ارحمينا … يا دمشق ..!

ارحمينا يا مدينة العلم والحضارة، ويا عاصمة الشعر، والأدب، والقيثارة، ارحمينا مما نعانيه منك، ومما تعانين منا! فأنت في كل يوم، وساعة، ترسلين إلينا من صور البشاعة الإنسانية، ما لا يتحمله عقل بشر، ويذوب لهوله، الشجر والحجر.

إن صور الأشلاء المبعثرة على حافة الطريق، والدماء المسفوكة من هول القصف والتعذيب، والتحقيق، لمما تنوء بتبعاته صلابة الجبال، وتخر لهوله ضمائر النساء والرجال.. فمن يقتل من في سورية؟ ومن هو القاتل، ومن هو الضحية؟ ولأجل ماذا يَقتل هذا؟ ومن أجل ماذا يموت هذا؟.

لقد أدرك الإجابة عن هذه الأسئلة كل الأخيار من الكبار إلى الصغار، وتعامى عن إدراك الحقيقة، كل العُتاة الأشرار، والظلمة الفجار، فأي عار أشنع من هذا الشنار؟

مأساة شعب سوريا، مأساة نسَج خيوطها، الاستبداد بإصراره، والظلم باستمراره، والطغيان العالمي باستكباره، والحاكم العربي بتواطئه، وعدم استنكاره.

فيا لله للشعب السوري الأعزل، وما تعانيه فئات حرائره وأحراره! إن المسرحية الدرامية، الدائرة على خشبة المسرح السوري الدامي، قد ضاق بأدوارها –حتى- الممثلون، وسقط لفظاعة مناظرها المشاهدون، ولم يكف عن عرضها الملقنون والمخرجون.

إنها مأساة ولا أبا فراسٍ لها، وإنها ملهاة، ولا نزار قباني بالكلمات لرسمها، فما المخرج، وكيف النجاة؟

إن أبناء شعبنا محاصرون، كالجرذان في الجحور، يعانون جراحا من الشعور، وكسورا في الظهور، وتأزما في وجود المقابر والقبور، ودماء الشرق على مواطن العفة، والنحور؛ في حين يتلذذ الظلمة، والمفسدون في نعيم القصور، يطلون على المعذبين كما تطل الغواني من الخدور، فيا للفجور، ويا للويل والثبور.

لقد ظننا، وبعض الظن إثم، أن ما حدث في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، والعراق، والصومال، وغيرها من بلدان العالم، درس يجب أن يعيه كل ذكي وكل غبي، وأن الوالغين في دماء شعوبهم، سوف يستلهمون العبرة من أخطاء غيرهم، فيسارعوا إلى كسب ود شعبهم بإعادة حقه المداس، وطرد كل وسواس خناس، من دائرة المراس، وإشراك المخالفين في الحكم من جميع الناس، ولكن جنت براقش على نفسها، وعلى غيرها، وها هي ذي الملحمة الوحشية تمتد وتطول، فيشيب لهولها الصبية، والفحول، ويذهب ضحيتها حتى الخرفان والعجول.

إننا نبرأ –إلى الله- مما يحدث في سوريا من إصرارٍ على الحِنث العظيم، وتَمادٍ في الإقدام على كل أنواع التعذيب، والقتل، والتنكيل، والتجريم. إننا نرفع –إلى الله- أكف الضراعة، من أن يمكن لأحرار سوريا، من الثبات، وهزم الطغاة، وتطهير مياه الفرات العذبة، من الدماء السوداء الملوثة بجثث الضحايا الأبرياء الحافة العراة، إننا نستصرخ ضمائر العلماء، ومشاعر الشرفاء، وبقايا وعي النبلاء، أن يهبوا لفعل شيء، فسوريا الحبيبة تحترق، وشعبها العزيز يحتضر ويختنق، فالبلاء، يحيط بكل جانب، ويوشك أن يلف الجميع بشرّه وينغلق.

فيا إخوتنا في سوريا! لتعلموا أن التغيير قادم لا مناص منه، وأن أنهاره بأمواجها سوف تقتلع الفاسد في أي مستوى، وستسوق الجميع إلى قبر العدم، إلى مزبلة التاريخ كما فعلته بالمفسدين من قبل، بفرعون الذي علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ولكن أين فرعون اليوم؟ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾.

إن التاريخ كله سنن، وكله مواعظ، وويل لمن لا يعي سنن التاريخ، ولا يستلهم الدروس من وقائعه، فالحقيقة الثابتة التي لا مراء فيها، هي أن قضايا الشعوب العادلة، مهما عانت، ومهما طالت معاناتها، فسيكون النصر حليفها، على أعدائها، ويومئذ يخسر المبطلون، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ صدق الله العظيم.

فارحمينا يا دمشق، وعودي إلى ذاتك.

الدكتور عبد الرزاق قسوم

تغريدات الجمعية