ذكرى التأسيس…كلمة نواب رئيس الجمعية

بمناسبة إطلاق الموقع الرسمي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في يوم تأسيس جمعية الذي يصادف يوم 5 ماي، كتب السادة نواب رئيس الجمعية: النائب الأول الشيخ محمد الأكحل شرفاء، والنائب الثاني الأستاذ الدكتور عمار طالبي، والنائب الثالث الشيخ بن يونس آيت سالم، ثلاث كلمات بالمناسبة، هذا نصها.

 

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حاضرًا وماضيًا ومستقبلاً

الشيخ محمد الأكحل شرفاء

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه…

في منتهى القرن الماضي الميلادي احتفل الجيش الفرنسي الاستعماري وكافة الشخصيات في دولة فرنسا المستعمِرة بمرور قرن على احتلال الجزائر، وأعلنوا أنّ هذا البلد أصبح جزء من فرنسا وراء البحار، وأنّ كلّ مقوماته من دين ولغة وأرض قد أصبحت فرنسية، بدينه المسيحي، ولغته الفرنسية، وأرضه جزء من فرنسا، وفي نفس اللحظة أعلنت ثلة من علماء الجزائر يقودها الإمام عبد الحميد بن باديس إنشاء منظمة أعلنت أنّ دين الجزائر هو الإسلام وأنّ لغتها العربية، وأنّ وطنها بكافة حدوده  البرية والبحرية جزائري لا علاقة له بفرنسا، ولن تكون ملحقة بفرنسا أبدًا.

فوضعت هذه المنظمة لنفسها أسسا قامت عليها، وهي الدعوة إلى الإسلام بإحياء مبادئه والاهتداء بمصادره، أساسها الإسلام دينا والعربية لغة، والجزائر وطنا، فأسست لذلك المدارس الحرّة لتعليم الطفولة والنوادي لتوعية الشباب والمساجد الحرّة لتوعية الجماهير، وحاربت ما كان يسود البلاد من تخريف وتجديف، وعادت بها إلى مصادرها الصحيحة، فتصدى رئيسها ورائدها عبد الحميد بن باديس لبناء الشباب فكوّن جيشًا من الدعاة والمجاهدين لتحرير البلاد بالإسلام، وبَعَثَ روح العزّة والكرامة في نفوس الشعب، وناضل مع الصفوف الحركة الوطنية لمطالبة المحتَّل بالاعتراف بحقوق المواطنين وإعادة كرامتهم وعزّتهم وإخراجهم من العبودية والتّبعيّة.

 وعند قيام الاستقلال عادت الجمعية إلى العمل واستعادة الأمجاد التي حققتها قبل الاستقلال، فساهمت في الكفاح الوطني لاستعادة السيادة الوطنية بكلّ ما أوتيت من قوّة بوسائلها التي تملكها كعلماء وأدباء، وكتاب ووعاظ وخطباء.

وندّدت بكلّ محاولات سلخ الجزائر عن شخصيتها فأعادت الاعتبار للغة الأمّة التي هي لغة القرآن، ودينها وتاريخها الماجد المليء بالبطولات.

فانتشر أعضاؤها في أنحاء الوطن يبعثون عزّة الأمّة ويحيون أمجاده، ويكافحون الاستلاب الغربي الذي يستهدف الإسلام ولغته ومثله ومبادئه، ويعيدون للأمّة اعتزازها بشخصيتها القائمة عبر الأجيال، وأنّها لن تنسلخ عن قيّمها ولن تخضع للهيمنة والاستعباد.

إنّ الأمة في الجزائر بحاجة إلى جمعية العلماء لأنّها أهم الهيئات التي تجسِّد شخصية الجزائر وتحافظ على كيانها في المحيط الوطني والمجال العلمي وهي الهيئة التي نجدها واقفة مندِّدة بكلّ محاولات نسخ هوية الأمّة وطمس معالمها، وواجب الشعب أن يساندها في مواقفها المشرِّفة لصالح أمتها في المشرق والمغرب، ولصالح الوطن الجزائر وأمّة الإسلام والعربية، وهي الهيأة المؤهلة للقيام بهذا الواجب، ولا يوجد لها من يحلّ محلّها ولذا فواجب على الشعب الجزائري أن يساندها قولا وفعلا، وبكافة الجهود.

والله وليّ التوفيق والسداد.

ذكرى التأسيس

الأستاذ الدكتور عامر طالبي –النائب الثاني لرئيس الجمعية-

بدأ الحديث عن نشأة “حزب ديني” منذ 1925 في الصحافة الإصلاحية لابن باديس في الشهاب وغيره، وأخذت الفكرة تتداول وتنتشر إلى أن ارتكب الاستعمار الفرنسي جريمته في الاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر العاصمة، وأعدّ لها ما أعدّ من برامج ودراسات ليدوم الاحتفال سنة كاملة، وهي سنة 1930،

ولكنه لم يدوم إلا ستة أشهر، وأعلن الاستعمار أن الجزائر أصبحت جزءا لا يتجزأ من فرنسا، والإسلام ذهبت أصوله من البلاد، والمسيحية تعود إلى الجزائر كما كانت في عهد الرومان، واللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، لا مكان لها في مدارسها  وإدارتها ومختلف مؤسساتها التعليمية.

وكان ابن باديس ومدرسته التي خرّجت من الجامع الأخضر عددا من النخبة الباديسية التي تكونت أيضا في الزيتونة بفضل البعثات التي كان يرسلها إلى هذه المؤسسة التعليمية المشهورة القديمة.

وما إن حلت سنة 1931 حتى تهيأت الظروف لتأسيس جمعية عظيمة كان لها أثرها البالغ في نهضة الجزائر وإحيائها، ثقافيا ودينيا ولغويا ووطنيا، ففي 17 ذي الحجة 1349 هـ الموافق لـ5 ماي 1931 وقعت الجلسة الأولى للموافقة على قانون هذه الجمعية التي سميت “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وكان قد دعي لهذا الاجتماع 122 شخصا فحضر 72 عالما واعتذر عن الحضور خمسون، فوقع الاتفاق على القانون الأساسي لهذه الجمعية في نادي الترقي من التاريخ المذكور، وكان الذي تولى تأسيسه لجنة تحضيرية ونشط لها في نادي الترقي السيد عمر إسماعيل من أعيان الجزائر، ومن مهمتها أيضا إحصاء العلماء الذين يمكن أن يكونوا أعضاء فيها.

وكتب الشيخ الإبراهيمي بذلك محضرا نشر في الشهاب ماي 1931 ص 341-342، وفي العدد الذي صدر في نهاية جوان 1931 ص 351-357.

وتكون مجلس إداري من 13 عضو أهم:

–        عبد الحميد بن باديس رئيسا

–        محمد البشير الإبراهيمي نائب الرئيس

–        الأمين العمودي كاتبا عاما

–        الشيخ الطيب العقبي نائب الكاتب العام

–        الشيخ مبارك الميلي أمين المال

–        الشيخ إبراهيم بيوض نائب أمين المال

ومن سبعة أعضاء آخرين مساعدين.

ولم يمر على الجمعية إلا سنتين حتى كانت محاولة الاستيلاء عليها من قبل خصوم الاتجاه الإصلاحي من الطرقيين، وكانت أزمة حقيقية، ولكن الجمعية خرجت منها بسلام، بفضل تكاتف الاتجاه الإصلاحي وحضوره المتميز، المتكون من تلاميذ ابن باديس القدماء ومن كان ضمن مدرسته الإصلاحية من الذين تخرجوا عليه، وبعد فشل محاولة الاستيلاء، تأسست جمعية أطلق عليها “جمعية علماء السنة” برئاسة الشيخ مولود الحافظي الذي كان من المؤسسين لجمعية العلماء.

وكان تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ردا حاسما تاريخيا على مزاعم فرنسا، بأن الإسلام قد اختفى من الجزائر وحلت محله النصرانية، وان اللغة العربية لغة أجنبية عن الجزائر، وأن الجزائر قطعة من فرنسا، ويمثل هذا الرد شعار الجمعية: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، فالدين واللغة والوطنية تمثل العناصر الأساسية لرسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأهدافها التي سعت بكل الوسائل الممكنة لتحقيقها والدفاع عنها بقوة.

ويزعم بعض الذين لا يعرفون تاريخ ابن باديس وتاريخ الجمعية أنها لا صلة لها بالسياسة ولا بالوطنية، وهذا خطأ كبير، ومغالطة واضحة. فإن ابن باديس نادى بالوطنية قبل جميع الأحزاب السياسية، وكان شعار أول جريدة أصدرها وهي “المنتقد”: “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”، وقد نشر ابن باديس منشورا لما دعت فرنسا للاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال مدينة قسنطينة سنة 1937 يدعو فيه لمقاطعة هذا الاحتفال الذي يذكّر بمأساة احتلال قسنطينة وما وقع فيها من جرائم ضد الإنسانية.

إن رسالة الجمعية اليوم تواصل الدفاع عن تلك الأهداف التي سطرتها في تاريخها وحققت الكثير منها، وهيأت عناصر الأمة التي قامت عليها ثورتها المجيدة العاتية فزلزلت الاستعمار، وذهبت بريحه وسيطرته، وحررت الوطن بعد أن حرر ابن باديس وصحبه العقول وبثوا الوعي الوطني والإسلامي في هذه البلاد.

وعلى شباب الجمعية اليوم في شعبها الولائية والبلدية، أن يجددوا العهد معها ومع مبادئها، ويشمروا على ساعد الجد بالاستماتة في بعث منهجها وتجديده، في مجالات الدعوة والتربية والتعليم والتفاعل مع وسائل الإعلام الحديثة التي تصنع الرأي العام، وتبلغ الرسالة إلى مختلف شرائح المجتمع كما كان فعل الأسلاف، ابن باديس وصحبه وأكثر.

فإن العصر تغير، ووسائل الإعلام والتبليغ تطورت تطورا هائلا لم يسبق له مثيل في التاريخ، ومن ذلك موقعكم هذا الذي أطلقته الجمعية إيمانا منها بضرورته للتعريف بنفسها وبمبادئها ووصلا بين هيئات الجمعية المحلية، وتمتينا لعلاقتها بالعالم.

وعلى أعضاء الجمعية أن يستمدوا من تاريخ الجمعية الإرادة القوية، والهمة العالية، والتضحية بالغالي والنفيس، وأن يستحضروا في كل ذلك الإخلاص لله ابتغاء مرضاته.

فإن هذه الغاية هي الغاية القصوى للمتقين الذين يحصلون على رضوان الله يوم لقائه.

(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق 6].

نسأل الله السداد في الرأي والإصابة في العمل، والتقوى في كل ما نفكر فيه وفي كل ما ننهج سبيله في حياتنا، إنه ولي التوفيق

رسالة جمعية العلماء

بين الأمس واليوم

بن يونس آيت سالم –النائب الثالث لرئيس الجمعية-

بعد مضي قرن كامل على احتلال الجزائر ، ظنّ المستكبر الغاشم أن الأمر استتبّ له بأرض الجزائر، وأن الإسلام أصبح بها أثرا بعد عين، فارتفع صوت جهير من نادي الترقي مدويا: الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا، وبذلك أصبح الخامس من ماي من سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة وألف من أيام الجزائر المشهودة.

لقد شاءت حكمة الله أن يخرج من رحم هذه الأمة علماء مصلحون، نذروا حياتهم لأمتهم، فربوا وعلموا، وأرشدوا وألهموا، إيمانا منهم بأن تحرير الأوطان يمر عبر تحرير الإنسان.

من أجل ذلك عمدوا إلى العقائد فصحّحوها، وإلى العقول فنبّهوها، وإلى الضمائر فأيقظوها، وإلى الأعمال فرشّدوها، وإلى الأمة فوحّدوها، فكان ذلك -بحق- إيذانا بفجر جديد.

لقد علمت فرنسا عن طريق مفكريها وساستها أن الاستعمار لا يثمر إلاّ في أرض سمادها الجهل، فعمدت إلى سياسة التجهيل. وأيقنت جمعية العلماء أنه متى انتشر العلم أجدبت الأرض على الاستعمار وشعر عندها بسوء المصير.

من أجل ذلك كانت الجمعية ثورة على الأمية والجهل، وحربا على الجمود والتخلف. لا ينكر هذا، كما يقول الإمام الإبراهيمي:”إلا صبيّ أو غبيّ أو عقل وراءه خبيّ”.

لم تأل فرنسا جهدا في التضييق على الجمعية بشتى الأساليب، ولكن سياسة العلماء كانت تنبني على قاعدة: “الظروف تكيفنا ولا تتلفنا“.

ولما دوّى صوت الرّشاش كانت الجمعية أول من لبّى، ورفعت عقيرتها لتقول للشعب الجزائري: هذه هي اللغة التي لا يفهم الاستعمار غيرها.

وتقدّم العلماء والأساتذة والطلبة إلى ساح الفدا، ينشدون إحدى الحسنيين. هاتفين: لا إله إلا الله والله أكبر، ومردّدين “فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب“.

وسل معهد ابن باديس في شرق البلاد، ودار الحديث في غربها، وغيرهما في كل ربوع الوطن، تنبئك الخبر اليقين.

بزغت شمس الحريّة، وجمعية العلماء في كامل استعدادها بمشروعها وما بقي من رجالها للإسهام في بناء الدولة، والنهوض بالأمة من كبوتها التي طالت، لكن أريد لها أن تغيب، فغابت الصورة وبقي الصوت، غاب الشّبح وبقيت الروح، إلى أن أذن الله بانبعاثها من جديد على يد رجال هم سليلوا أولئك الأماجد الأوائل، فسارت من جديد على القاعدة الموروثة: الوفاء لأصالة الماضي والاندماج بفعالية في الحاضر.

وهي تسعى بكل ما أوتيت من قوّة إلى أن تكون حاضرة في كلّ الميادين وعلى كل الأصعدة لتدلي بدلوها، ولتشارك بنصيبها في بناء يرقّي الأمة، أو رأي يرشّد مسيرتها.

وهي تحرص كلّ الحرص على أن تظلّ كما أراد لها الرّواد جمعية الأمة لا جمعية شخص أو هيئة، مجدّدة شعار: “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء“.

فيا أبناء الجزائر شيبا وشبانا، رجالا ونساء، هذه جمعية العلماء تدعوكم اليوم كما دعت أسلافكم بالأمس، فلتلبّوا كما لَبَّوْا، وستجدون الأفق أوسع، والدار أجمع. وسيجد كلّ ذي تخصّص- في رحاب مشروعها الإصلاحي- مجالا يجسّد أفكاره، ويفتّق مواهبه، وعندها ستسعدون بالجمعية وتسعد الجمعية بكم.

                 {{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}}     

تغريدات الجمعية