فـأيـن تـذهبـون…؟

أشهد، أن ما كان، حلما كبيرا، في عقل المواطن الجزائري، قد تلاشى، وتبخر. وأن الذي كان يوصف، بالخطوة الصحيحة نحو التقدم في طريق الإصلاح والتغيير، قد تأخر إلى الوراء وتقهقر.
أجهزت العملية الانتخابية، الأخيرة، بطريقة تنظيمها، وكيفية ترشح مرشحيها، ومنهجية فرز أصواتها، وإعلان نتائجها، أجهزت هذه العملية، على ما بقي من أمل، وقضت على المأمول من عمل.
قال الشعب كلمته في صمت، فاستخدم سلاح المقاطعة، وخسرت الأحزاب، أخطر اعتماد شعبي وهو المبايعة، ورسبت الحكومة في تطبيق مبدإ الحيادية، وحسن المتابعة.
فها هي الجزائر، أحزابا، وحكومة، تطل على شعبها ببرلمان ذي رأسين، فاقدين للشرعية، أحدهما فاقد للشرعية الشعبية، إذ لم تزل تزك نوابه إلا أقلية شعبية، وثانيهما فاقد للشرعية القانونية، ما دام المجلس الدستوري لم يصادق على وجوده القانوني.
فأين تذهبون؟ وبأي برلمان، بعد ذلك كله، تؤمنون؟
سقطت الأقنعة –إذن- وبان لكل ذي عينين أن العملية الانتخابية، بإيجابياتها وسلبياتها، قد أفرغت من أهدافها، وحادت عن غاياتها ومقاصدها. فأيا كانت الحسابات التي أجريت، ذلك أن النتائج الخاطئة قد جاءت عاكسة للمقدمات المغلوطة، وإلا كيف يمكن إقناع العقل العادي، بأن تجربة خمسين سنة، مليئة بالأخطاء، والتي أنتجت انقساما وتصدعا داخل الحزب العتيد، وبعد منافسة شرسة أمام 45 حزبا، تنتج هذه التجربة، النتائج المعلنة، بحصد نصف مقاعد البرلمان؟
إن هذا هو الذي حارت البرية فيه. فمعادلة سياسية، بهذه المقدمات، تعجز القواعد الرياضية، العلمية أو السياسية، عن فكها، فما هو المخرج إذن؟
لو كان لي من الأمر شيء، لتعلمت من الخطأ، فأعمل على تغيير كل شيء، بدء بتجميد العمل بكل شيء، إسناد مهمة التغيير إلى هيئة حكومية محايدة، لا ناقة حزبية لها، ولا جمل سياسي، بل يكون هاجسها الأول والأخير حزب الجزائر الكبرى، الذي يغوص في أعماق الشعب فيستأصل كل أسباب العزوف الشعبي عن الانتخابات، ويخضع عملية الترشيح للمراقبة الدقيقة، وفق معايير وطنية تخلّص الترشيح من كل أنواع القبلية، والمحسوبية، والرشوة بالمليونية، بحيث لن يكون الولاء إلا للجزائر الوطنية بأبعادها الحضارية، وتنميتها الاقتصادية والصناعية، والثقافية، والسياسية.
ومرحبا، بعد ذلك بأي مرشح يخرجه لنا الصندوق، سواء أكان من إليزي أو من قرية صدوق، وأهلا وسهلا بأي حزب تعززه لنا الحرية والقانون، سواء أكان حزب الشيخ جاب الله، أو السيدة لويزة حنون.
من هنا –إذن- يبدأ التغيير الصحيح، الذي تصنعه حرية الإرادة، وتلتقي فيه عزيمة الأحزاب، والشعب والقيادة.
فليس العيب أن نخطئ، ولكن العيب الأكبر أن نبقى مصرين على الخطإ.
إننا، من وحي المعاناة، وبدافع من حب الجزائر، والحرص على استقرارها واستقلالها، وحماية لها من أية زلازل وزعازع، نبعث برسالة نصح، وإشارة، وتنبيه، إلى كل من يهمه الأمر، أن السفينة تتأرجح وسط أمواج محلية، وإقليمية، وعالمية، ويوشك هذا التأرجح أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
إن التغيير، حتمي لا ريب فيه، فأين تذهبون؟ ولكن لأن يكون التغيير بإرادتنا، وطوعا لا كرها، فإنه سيعمل على صيانة الصف، وتسديد نبال الهدف، والقضاء على الدوران واللف و”الهف”.
ورحم الله أحمد شوقي في قوله:
نصحت، ونحن مختلفون دارا
ولكن كلنا، في الهم شرق

تغريدات الجمعية