعان، تكشف كيد الشيطان، وتحرض المغاربة على العصيان، حتى وقع الحق واندحر البهتان.

لقد اعتبر الفرنسيون سنة 1930 “لحظة فرح”، حيث أسكرهم الطغيان، وظنوا أن هذه المنطقة قد خلصت لهم، فعقدوا في 8 / 5 / 1930 في تونس مؤتمرا صليبيا عالميّا سموه “المؤتمر الإفخارستي”، وأصدروا في 16 / 5 / 1930 في المغرب الأقصى “كانونا” يفرق بين المرء وزوجه سموه “الظهير البربري”، وخططوا لتنظيم احتفالات في الجزائر تدوم ستة أشهر بمناسبة مرور قرن على احتلال البلاد التي كانت “تصدّر فنّ الجهاد” كما قا الشاعر مفدي زكرياء، وعلى تشييع جنازة الإسلام فيها..

وإذا كان للشيطان جنوده من الأنذال، فللرحمن جنوده من الأبطال، الذين بدأوا التخطيط والعمل الجدي لطرد الفرنسيين من هذه المنطقة، فأسس في 1931 الأخيار من الجزائريين “خير جمعية أخرجت للناس” لتوقظ النائمين، وتنبّه الغافلين، وتذكّر النّاسين، ليقلعوا جذور الخائنين، ويذيقوا السّمّ للطاغين، وأسس المغاربة الأبرار “كتلة العمل الوطني” في عام 1933، وواصل التونسيون الأحرار جهادهم في “الحزب الدستوري”…

لقد ظن الفرنسيون -لجهلهم وحمقهم- أن “الظهير البربري” سيمزق الشعب المغربي، وسيقضى على الإسلام، فإذا هذه القضية “لم تبرز الوعي الوطني المغربي فقط؛ بل أدمجت المغرب الأقصى المسلم في الوحدة الإسلامية (4)”..

إن هذا الكلام ليس موجّها إلى “إمقرانن (❊❊❊)” من أبناء المغرب الإسلامي، لأن أكثرهم يعرفون الوجه الحقيقي لفرنسا، وأولياؤهم منهم إلى زوال؛ ولكن هذا الكلام موجه إلى “إمزيانن” من أبناء المغرب الإسلامي الذين قد يغترون بما يرون أو يسمعون، فليحذروا.. ولو أطعموا المنّ والسلوى، وأعطي كل واحد ما نوى.. وليرددوا مع العالم المغربي محمد تقي الدين الهلالي (1893 – 1987) أبياته:

أعادي فرنسا ما حييت فإن أمت

فأوصي أحبّائي يعادونها بعدي

وقالوا: فرنسا منبع العلم والسّنا

وحرية الأقوام والعدل والرشد

وقائل هذا القول يلعن في السما

ويلعن في تميم ويلعن في نجد.

هوامش:

❊) كان الذين أفسدتهم فرنسا في المشرق بغرس جرثومة القومية الجاهلية فيهم يقولون: “ثلاث خلقن للفساد، القُمّل، والتّرك، والجراد”.

1) آثار الإمام الإبراهيمي: ج3. ص 429.

2 – 3) عثمان سعدي: الجزائر في التاريخ. ص25 وص 26، وهو ينقل عن Encyclopidia universalis. t.3. p.171/173

❊❊) الظهير في اصطلاح الإخوة المغاربة هو النص القانوني اذي يصدره الملك ويوقعه.

4) شارل أندري جوليان: افريقيا الشمالية تسير.. ص 172.

❊❊❊) إمقرانن بلسان إخواننا الأمازيغ معناها “الكبار”، وهي جمع مفرده “أمقران”؛ وإمزيانن، معناها “الصغار” وهي جمع مفرده “أمزيان”.

تغريدات الجمعية