العولمة والإسلام:2-الحداثة جسر العولمة/ د. جيلالي بوبكر

2– الحداثة جسر العولمة
إنّ من المبادئ التي تنادي بها العولمة وتأسست عليه الحداثة والرأسمالية والحضارة الحديثة والمعاصرة مبدأ الحرية، وحق طبيعي أساسي للإنسان تنهكه العولمة يوميا سياسيا واقتصاديا وعقائديا وفي كل مجالات الحياة، وتضع القيود المختلفة على شعوب العالم، ولا تسمح لها بممارسة حقوقها المختلفة وفق مبدأ الحرية ، “فالحديث عن مبدأ الحرية لا يعني أن هذه الحرية حق شخصي إنساني، بل يعني أنها حق ديني كذلك شرعته كافة الأديان السماوية والوضعية، وجاء الإسلام ليجعل من حرية الإنسان حقيقة مرتبطة بكرامة الإنسان وإنسانيته، حتى ولو تعلق الأمر بالدين ذاته، فقد قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾. وروي أن مجموعة من نصارى نجران وفدو على النبي صلى الله عليه وسلم ودخلوا المسجد وحانت صلاتهم وقاموا يصلون في المسجد فأراد الناس منعهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “دعوهم”، كما أنّ حرية الإنسان حق اجتماعي، إذ لا يمكن أن يستقر أي مجتمع أو يتقدم إلا بحرية أفراده لأن الحرية تطلق الطاقات الإبداعية لدى الإنسان… إن العالم اليوم يتحدث عن الحرية كحق إنساني يجب أن تسعى له البشرية، لكن العالم لم يعمل لإقرار هذا الحق، فمازال يتغاضى عن كثير من وسائل تقييد الحريات خاصة في المجتمعات المتخلفة أو التي تهيمن عليها نظم الديكتاتورية”. ولا يتسع أفق الحرية في العالم المتقدم ويضيق أكثر في البلدان الإسلامية، وإذا كان أُفقها قد أفلت من القيود في بعض المجتمعات فقد أدى ذلك إلى شيء من التحلل والفوضى والإجرام، نجد من قضى على الحرية بسبب ما فرضه من قيود على الإنسان، والحرية هبة طبيعية وحق متجذر في الإنسان تحترمه كافة الشرائع والنظم الوضعية، وإنما تقوم هذه الشرائع والنظم بتنظيم هذه الحرية حتى لا تتحول إلى فوضى هدامة، بل تستثمرها لخدمة مصالح الإنسان.
من القضايا التي تحاول العولمة أن توظفها لأجل اكتساب تأييد الإنسان في العالم المتقدم والعالم المتخلف على السواء قضية حقوق الإنسان، لكنها تبقى مجرد شعارات يتغنى بها الكثير، فهي منتهكة في البلدان المتقدمة أما في العالم الثالث فهي منتهكة إلى أبعد الحدود، لأن إيديولوجية العولمة وسياستها تفرض تسلط الأقلية الغنية الحاكمة الظالمة على الأغلبية الفقيرة المظلومة المحكومة، ويختلف استمداد حقوق الإنسان في الإسلام عنه في الثقافة الغربية، ويعرض صاحب كتاب “الثقافة والعولمة” هذا الاختلاف في قوله: “إلا أن نقطة الخلاف برزت من مرجعية هذه الحقوق. ففي الوقت الذي عرض الباحثون وجهة نظرهم من أن هذه الحقوق تستمد مشروعيتها من مشروعية الحق ذاته باعتباره سمة لازمة للإنسان، كما تستمد المشروعية من الإرادة الإنسانية إذا اجتمعت إرادة البشر ورغباتهم في احترام هذه الحقوق وصيانتها والمحافظة عليها، فقد ذهب الجانب الإسلامي إلى أن مشروعية هذه الحقوق ليست منحة من أحد، لا من حق الفرد ولا من الإرادة البشرية، وإنما تستمد مشروعيتها من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي خلق الإنسان وأعطاه كافة الحقوق باعتباره المخلوق المكرم لقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾. فالإنسان المكرم بذاته من سلطة عليا قررت له الحقوق، ولا يمكن لأي سلطة أخرى أن تبدل أو تغير فيها. ولذا فالرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان أكثر ثباتا واستقرارا لأن أي إنسان أو مجموعة من البشر لا يمكن أن يغير هذه الحقوق، أما إذا كانت هذه الحقوق مبنية على إرادة المجموعة البشرية فما الذي يمنع هذه المجموعة أو غيرها أن تلتقي مرة أخرى، وتسلب الحقوق أو بعضها، ألم يكن الرق مشروعا قبل مائة وخمسين عاما بإرادة بشرية؟، ألم تمارس الشعوب القوية سلطتها على الشعوب الضعيفة وتستعبدها، كما حدث في إفريقيا وفي الولايات الجنوبية بأمريكا قبل أن يأتي “أبراهام لنكولن” ويطلق بيانه بتحرير العبيد؟ “. إن تكريم الإسلام للإنسان وتفضيله عن بقية المخلوقات وتحريره من الرق ومن كل ما يسيء إليه ويُنغص عليه حياته محدد في نصوص القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول والرئيسي للتشريع الإسلامي، يتضمن القرآن الكريم ما على الإنسان من واجبات وما له من حقوق، ومنها حقوق المرأة التي يتغنى بها الكثير ويتشدقون إليها في الغرب وخارج الغرب، المرأة التي يعاملها الغرب كسلعة حتى ولو بلغت أرقى الرتب والمناصب في المجتمع، فهي بضاعة تباع وتشترى في سوق العمل وفي سوق الليل والبورنوغرافيا، تتعرض للاغتصاب والقهر في البلدان الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، أما في البلدان المتخلفة فهي تعاني جنينا وطفلة وفتاة وامرأة وطوال حياتها، بعدما كرمها الإسلام ومنحها المساواة اللازمة لها مع أخيها وزوجها وأبيها وشريك حياتها الرجل، هذه المساواة حوّلها الغرب وحوّلتها العولمة إلى صراع وتنافس غير شريف مبتغاه الغلبة والسيطرة لا على السبيل الندية المبنية على التعاون ولكن ليعزل الواحد منهما الآخر، والنتيجة انتشار العنوسة والترمل في صفوف الرجال والنساء على السواء، وتلاشي الرباط المقدس، رباط الزواج، وهو رباط روحي ومعنوي يجمع بين المرأة والرجل لتشكيل أسرة هي النواة الأساسية لبناء مجتمع وحياة اجتماعية ينعم فيها الجميع بالراحة والرفاهية والطمأنينة.
يحلو للكثير ممن يعادون الإسلام ويحكمون عليه من خلال ممارسات فردية معزولة لا تمت صلة به أن ينعتونه بنعوت سيئة، تكشف عن نواياهم المبيتة على الكراهية والحقد، لا لسبب سوى لوقوفه في وجه الظلم والاستعباد وقهر الإنسان للإنسان، ودفاعه عن الحق ومعاداته للشر ونبذه للخلاعة والإفراط في تحصيل للشهوات والملذات على حساب الخلافة الرسالية الإنسانية على الأرض، من هذه النعوت الظلامية والتخلف والرجعية والتطرف، عقائده محدودة تجاوزها الزمن وهي لا تتناسب مع التطور العلمي والتقني والحضاري الذي يعرفه العالم المعاصر، أما شرائعه فهي ثابتة جامدة أما الحياة فسمتها التغير والتجدد المستمر، وما هو متغير لا ينبني على ما هو محدود وثابت، هذا المنظور استند إلى الفكر الغربي الذي عزل الدين بعد الانقلاب عليه قبيل النهضة الأوربية لأنه شكّل عائقا أم نهضة أوربا، ويريد هذا الاعتقاد أن يضع الإسلام في الموضع نفسه، لكن شتّان بين الإسلام والنصرانية، وهو الاعتقاد ذاته الذي يتهم الإسلام بمسؤوليته عن التخلف والانحطاط في العالم العربي والإسلامي المعاصر، ويرى المسلمين في مرحلة ما قبل الإصلاح الديني، وهو يعلم يقينا بأن الإسلام ليس هو العقائد النصرانية التي شوهت قيم رسالة المسيح عليه السلام، ويعلم يقينا أن الإسلام دين حق وعلم وحضارة ورقي وازدهار، ليس دين جمود وتحجر وانحطاط. إذا كان الإسلام ينبني على التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فهو لم يمنع العلماء من الاجتهاد فيما لا نص فيه من كلام الله أو من كلام نبيه، وحتى ولو أُغلق باب الاجتهاد في مراحل من التاريخ الإسلامي فذلك لا يعني أبدا أن باب الاجتهاد موصد في الشريعة الإسلامية، فالشريعة فيها من الثوابت ما لا يقبل الاجتهاد وفيها ما هو متغير لا يقبل الثبات فيه الاجتهاد ضروري، وقد اجتهد النبي والصحابة والتابعون والعلماء الأئمة، مما يؤكد أن الاجتهاد مطلوب، ويدل على مرونة الإسلام وشمولية رسالته للزمان والمكان بأبدية، وما “وصلت إليه الأمة من التخلف وعجز في فهم السريعة الإسلامية وتطبيقها إنما مرجعه إلى عجز المسلمين أنفسهم وتخلفهم وليس عيبا في الشريعة ذاتها، بل هي باقية “مادامت الأرض أرضا والسماء سماء” كما عبر بذلك الفقهاء. فلا مجال لتحقيق مواكبة العصر وتلبية احتياجاته إلا من خلال فتح باب الاجتهاد، فمنذ أُغلق باب الاجتهاد وفُتح باب التقليد والأمة المسلمة في تردّ وتخلف واتكالية على ما قدمه السابقون، ولذا فإن فتح باب الاجتهاد ضرورة لازمة لأهل الاختصاص من العلماء، وفي غير تردد وعجز، أو تساهل وتخبط، فالاجتهاد حركة علمية يجب أن تنشط وأن يتصدر لها أهل العلم والاختصاص والاجتهاد”.

تغريدات الجمعية