ماذا وراء محاولة اختطاف جمعية العلماء؟! / بقلم :الأستاذ عبد الحميد عبدوس

نشرت جريدة ليبرتي (Liberté) الصادرة باللغة الفرنسية، في عدديها الصادرين يومي الجمعة 4 والسبت 5 ماي 2012، وكذلك يومي الجمعة 11 والسبت 12 ماي 2012، مقالا في حلقتين بتوقيع الكاتب عبد الحكيم مزياني، وهو عبارة عن تغطية للنشاط الذي نظمه المقهى الأدبي لمؤسسة قصبة الجزائر، الذي عقد بمناسبة إحياء الذكرى الواحدة والثمانين لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
والمقال يثير الاستغراب بمجرد قراءة عنوانه، الذي ترجمته كما يلي: “تكريم القصبة لجمعية العلماء ومؤسسها الشيخ عمر إسماعيل”!.
فالاستغراب يأتي من كون أن الحقيقة التي يعرفها العرب والعجم، ويعتقد بصحتها جل المؤرخين لحركة الإصلاح الوطني وتاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي أن الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس – عليه رحمة الله- هو مؤسس جمعية العلماء المسلمين، فهل يكفي مقال لكاتب لامع وصحفي مخضرم ومقتدر في القضايا الثقافية ينصب اهتمامه -حسب ما قرأنا له- على شؤون الفن والسينما، والقضايا الأدبية أن يقلب حقائق معروفة وموثقة منذ 80 سنة؟! خصوصا أن القضية صدرت فيها مئات الكتب التاريخية، ومذكرات الفاعلين والشهود التاريخيين، أمثال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومذكرات الشيخ محمد خير الدين، أحد مؤسسي جمعية العلماء وأعضائها القياديين والدكتور أبو القاسم سعد الله، المؤرخ الجزائري المعروف، وكل هؤلاء مشهود لهم باستقامتهم الدينية، وأمانتهم العلمية، وسعة إطلاعهم على قضايا وخفايا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكل هؤلاء يؤكدون أن فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعود للإمام عبد الحميد بن باديس، وبسبب إخلاصه وعلمه، وسبق فضله في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد قرر إخوانه من الأعضاء المؤسسين للجمعية، إسناد رئاسة الجمعية إليه، رغم غيابه الجسدي عن حضور الاجتماع التأسيسي في نادي الترقي يوم الثلاثاء 17 ذي الحجة 1349 هـ الموافق 5 ماي 1331م.
ولا أحد ينكر دور الشيخ عمر إسماعيل في ترؤس اللجنة التأسيسية، وترأس لجنة العمل الدائم في السنة الأولى من تأسيس الجمعية، وهي تتكون من رجال فضلاء من أعيان العاصمة هم: الشيخ عمر إسماعيل رئيسا، والشيخ محمد المهدي كاتبا، والشيخ آيت سي أحمد عبد العزيز أمينا للمال، والشيخ محمد الزميلي عضوا.
وقد تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من علماء مصلحين مالكيين، وإباضيين، وصوفيين أو طرقيين، أما ما يدعيه الأستاذ عبد الحكيم مزياني بأن الفضل في تأسيس جمعية العلماء يعود إلى الجناح الصوفي للحركة الدينية، الذي ترأسه عمر إسماعيل، فهذا من قبيل الظن الذي يغني عن الحق شيئا.
ومن الجدير بالذكر التنبيه إلى أن تاريخ 17 ذي الحجة 1349ه الموافق 05 ماي 1931 المعتمد كتاريخ لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو في الحقيقة التاريخ الإداري للتأسيس أما فكرة الجمعية أو المشروع الحضاري للنهوض بالجزائر بواسطة الجمعية فقد نضج في سنة 1924 عندما عهد الشيخ ابن بادبس لرفيق دربه الشيخ الإبراهيمي بوضعه القانون الأساسي للجمعية.
ومن العيب أن يردد كاتب وطني مثل السيد عبد الحكيم مزياني بعد 50 سنة من الاستقلال أطروحة إدارة الاحتلال الفرنسي، التي كانت تلقي تهمة نشر الفكر الوهابي على قيادة جمعية العلماء، كمبرر لمنع جمعية العلماء من الحصول على تراخيص لإنشاء المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية، وإلقاء الدروس الدينية في المساجد الحرة لتوعية الشعب الجزائري، واستنهاض همته لمقاومة المحتل وتحرير الوطن!
أما الخلاف الذي وقع بين أعضاء الجمعية، وخاصة بين الجناح الإصلاحي فيها والجناح الطرقي، عند إعادة تجديد المكتب الإداري للجمعية في السنة التالية لتأسيس الجمعية، أي سنة 1932، فلا نعتقد أن أيادي الإدارة الفرنسية كانت بريئة منه، خصوصا بعد فشل الإدارة في استمالة الإمام عبد الحميد بن باديس لجانبها، وعجزها عن ترويضه والسيطرة على نشاطه الإصلاحي والوطني.
ولذلك فمن الغريب، أن يؤكد السيد عبد الحكيم مزياني في مقاله المشار إليه آنفا أن الإدارة الاستعمارية قررت منح تسيير مراكز العبادة في الجزائر لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، تطبيقا لقانون 1905 الذي يفصل بين الدين والدولة، منحازة بذلك لجانب الجناح الإصلاحي على حساب الجناح الصوفي في الجمعية.
لقد تمخض الخلاف المؤسف بين مؤسسي جمعية العلماء عن انشقاق الجناح الصوفي أو علماء الزوايا عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتأسيسهم لجمعية علماء السنة في 15 سبتمبر 1932 بزعامة الشيخ المولود الحافظي الأزهري، كما تشكلت لجنة العمل الدائم من الشيوخ: أبو يعلى الزواوي رئيسا، والشيخ رودوسي كاتبا، والشيخ محمد بن مرابط أحد كبار تجار العاصمة ومن مؤسسي نادي الترقي أمينا للمال، والشيخ رشيد بطموش مستشارا، والشيخ محمد بن الباي مستشارا خلفا للجنة العمل الدائم، التي كان يرأسها الشيخ عمر إسماعيل والتي كلفها المكتب الإداري الأول بمهام التنسيق بين الأعضاء، وحفظ الوثائق، وضبط الميزانية، وتحضير الاجتماعات الدورية للمجلس الإداري نظرا لأن أعضاءها كانوا يقيمون بالعاصمة، أي على مقربة من مقر جمعية العلماء بنادي الترقي، بينما كان أغلب أعضاء المكتب الإداري على غرار الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي، وغيرهم، ويقيمون خارج العاصمة.
في الأخير نعبر عن أسفنا لكون وميلنا الأستاذ عبد الحكيم مزياني الذي يشغل منصب نائب رئيس مؤسسة القصبة المنظمة للقاء لم يتكرم بدعوة البصائر لهذه المحاضرة على غرار ما فعله مع بقية الصحف الوطنية وربما كان هذا التوضيح قد قدم له في مكان انعقاد النشاط الثقافي بمؤسسة القصبة!

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.