ويح فلسطين من بائعيها /د.عبد الحفيظ بورديم

تناطح العرب تناطح الوعول في الجبال، فلم تبق منهم قرنا قصيرا ولا طوال. ظنا منهم -والظن كاذب- أنهم يملكون قوّة الغالب. وملأوا الصحف السيارة عن حكايات الزعماء الذين قاتلوا شياطين الهواء، فكان لهم الانتصار العالي لمّا حرّروا الوطن الغالي من أبنائه أولي المجد التليد، ومن بناته أولات العفاف الرشيد.
أنّى وليت وجهك في عالمنا العربي، تصدمك قوارض ذوات المخلب العبريّ. أنت من الماء إلى الماء بين داع إلى التجويع وبين داع إلى التطبيع. والكلّ راقص على أشلاء الشباب الذي غرق في بحر من السراب.
كانت بغداد عاصمة لا تلين للروم، فصارت قاصمة تتدلّى منها الهموم. والشام- لهفي على الشام- كانت حليلة تمدّ ذراعيها للفتوح، فصارت عليلة تبكي الدم المسفوح. وفلسطين ضاقت بالأنبياء والمرسلين، لمّا هرع إليها كل متصهين خؤون.
والعرب تتناطح كما الوعول، في غفلة توهن قرنها ولا تهتدي السبيل. رخص الدم العربي في القاهرة، وتزلزت الأرض في اليمن الطاهرة. وبرقة ليتها تستأنس بفاتحها عقبة والأردن ليته لا يفرّط في خليج العقبة.
ما بالها العرب هل نسيت العظائم فتقاتلت على الصغائر، أم استلذّت الفاحشة فلم تقدّر عاقبة الكبائر؟ وهل استمرأت الذّلّ المهين، فأسرعت مثل غرّ إلى كلّ بخس غير ثمين؟
وهل مثل ثالث الحرمين، قمر في الأسر من سنين. يشكو للزمان أهله ويستغيث من جور أظلّه. وللعرب آذان لكنهم لا يسمعون، وقلوب لكنهم لا يفقهون. ألا إنه إن ضاعت قدسهم ضاع مجدهم وأنسهم. ولن يحيوا بعدها إلاّ حياة العبيد يحملون أثقال غيرهم أبد الأبيد.
وما يمنعهم من النفير جميعا، وقد علموا أنّ الحقّ لا يكون إلاّ منيعا. أيكون لهم ظهر يسندهم أو ساعد يدفع عنهم، وهم الألى في كلّ عقد ينثرون ما انتظم من العقد. باعوا تلّ الربيع فصار تل أبيب، ثم منعوا الآذان عن  الصوامع والمحاريب. ولم نلبث أن سمعنا قهقهات فويسيق في أوسلو ومدريد، يروي حكايات العرب الذين ذلّوا ذلّة الرّعديد. وقالوا لن ندخلها لأن فيها عماليق، وما هم إلاّ خرافة كالغرانيق.
ويح العروبة، ما يأتيها الأذى إلاّ من بنيها. وويح فلسطين ما يأتيها الأسر إلاّ من بائعيها. رضوا أن يكونوا مع الخوالف، حين ظنوا الحبر الزائف، يكتب للسّلام سود الصحائف، كأنهم ما علموا أن السلام تصنعه بيض الصفائح.
وهل منعهم ميثاق في قصر الأمم أن يخفروا في القدس كلّ الذمم؟ وأن ينشروا مستوطنات للشرّ جالبة، بعد أن هدموا بيوتنا في حيّ المغاربة؟
وما أخذوا ذلك كلّه إلا حين رأونا جميعا أغرارا قليلنا أخيار وأكثرنا أشرار.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.