عذرا يا رجاء الله غارودي / د.عبد الحفيظ بورديم

عذرا يا من بلغت ثمانية وتسعين، فلقد ظلمناك ظلمناك نحن المسلمين. وما ظلمنا إلاّ أنفسنا حين أضعنا خلق الأوّلين. وحين أضعنا حكمة النبيين، فصرنا خلقا جديدا، وتركناك في اللهب وحيدا.
 	عذرا يا من حسبتنا أهل البيت، فآويت إلينا هربا من أهل السّبت. ما آويناك ولكن خذلناكـ، وتركناك نهبة للكاذبين، وعرضة للطاعنين. حتى لقيت ربّ العالمين.
عذرا ولكن لم هجرت قومكـ ،أفينا ما أعجبكـ ؟
كنت بالجلفة أسير الفرنسيين النازيين، فأرادوا أن يقتلوك بأيدي الجزائريين. ولكنّ أخلاق الإسلام أحيتك طويلا، فلم تسقط بأيدينا قتيلا. وانشرح صدرك لمعنى التسامي، يزيّن معيشة الأنام. أدركت أن الإسلام يمنعنا من قتل الأبرياء، هو دين الرحمة ودين الوفاء.
هل تذكر في صالون محمد البشير رأيت في الجدار صورة الأمير، فسألت عالم الجزائر، وهو حدّثك عن سيرة الأمير عبد القادر. أنت رويت لنا أن الإبراهيمي أخبرك، وأنّ علمه قد ملكك. وأنّك رأيت الإسلام حضارة تنقذ البشرية من توحّش الغرب والهمجية.
وفي تونس القيروان أدركت أنّ مقاصد الشريعة للعمران. جلست تسمع من صاحب التحرير والتنوير ما ملأ جوانحك باليقين والنور. ولكنّك آثرت أن تعرف أكثر، فقصدت شيوخ الأزهر. أدركت أنّ الإسلام لا ينكر الحضارات ولا يمحو الثقافات، بل يعلو بالإنسان إلى مرتبة الإحسان.
وظللت ثلاثين سنة تُسْمِعُ نداء الأحياء وتعجب من غفلة العلماء، أيقنت أنّ حوار الحضارات هو السبيل إلى تحرير الفلسفات من جور السياسات. وأعلنت كلمة التوحيد فأوغرت قلوب اليهود و كلّ جبار عنيد. وخوّفوا منك جريدة لوموند.
جرّأوا عليك أركون من السوربون. فزعم أنّك كالدّعيّ لا تفهم عن النبيّ. ولكن ما أعظمك، لم تأبه به وبالغلمان مثله، بل فضحت أساطير إسرائيل وأحصيت الخرافات والأباطيل. فحاكمتهم قبل أن يحاكموك، و فتنتهم قبل أن يفتنوك. كانت رسالتك أعظم ممّا يجمعون، وكانت فطنتك أحكم ممّا يبيّتون.
كانوا يظنّونك فيلسوفا عقيما فلمّا علموك مسلما سليما، جمعوا لك، وضيّقوا عليك، ولو استطاعوا لأحرقوك. فصار أعداؤك كثيرين، وأنت وحدك تقاوم الملحدين والمتغطرسين والإسرائيليين، ونحن في غفلة لاهون.
وتركناك وحدك، فلم هجرت قومك؟ نحن – لو خبرتنا- لا نعرف قدر الحكماء، فالغدر عندنا أصل الأشياء وبداية الأسماء.
عذرا يا رجاء الله، بطولتك الكبرى أنّنا خذلناك فثبتّ، ولو نصرناك لضعت وضيّعت. هل فهمت الآن أنّ الإسلام أعظم من المسلمين؟ وهل أدركت الآن أنّ المسلمين أضاعوا  العزّة واليقين؟
اليوم تموت وحيدا مضرّجا بالصبر، فلعلك تبعث مثل الشهيد في حواصل الطير .

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.