الأسرى خاطروا بحياتهم…/الأستاذ حسين لقرع

حقق أكثر من ألفي أسير فلسطيني نصرا على العدو الصهيوني حينما اجبروه على تلبية مطالبهم التي أضربوا عن الطعام من أجلها، وفي مقدمتها إلغاء الحبس الانفرادي وإنهاء الحبس الإداري والسماح لعائلاتهم بزيارتهم في أوقات منتظمة، وإدخال إصلاحات أخرى تخفف من قسوة سجنهم ووطأته عليهم.
بعد أشهر قليلة من النصر الذي حققته حماس بإجبار العدو الصهيوني على تلبية أغلب شروطها مقابل إطلاق سراح الجندي الأسير شاليط، حيث تمكنت من تحرير مئات الأسرى، بعضهم كان محكوماً عليه بالسجن مدى الحياة أو قضاء فترات طويلة في السجن قد لا يخرجون بعدها أحياء، جاءت معركة آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين قرروا الدخول في إضراب عن الطعام وتعريض حياتهم للخطر من اجل افتكاك أبسط حقوقهم وفي مقدمتها إيقاف الحبس الانفرادي لبعض المسجونين لفترات طويلة، وإيقاف ما يسميه العدو الصهيوني بـ”الحبس الانفرادي”، وهو إجراءٌ تعسفي يلجأ إليه العدو ويقوم بموجبه بحبس أي فلسطيني لفترات طويلة قد تمتد إلى سنوات دون توجيه أية تهمة له أو محاكمته.

وانتهت المعركة بانتصار الأسرى بعد 25 يوماً من الإضراب عن الطعام، بل إن إضراب المسجون حلاحلة ورفيق له امتدَّ لـ73 يوماً، قبل أن يتمكن الجميعُ من إجبار العدو على تحقيق مطالبهم.

لقد تعرض هؤلاء الأسرى الأبطال طيلة أيام إضرابهم للجوع والهزال وخطر الموت في أية لحظة وكذا ضغوط العدو وحربه النفسية عليهم، ولكنهم ما ضعفوا وما استكانوا وأصروا على مواصلة إضرابهم إلى غاية تحقيق إحدى الحسنيين؛ فإما النصر وتحقيق مطالبهم وإما الشهادة وتقديم مثل آخر عن بطولات الفلسطينيين وشجاعتهم واستعدادهم للتضحية بحياتهم في أية لحظة قرباناً لوطنهم المحتل وفي سبيل حريتهم، فضلا عن إحراج العدو وعزله أكثر وأكثر على الصعيد العالمي وهو الذي يعاني في السنوات الأخيرة من عزلة عالمية ما انفكت تتوسّع باستمرار بسبب سياساته الجائرة ضد الفلسطينيين عموماً وسكان غزة خصوصاً.

وكُلِّل الصمود الكبير لآلاف الأسرى بنصر جديد للفلسطينيين يُضاف إلى النصر الذي تحقق في صفقة شاليط، وكذا إلى انتصارات سابقة تتعلق بتحرير قطاع غزة في 2005 وإجبار العدو على اتخاذ قرار الانسحاب منها، وكذا الصمود في حرب 2009، ما يعني أن آفاقاً جديدة بدأت تُفتح أمام الفلسطينيين نحو تحقيق سلسلة من الانتصارات ولو كانت صغيرة، وهذا بعد ستة عقود من الهزائم المتتالية والتي خلفت في نفوس الكثير منهم بمرور الوقت تراكم الاحباطات وخيبات الأمل المريرة وضعف الهمة وحتى اليأس من تغيير الأوضاع.

وحينما يأتي نصرُ الأسرى متزامناً مع الاحتفالات بالذكرى الـ64 لنكبة 15 ماي 1948، فإنه يصبح ذا دلالةٍ رمزية كبيرة؛ فالانتصار في هذه الذكرى الأليمة بالذات، يعني أن الفلسطينيين لم يهنوا ولم يستسلموا ولا يزالون يواصلون معركتهم بنفس العزيمة ونفس الإصرار، لا يضرهم في ذلك غطرسة العدو وقسوته واختلال ميزان القوة لصالحه بدعم من القوى الكبرى في العالم، ولا من خالفهم من “الإخوة” و”الأشقاء” الذين انشغلوا بلهْوهم عنهم، فإذا كان الفلسطينيون ضعيفي العُدَّة والعدد وخذلهم الصديق والأخ، فإن هناك وسائلَ صراع جديدة يمكنهم اللجوء إليها لتحقيق الحد الأدنى من مطالبهم وإذلال العدو دون قتال؛ إنه سلاح الأمعاء الخاوية الذي يدخل المعركة ويثبت فعاليته في معركة الأسرى، فهاهو يجبر العدو على تلبية مطالب المضربين ويحقق للفلسطينيين نصرا صغيرا، ولكنه نصرٌ مهم لرفع المعنويات وحشد الطاقات ورص الصفوف وتوحيد المواقف، إذ لم نسمع في هذه المعركة بأسرى تابعين لحمس وآخرين لفتح، بل سمعنا بأسرى فلسطينيين يتضامنون بينهم ويشدون بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص بغية إجبار العدو على تحقيق مطالبهم بغض النظر عن انتمائهم، فكان لهم ما أرادوا.

وربما خرج العدوّ الصهيوني هو الآخر بأقلِّ الأضرار من هذه المعركة، وظهر بمظهر الحريص على “أنْسَنة” سجونه ومعاملة الأسرى وفقاً للمعاهدات الدولية ولو كان بعضهم “متورطا في سفك دماء الإسرائيليين” على حد تعبيره، وربما تمكن أيضاً من تفادي الأسوأ في حال توفي أي أسير مضرب عن الطعام، بعد أن هدد الفلسطينيون بتفجير انتفاضة ثالثة شاملة تقضّ مضاجع الصهاينة في الضفة الغربية على غرار ما حدث لهم في الانتفاضتين السابقتين، ولكن الصحيح أيضاً أن الفلسطينيين قد خرجوا من هذه المعركة بمكاسب لا تقل أهمية ومنها اكتشاف سلاح الإضراب الجماعي عن الطعام ودوره في توحيد الفلسطينيين وشحن هممهم وطاقاتهم أيضا وتفجير مخزون الغضب لديهم، ليس في السجون فحسب بل وخارجها أيضاً؛ فحتى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي طالما حرص على مهادنة العدو وعدم الإدلاء بأي تصريح يثير حفيظته، ولم يكن يتوانى عن قمع أي تململ شعبي ومظاهرات مناوئة للصهاينة، أكد هذه المرة عدم استعداد سلطته للتصدي للفلسطينيين إذا قرروا تفجير الانتفاضة الثالثة في حال وفاة أي أسير مضرب عن الطعام، وهو ما فهمه الصهاينة جيدا فسارعوا إلى التفاوض مع السلطة وكذا حماس عن طريق الوسيط المصري بشأن إنهاء إضراب الأسرى مقابل تحقيق مطالبهم، وهو ما تمّ في نهاية المطاف، فتحقيق مطالب الأسرى وإنهاء معاناتهم أهون على الصهاينة من مقارعة انتفاضة شعبية ثالثة تحوِّل حياتهم في الضفة إلى جحيم لا يُطاق.

يبقى أن ننتظر بعض الوقت لنرى إن كان هذا السلاح سيشهره الأسرى مجدداً في قادم الأيام لتحقيق حريتهم بعد أن أشهروه لتحقيق مطالب محددة تتعلق بظروف سجنهم. لننظر ونرى.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.