الجزائريون: شعب بلا حدود/د.أبوالقاسم سعدالله

استحضر الأستاذ ألان كريستلو A. Christelow مدونة تاريخ الجزائر وتوقف عند محطات رئيسية منها فوجد نفسه أمام شعب لا يحول بينه وبين هدفه حائل، شعب مستعد للهجرة إلى حيث أراد، وقادر على التعايش مع مختلف الحضارات والأديان وفي كافة القارات. لقد بدأ منذ نهاية القرن الثامن عشر يصنع تاريخه العالمي مشاركا للآخرين في حراكهم وفي صراعهم وحتى في سكونهم دون أن يعنيه ما هم عليه من اختلاف في العقائد والتقاليد وبعد المسافات.

والأستاذ كريستلو ليس جديدا على البحث في تاريخ الجزائر. فقد درس العلاقات التاريخية بين الجزائر وأوروبا وأمريكا منذ القرن السابع عشر تقريبا حين كان أسطول الجزائر يخيف دول البحر الأبيض، ولنسمه عهد البحارة المجاهدين أو القراصنة المغامرين الذين لم يدخلوا النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلا وقد أنهكت قواهم وفرغت خزائنهم. غير أن كريستلو جاء هذه المرة لكي يعلق على الأحداث أكثر من كتابة التاريخ من خلال الوثائق. والأحداث التي علق عليها هي التي كان للجزائريين دور في تحريكها أو صنعها، وما أكثرها. والمنهج الذي درس وعلق به هو منهج العلوم الاجتماعية الشامل. فهو لا يتناول التاريخ كحدث ولكنه يتناوله كمسار إنساني له دوافع اجتماعية واقتصادية وسياسية، كما له أهداف ذات أبعاد تدفعها الغرائز والمصالح والتخلص من الإهانة والبحث عن الذات.

ودراسة تاريخ الجزائر التصقت بالأستاذ كرستلو منذ السبعينيات من القرن العشرين حين كان معلما للغة الإنجليزية وآدابها في ثانوية مبارك الميلي بعنابة حيث كان طلبتها يدعونه (سي الحفصي)، وربما كانوا يلاحظون عليه أنه كان أستاذا مختلفا عن الأستاذ الفرنسي وعن لغته ومعاملته. تابع دراسته بعد ذلك لتاريخ الجزائر في جامعة ميشيغان الأمريكية مسجلا لشهادة الدكتوراه على الأستاذ ريتشارد ميتشل، وهو عربي من أسرة شامية مهاجرة. وكانت الصحوة الاسلامية عندئذ قد دخلت مرحلة الصعود المفاجئ للجميع، مرحلة الصحوة وعودة الإخوان المسلمين في المشرق إلى المسرح، وقد ظهر من كان يدعو إلى الشفافية في الحكم والمشاركة فيه والتداول على السلطة وإتاحة الفرصة لظهور جميع التيارات في وقت كانت فيه بلاد الأفغان بؤرة للتناطح بين روسيا وأمريكا، وكانت الحرب الباردة تلفظ فيه أنفاسها الأخيرة.

وكان الأستاذ ميتشل متخصصا في حركة الإخوان المسلمين في مصر وفي غيرها، وكان كتابه عنهم قد ترجم إلى العربية وأثار ضجة كما تثيرها أنشطتهم اليوم، فكان يحملهم مسؤولية ما كان يحدث في المشرق من توتر وصراع، ولكنه في نفس الوقت كان يرتب أوراقه ليجعل من مصر مبارك مطية للسيطرة على الساحة العربية وتأمين إسرائيل. وهكذا أطلق الغرب يد حافظ الأسد لضرب الإخوان بحماه، وقاربت بين الثالوث (مصر وسورية والسعودية) وأركبته القطار لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. أما شمال إفريقيا فقد كان خارج الخريطة لأن أهله، ومنهم الجزائريون، كانوا يفضلون العزلة والانكماش والتفرج على صناع التاريخ في الأوطان الأخرى.

في هذا الوقت كان كريستلو يدرس الجزائر في العهد الاستعماري، وقد أهدته الوثائق والوقائع إلى أن فرنسا قد حطمت عناصر الهوية الوطنية في مستعمرتها سيئة الحظ، وفجأة اكتشف أن هناك تيارا ظل، مع ذلك، يقاوم الاستعمار وهو الشريعة الإسلامية ممثلة في القضاة المسلمين ومحاكم الأحوال الشخصية وبعض العلماء المحافظين. وهذا التيار هو الذي أدى – حسب رأيه- الأمانة إلى جيل الحركة الوطنية بين الحربين العالميتين الذي فجر الثورة عام 1954.

حصل كريستلو على الدكتوراه بأطروحته (الهيمنة الاستعمارية والمحاكم الإسلامية في الجزائر)، وهو موضوع شائك ومتعب وجديد. ولا ندري ما العوامل التي جعلت اهتمام كريستلو يتحول من تاريخ الجزائر إلى تاريخ نيجيريا التي ذهب إليها مدرسا بجامعة أحمد بيلو ومعاشرا لمسلميها في الشمال الواسع الآفاق والممتد الأطراف. وبينما هو في نيجيريا أصدر كتابا هاما عن أحد زعماء إفريقيا البارزين وهو الأمير عباس حاكم كانو، وعنوان الكتاب هو: هكذا حكم الأمير عباس… قضايا مستخرجة من المجلس القضائي لأمير كانو. وقبل أن يعود على التركيز على الجزائر نقول إن إفريقيا لم تغب من أجندة كريستلو فقد ظل يلتفت إليها بين الحين والآخر.

أما الجزائر فقد ظلت تنبض في قلمه مسيطرة على اهتمامه الأكاديمي إلى أن أصدر عنها عدة دراسات، منها قضايا حج المسلمين إلى البقاع المقدسة، وانتشار نخبتها في المستعمرات الفرنسية الإفريقية معلمين ومساعدين للمكتشفين الفرنسيين، متوسلة بهم إلى ال الشعوب الافريقية المسلمة. وهذه النخبة الجزائرية هي التي ضحت بنفسها حين عرضتها للأخطار بالتداخل في الحروب الأهلية والقبلية والنزاعات بين زعماء الصوفية التي تتحول في كثير من الأحيان تحت دسائس الاستعمار، إلى نزاعات سياسية، موظفين كل ذلك لصالح فرنسا طبعا. وبحكم ثقافتهم المزدوجة وفكرهم المتنور تمكنت النخبة الجزائرية من توظيف بعض العصبيات المسلمة لصالح فرنسا فرجحوا كفة على أخرى، وخرج منهم مغامرون سرعان ما انفتحت أمامهم أبواب العولمة.

ومهما كان الأمر فقد عاد كريستلو إلى أمريكا من إقامته الافريقية ومعرفته التاريخية والدينية برصيد كبير انعكس على اتجاه دراساته المستقبلية، ومنها التركيز على تاريخ العرب والمسلمين المعاصر وخاصة تاريخ افريقيا المسلمة. وبعد هذه التجربة العميقة والطويلة أصبح أستاذا في جامعة أيداهو الواقعة بولاية أيداهو المحاذية للحدود الأمريكية- الكندية، وهو ما يزال بهذه الجامعة إلى الآن.

في جامعة أيداهو ظل يواصل دراساته عن تاريخ الجزائر سواء من خلال الأرشيف الفرنسي واقتناء الكتب والاطلاع على آخر الدراسات، أو من خلال متابعة الأحداث الساخنة في مرحلة ما بعد الاستقلال والتطورات الحاصلة في الأفكار المحلية والانتفاضات الشعبية والسخط على التدخل الأجنبي بأشكاله المختلفة وهجرة الجزائريين إلى مختلف الأصقاع متجاوزين الحدود الدينية والإثنية واللغوية وغيرها. وفي نظره أن هذا التطور جعل الجزائري يتحول من مجاهد إلى محاور، ومن إنسان معادي لكل ما هو ضد الإسلام إلى إنسان صديقا لكل ما هو إنساني، فأصبح الجزائري رافعا لواء حوار الحضارات.

ولعل هذه التطورات هي التي قادت كريستلو أيضا إلى أن يصبح أكثر اهتماما بتناطح الأديان وصراع الحضارات ومآسي اللاجئين والملتجئين والهاربين الجزائريين سياسيا، كما أهلته ليصبح مستشارا في شؤون اللاجئين والمهاجرين والحراقة الجزائريين عبر العالم بل عبر حدود الحضارات الذين لم تقف بينهم وبينها هويتهم ولا لونهم ولا تكوينهم الديني رغم انتشارهم في جميع أقطار الأرض وبحارها. فقد أصبح الجزائري اليوم مواطنا في أوروبا وأمريكا وفي الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا واستراليا ونيوزيلاندا كما هو مشاهد.

ولكن البداية بقيت هي رسالة أحمد بن علي، فاتحة الاتصال بين الجزائر ودولة ستصبح كبرى مثل أمريكا، دولة كانت مجهولة فأصبحت قائدة سفينة العولمة. أما اتصال الجزائريين بالعالم الأوروبي فالأستاذ كريستلو يعرف أنهم تداخلوا مع دوله وإنسانه سواء كانوا في بلدانهم أو في خارجها منذ عصر الحروب الصليبية الغربية (اسبانيا والبرتغال..) ثم قرصنة مالطة وفرنسا وبريطانيا وهولندا. وليس كالقنصل الأمريكي، ويليم شيلر، W. Shaler الذي حرض ضد الجزائر وحث بريطانيا، بصفتها الدولة الأعظم عندئذ، على احتلال دون خوف من جيشها وأسطولها وحكومتها التي تدعي القوة وهي مجردة منها. وهكذا انحصر تاريخ الجزائر الذي ركز عليه كريستلو بين رسالة أحمد بن علي سنة 1794 وهجرة أحمد الزاوى إلى نيوزيلاندا سنة 2003 .

يمثل الأستاذ كريستلو الباحثين الذين لا يتركون حجرا في مكانه، فهو يحرك كل ساكن ويستنطق كل ساكت ويتذكر كل منسي. كم من حادثة عرفتها الجزائر ولم تجد من ينبشها حتى الآن. أما كريستلو فقد نبش المقابر والوثائق والزوايا حتى عرف قصة الحادثة عن طريق “الكشف” والإلهام، مبتدئا بالحروب الصليبية، كما أشرنا، مارا بعهد الجهاد (القرصنة) والهجرة والاختلاط بالحياة الأوروبية ليس ابتداء من الاحتلال الفرنسي، كما يتخيل بعض الناس أو يدرس الدارسون السطحيون، ولكن ابتداء من العهد العثماني حين اصطدمت الحضارة الإسلامية بالغربية ووقفت عند حدود المعرفة الحضارية، فلم تأت حملة نابليون على مصر ثم حملة بورمون على الجزائر إلا في نطاق التصادم الحضاري، وقد ترتب عليهما ظهور حركات إسلامية ودعوات إصلاحية على مستوى القارات والأديان والحضارات.

هاجر الجزائريون زرافات إلى الشام (ابتداء سنة 1847) فلم يبقوا عالة على غيرهم خاملين في أماكنهم، بل أصبحوا باحثين عن موارد للرزق تعصم حياتهم، عاملين على أن يكون لهم شأن في الحياة العامة وشؤون العالم. خذ مثلا تدخل الأمير عبد القادر عام 1860 لإنقاذ مئات (أو آلاف) من النصارى من موت محقق قد جعله بطلا إنسانيا في نظر الغرب الذي طالما حاربه في الجزائر، ولم يكد الغرب يصدق أن هذا الأمير يصبح مدافعا عن طائفة منه، فانهالت عليه منهم الأوسمة ورسائل الشكر وصحائف البراءة والعرفان.

وفي ضوء ذلك ربط بعض الجزائريين علاقات مع بعض مثقفي الفرنسيين من أمثال المستشرق لويس ماسينيون ورجل الكنيسة سيلييه وزوجته وظنوا أنهم من خلالهم يستطيعون الحصول على حقوقهم الوطنية. ومن البديهي أن علاقة هذه النخبة بمثقفي الفرنسيين لم تكن هي نفس العلاقة التي وظفها المهاجرون الجزائريون في المهجر مع علماء ومصلحي العالم الإسلامي. ومن جهة أخرى كان الجزائريون في تنقلهم وهجرتهم ولجوئهم وتعلمهم و”حرقتهم” قد أعطوا مثلا آخر من الناس في التعامل مع الآخر رغم عروبتهم وإسلامهم. وكانت أفغانستان مثلا على هذا الخط بالنسبة للجزائريين وظهورهم فيها يحمل نفس البصمات والنتائج في الأماكن الأخرى التي توجهوا إليها عزابا ومتزوجين. وقد سرد وحلل كريستلو عدة أمثلة من الرجال الجزائريين الذين توجهوا إلى أفغانستان ابتداء من بداية الثمانينيات ثم توالى المتطوعون الجزائريون على بلدان أخرى من العالم.

من هنا جعل كريستلو عناوين فصوله مختلفة عن عناوين الكتب المعتادة. فالفصل الأول سماه: شعب على حدود الحضارات، والفصل الثاني سماه: فشل محاولة التحول من سنة 1775 إلى 1830 (وهو يعني بها عهد الداي حسن باشا الذي بدأ في تغيير سياسة الحكم نحو إسبانيا وأمريكا). أما ابتداء من الاحتلال الفرنسي فقد حدث ما سماه: اجتياز الحدود من عام 1830 إلى عام 1920 وفي هذه الفترة اختلط الجزائريون مدنيا وعسكريا بالإنسان الفرنسي والأوروبي، وسافر إلى أطراف العالم محاربا ومكتشفا ومساهما في تحديد مفاهيم الحضارة والاستعمار. ثم وصل كريستلو إلى ما سماه: الجهاد الأخير وتهجير الجزائريين إلى مختلف المنافي مثل كورسيكا وكاليدونيا وغيرهما أثناء العهد الاستعماري قبل أن تحضير البدائل والإبداع، وهي المرحلة الثورية.

قام كريستلو بدراسة أحوال الجزائريين في عصر العولمة فوجدهم قد حلوا بكل البيئات وتعايشوا مع مختلف الإثنيات دون عقدة. وقد ظهر من الخاتمة أنه متشائم، مع ذلك، بمستقبل الجزائريين لأهم يستطيعون التعايش مع كل الأديان والحضارات، مما يعني أنهم فقدوا أو سيفقدون هويتهم، وهكذا تظهر الخاتمة وكأنها فاتحة أمل لشعب قادر على العيش مع مختلف الحضارات. وأما ذيل الكتاب فقد خصصه لما سماه نهاية العصبية والدخول في عصر الرقمنة.

ورغم ما قد يبدو من أن الكتاب متمرد على المنهجية العلمية فإن صاحبه قد أظهر خضوعا مطلقا لشروط الحياة الأكاديمية الضيقة. وقد علمنا أنه بقي مع الكتاب مدة أطول بكثير من مدة ابن خلدون مع مقدمته. ذلك أنه بعد أن انتهى من تأليف شعب بلا حدود،واجه شروط الناشرين في التدقيق والاختصار وحساب الجمل والكلمات حيث يصبح لكل كلمة في النص مدلول خاص.

أما صورة الغلاف فلها أيضا رمزيتها وتاريخها. وهي تستحق منا كلمة توضيحية. فهي صورة مستخرجة من أرشيف الاستعمار في القرن التاسع عشر لاستعمالها من قبل الفرنسيين الباحثين في علم النفس لجلب المجندين الجزائريين المجبرين على الاشتراك في الحرب العالمية الأولى، وهي في الحقيقة صورة مزيفة مرسومة أصلا للجنرال اللقيط جوزيف الذي أبلى البلاء السيئ في قتل الجزائريين أثناء مقاومتهم، فألبسه الرسام الفرنسي لباسا عسكريا عثمانيا، ورسمه في صورة تدل على الانتصار والعزة.

ولكن الصورة تمثل في نظر القارئ الأمريكي والأوروبي اليوم منظرا رومانسيا غريبا، يوجه به الرسام دعوة صارخة لمجندي 1914 – 1918 للاشتراك في الحرب العالمية أفواجا للدفاع عن فرنسا، كما فعل أجدادهم. وقد أتيح لنا التنبيه على هذه الرمزية المزيفة قبل ظهورها على الغلاف، ولكن يبدو أن هناك إصرارا مقصودا على تثبيتها. ومهما كان الأمر فإن عنوان الصورة المرسومة على غلاف الكتاب هو: يا الله!، أي إلى الأمام! وكان رسمها قد حصل فيما يبدو بعد قرار التجنيس الذي أعلنه أدولف كريميو لتجنيس يهود الجزائر جماعيا بالجنسية الفرنسية والتمتع بجميع حقوقها، سنة 1870. (انظر الصورة غير منقوصة بالجزء التاسع من كتابنا تاريخ الجزائر الثقافي ط. 2005)

تبدأ قصة كتاب: شعب بلا حدود برسالة من “أحمد بن علي الجزائري إلى “الأخ” إدمون راندولف E. Randolph، وزير خارجية أمريكا، فيلاديلفيا، 1794. وبنفس الأسلوب تقريبا يبدأ أحمد الزاوي مرافعته بأسفه على أن العلاقات بين الجزائر وأمريكا (الغرب) قد انقطعت لأن السياسة تدخلت في الحوار بين الأديان. كان ذلك منذ نهاية الحرب الباردة. وهي النهاية التي قادت إلى كثير من عدم الاستقرار بين الإثنيات والأصوليات (المذهبية) والتي تهدف إلى الإبقاء على الكيانات القومية المهددة بثور العولمة. ومن السهل أن تقلل من شأن الحوار، لأن مسيرته تبدو بطيئة وإنجازاته ضئيلة إذا قيست بالقوة الهائلة والمدمرة للحروب. فالحوار يعني دوام البناء السلمي البطيء من أجل التعايش بين الشعوب والأديان. (أحمد الزاوي: صراع الحضارات: أسطورة أو حقيقة، أوكلاند، نيوزيلاند، 19 أكتوبر، 2004).

ويستنتج كريستلو من دراسته أن للجزائر تاريخا مضطربا يبدأ من نهاية القرن الثامن عشر وينتهي عند بدايات القرن الواحد والعشرين. ففي المنعطف الذي تتداخل فيه الحضارات شهدت الجزائر دمارا كان يبدو نتيجة من نتائج تناطح الحضارات. فهي منذ نشأتها كوحدة وكيان سياسي في ظل الحكم العثماني فاتح القرن السادس عشر أصبحت نقطة مركزية للنزاع بين أوروبا المسيحية الذي وصفه مؤرخ جزائري بأنه عبارة عن: ثلاثة قرون من الحرب، (إشارة إلى كتاب حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا لأحمد توفيق المدني)، وبينما كانت الجزائر تشترك مع جاراتها (تونس وطرابلس والمغرب) في الثقافة والخصائص الاجتماعية فإن علاقتها بأوروبا والحروب التي خاضتها كانت أطول مدة وأكثر حدة.

ثم إن الجزائر كانت مسرحا لمقاومة شرسة وطويلة المدى للاحتلال الفرنسي، يقابلها قمع وحشي من عام 1830 إلى الثمانينيات من القرن التاسع عشر. فكانت الاحتجاجات الشعبية ضد الاحتلال يوم الاحتفال العالمي بانتهاء الحرب في الثامن مايو عام 1945. فقد سجلت بداية دورة جديدة من النزاع الدموي دامت إلى استقلالها عام 1962. ثم كان إلغاء نتائج الانتخابات عام 1992 مما أدى إلى مواجهة مأسوية جديدة من العنف أضعفت الحكومة وكشفت عن الجماعة الإسلامية المعارضة.

ومع ذلك فإن الجزائريين قد لعبوا في هذه الأثناء دورا بارزا في الدبلوماسية الدولية وترقية الحوار بين الحضارات. فقد كانوا مستعدين للقيام بهذا الدور لتجربتهم الطويلة في خوض بحار مائجة من الثقافة والسياسة بين الغرب والعالم الإسلامي.

بدأ هذا الدور برجل دولة سياسي جزائري هو الداي حسن باشا الذي افتتح باب مفاوضات ناجحة أولا مع اسبانيا سنة 1785 ثم مع أمريكا عام 1796. (يشير المؤلف إلى معاهدة الجزائر -اسبانيا التي أنهت الحرب الطويلة بين الطرفين وأخرجت اسبانيا من وهران). انظر أيضا دور الداي عمر في التعامل مع أمريكا الجديدة. ثم جاء دور الأمير عبد القادر سابق الذكر بطل المقاومة ضد احتلال فرنسا لبلاده، ومع ذلك قام وهو في المنفى بالدور الذي تحدثنا عنه والذي جلب إليه احترام وتقدير العالم الغربي، وبذلك أصبح الأمير قطب الحوار بين الأديان على مستوى عالمي.

ثم حدث الحوار الذي افتتحه ثلاثة دبلوماسيين جزائريين عملوا على تحرير الرهائن الأمريكيين من قبضة إيران عام 1980. ولنتذكر أنه عندما كانت الجزائر في حرب دامية في التسعينيات استقطبت جهودا جديدة عبر عنها مؤتمر روما خلال نوفمبر 1994 وهو المؤتمر الذي انعقد بتسهيلات وفرتها منظمة كاثوليكية غير حكومية تسمى جماعة سانت جيديو.

وهكذا انطلقت الرسالة الأولى من رجل جزائري ادعى أن النابوليين (نسبة إلى نابولي) قبضوا عليه وأودعوه السجن، ثم قام رجل جزائري آخر بتهريبه إلى أمريكا حيث سعى مع قادتها لإعادته إلى بلاده. لقد كانت لأمريكا مصلحة في توظيفه في الجزائر لتحرير أسراها بعد التوتر الذي عرفته العلاقات بينها وبين الجزائر خاصة منذ أسر الضابط ريتشارد أوبراين O-Brien في عهد الداي حسن باشا سنة 1785 الذي بقي في الأسر مدة عشر سنوات وثمة كان لها مصلحة في إعادته إلى بلاده. لذلك وعدها أحمد بن علي بمساعدتها على تحرير أسراها المحتجزين في بلاده.

ومنذ 1785 بدأ جزائريون آخرون، تجارا وبحارة، يظهرون في العالم الغربي بصفتهم أعضاء في منظمة الماسونية في بريطانيا وفرنسا وغيرهما. وهكذا اتضحت وجهة نظر كريستلو في تناول تاريخ الجزائر والمنهجية التي سار عليها في دراسته هذه المرة.

علق الأستاذ Philip C. Naylor على كتاب كريستلو بسطور مفيدة وبرؤية عميقة خلاصتها أن الخرائط الجغرافية تعتبر ظواهر مدهشة في رسم الحدود الدولية التي اجتازها الجزائريون منذ قرون، وأن الكتاب ليس مجرد تاريخ حديث ومعاصر للدياسبورة (الشتات) الجزائرية، إنه أيضا دراسة نتعلم منها التداخل السياسي والاجتماعي والثقافي والعلاقات الاقتصادية والمفاوضات التي تقع عند مفترق الحضارات.. إنه دراسة لتجربة الجزائر من خلال تاريخ هجرة أبنائها، فهو يوسع من دائرة الصورة بعيدة الأطراف عن مختلف البلدان التي اجتاز الجزائريون حدودها بما في ذلك الخدمة العسكرية، وطلب اللجوء، والأسر، والحبس، والسفر من أجل التجارة أو الدراسة أو الأغراض الدينية، ثم البحث عن العمل.

إن المؤلف في كتابه يدرس العوامل التي سببت تراجع الجزائريين أو دفعت بهم إلى اجتياز الحدود سواء كانت حقيقية أو تخيلية. وهو يقدم تفسيرا معمقا لنتائج هذا العبور من ناحية الجهود الفردية إلى الحصول على الدعم الخارجي للمشاريع السياسية من خلال بناء الحوار بين الأديان والكشف عن الأفكار الجديدة عن بعض الجماعات الجديدة ، كما أنه يبحث عن رجوع الذين عبروا الحدود إلى الجزائر والتحديات التي تواجههم في التأقلم مع بيئة جديدة-سواء كانوا يفاوضون من أجل تحالفات أو داخلين في الحوار أو فقط يسعون ليكونوا مقبولين قانونيا.

وختم المؤلف بمناقشة ما حدث خلال العقود الأخيرة من تاريخ الجزائر. فقد درس كيف أن مفكريها كانوا يعملون خارج حدودها مما جعل الحركات الإسلامية تصعد إلى السطح كما جعلها تظهر بحوار أكثر حرية مع القوى الغربية، خاصة أمريكا وبريطانيا. فكانت النتيجة ظهور تاريخ جديد ومثير يبين كيف أن تاريخ الجزائر الجديد يتشكل في تواصل مواطنيها مع الجمعيات الأخرى التي ساهمت في التحولات التي عرفتها البلاد.
الشروق اليومي/الأربعاء 6 جوان 2012 ميلادي الموافق لـ 16 رجب 1433 هجري

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.