رجاء غارودي فيلسوف الحب والحياة

أغمض الحِمام، جفن المفكر الفرنسي المسلم رجاء غارودي، بعد عمر طويل، قضاه في صراع مرير ضدّ فلسفة الشّر الصهيونية، وإيديولوجية الحقد الاستعمارية، ونظرية الإسلاموفوبيا العنصرية.

إنّ رجاء غارودي، هو رائد فكر الرّبيع الغربي الفرنسي، بفلسفة الحب التي آمن بها، ونداؤه إلى الأحياء الذي جسّده في كتابه، فسبق –بعد أن هداه الله إلى الإسلام- “بعقيدة الفرض”، دعاة “فلسفة الرفض” هذه الفلسفة التي بشّر بها الغرب بفلسفة برنار هنري ليفي التي ألبسها لبوس الرّبيع العربي، فنظّر بها لسياسة التّدخل العسكري، وتجربة نتائجها، على الكائنات البشرية بزعم تخليصها من الاستبداد المحلي، بفرض استبداد آخر، تحت مظلّة الحراب والخراب.

فرق كبير –إذن- بين فلسفة رجاء غارودي التي تؤمن بالموت الطبيعي الذي يأتي بعد عمر طويل، مليء بالأعمال والمحبّة، والذي هو بداية مشروع الحياة والأمل، وبين فلسفة الشّر التي تقتلع الحياة من أعمار الصِّبية، والشباب، والكهول والشيوخ، فتشيع عدل الموت والاستئصال بين كلّ الأعمار.

هذا هو الفيلسوف المسلم رجاء غارودي، الذي غادرنا يوم الأربعاء
13 جوان 2012م، بعد أن كان خير شاهد على القرن العشرين، فقد أغنى عصرنا بمكتبة ذات قيمة في كمِّها وكيفها، فنادى بحوار الحضارات، ضدّ ناعق دعا إلى صدام الحضارات، وبشّر بالتغيير الفرنسي والغربي، بالحبِّ والأمل، والحوار، والحقِّ في الحياة، قبل أن يحمل فلاسفة مزيَّفون شعار الدّعوة إلى التغيير العربي الإسلامي باتباعه الخراب والدّمار، واليأس للتمكين للصهيونية من أن تجد لها طريقًا في عالمنا، وللاستغلال الرأسمالي من وضع يده على خيراتنا، وللنفوذ السياسي الاستعماري من بسط هيمنته على قراراتنا وسياداتنا.

لقد كان فيلسوفنا المسلم الفقيد من أوائل من تفطّنوا إلى فخاخ الحضارة الغربية، فنبّه إلى مخاطرها، وإلى أحاييل الصهيونية التوسعية، فكشف عن عوراتها موقظا العقل المسلم من سباته، وموعيًا العقل الغربي بجهله للإسلام وفضائل الحضارة العربية الإسلامية على نهضة الغرب العلمية والمعرفية…

فيكفي أن يقرأ الإنسان عناوين مؤلفات قيّمة ليدرك قيمة العقل الذي كتب هذه المؤلفات، والأبعاد الإستراتيجية التي تهدف إليها. “فحوار الحضارات” هو مشروع إنساني، هَدَفَ به رجاء غارودي –كمسلم- إلى جمع الإنسانية قاطبة، على اختلاف معتقداتها، وثقافاتها وحضاراتها، لتكون رابطة الإنسانية المقدّسة، القائمة على القيم النبيلة، والحب في أقدس دلالاته والأخوّة في أنبل معانيها.

كما وضع لنا هذا المنظّر الإنساني مشروع حل للإحياء، بكتابه “نداء إلى الأحياء” “Appel aux vivants” لإيقاظ الجميع، وبعثهم في صحوة إنسانية، تتساوى فيها الشعوب والقبائل، والطوائف، والأعراق، مستلهمًا ذلك من قراءة القرآن بعقل مفتوح، وتذكير الغربيين سذاجة وخرافة فكرة الإسلاموفوبيا، العنصرية، مؤكدًا بأنّ “الإسلام يسكن مستقبلنا”.

وثالثة الأثافي التي خلّد بها روجي غارودي مسيرته الفكرية النضالية الإنسانية، هي كتابه القنبلة الموسوم بـ “مسألة إسرائيل” “L’affaire Israel” فقد شرّح المؤلف في هذا الكتاب المشروع الصهيوني الخطير، ممثلاً في قيامه على سياسة “فرِّق تسد”. إذ فكك فيه عناصر المؤامرة على البلاد العربية بزرع الفتنة بين أجزائها، وإحياء النعرات الطائفية والقبلية داخل شعوبها، وقبل هذا وبعد هذا، إبطال الأكذوبة العالمية الكبرى، أكذوبة “الهولوكوست” التي نسجت من كلّ أكذوبة، ورقّعت بكلّ دسيسة لتستدر عطف الناس. ولذلك تألّب الغرب على المؤلف، ورفضت المطابع طبع هذا الكتاب، ضاربة عرض الحائط بمبدإ حرّية التعبير، والتحقيق التاريخي… إلخ.

وقد ذكر لي –رحمه الله- في إحدى لقاءاتي به، أنّ أحد الطابعين الفرنسيين اعترف له بأنّه لديه الرّغبة في طبع كتاب “مسألة إسرائيل”، ولكن مجرّد البدء في ذلك ستنسف مطبعته وما يملك، نسفًا كاملاً.

هكذا يرحل عنّا رجاء غارودي بعد حياة كفاح، ولكن في موته حياة للفكر الإنساني السليم والعقل الفلسفي القويم.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.