رجاء غارودي في رحاب الإسلام/د.مولود عويمر

“وتحضرني هنا قصة طريفة. فقد سألت مثقفا أوروبيا: لماذا يحرص كل المثقفون والسياسيون الغربيون على رضا إسرائيل رغم بطشها وتعنتها، ولا يهتمون بقبول العرب والمسلمين؟ فقال: إن الإسرائيليين هم أوفياء لأنصارهم، فيقفون معهم ولا يتهاونون أبدا في الدفاع عنهم بكل الوسائل!

فحينها تساءلت في أعماق نفسي: أين وفاء وصدق العرب والمسلمين مع المفكر الأوروبي المسلم رجاء غارودي الذي ناصر الإسلام والقضية الفلسطينية حتى غضب عليه أصحاب الفكر والسياسة الغربيين، وامتنعت عنه كل وسائل الإعلام الغربي، وتهربت منه كل دور النشر الغربية؟ إنه يعيش سنواته الأخيرة منعزلا عن العالم، يقاوم وحده ظلم الأعداء، ويصبر على نكران الأصدقاء والإخوان! ”

هذه الكلمات اقتبستها من مقال نشرتُه في جريدة البصائر الصادرة في 28 ماي 2012، ولم يدر بخلدي حينما كتبتُها أنه بعد أسبوعين سيلتحق هذا المفكر المسلم الفرنسي بالرفيق الأعلى يوم الأربعاء 13 جوان 2012، في سور مارن جنوب شرق باريس عن عمر ناهز 99 سنة.

بطاقة حياة:

ولد روجيه غارودي في مدينة مرسيليا بجنوب فرنسا في 17 جويلية 1913. شغف مبكرا بالفلسفة وعالم الأفكار. درس في جامعة السوربون وتخرج منها في سنة 1953 متحصلا على شهادة الدكتوراه بعد أن قدم رسالة علمية عنوانها: “النظرية المادية للمعرفة”. وشغل بعدها أستاذا للفلسفة بجامعة بواتييه بجنوب غرب فرنسا.

انضم غارودي مبكرا إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وناضل في صفوفه حتى أصبح من أكبر قادته السياسيين ومنظريه البارزين. لكن في عام 1970 فصل من الحزب بعد مراجعات عميقة للفكر الشيوعي ونقد لاذع للتجربة الشيوعية في الحكم، وممارسة السلطة خاصة في الإتحاد السوفياتي.

وأصدر رجاء غارودي بين 1945 و2012 أكثر من 70 كتابا في الفلسفة والتاريخ والقصة والنقد السياسي. وسأذكر هنا أهم كتبه المتعلقة بالإسلام وقضايا المسلمين، وهي: الإسهام التاريخي للحضارة العربية (1946)، من أجل حوار الحضارات (1977)، وعود الإسلام (1981)، من أجل إسلام القرن العشرين (1985)، قضية إسرائيل: الصهيونية السياسية (1983)، الإسلام والأصولية (1996)، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية (1996)، مجد وانحطاط الإسلام (1996)، الإسلام في الغرب: قرطبة عاصمة الفكر (2000)، الإرهاب الغربي (2004).

وقد ترجمت العديد من هذه الكتب إلى اللغة العربية. وقد سعدت كثيرا عندما قرأت مؤخرا في جريدة “اليوم السابع” أن الهيئة المصرية العامة للكتاب – رغم ما تعانيه مصر من ضيق مالي واضطراب سياسي- قررت شراء الحقوق الفكرية لمؤلفاته لترجمتها ونشرها في طبعة عربية كاملة.

لـماذا أســلــــــــــم؟

لقد أشهر غارودي إسلامه في المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف يوم الجمعة 11 رمضان 1402 هـ/ 2 جويلية 1982، ونطق بالشهادتين أمام الشيخ محمود بوزوزو العالم الجزائري المعروف. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا اختار غارودي الإسلام بعد تجاربه الطويلة مع المسيحية والماركسية؟

نشر غارودي في جريدة لوموند الفرنسية مقالا بعنوان: “لماذا أنا مسلم؟” عرض من خلاله مسيرته الطويلة في البحث عن الحقيقة وإدراكها في النهاية في الإسلام الذي أجاب عن تساؤلاته الكبرى حول تواصل الأديان والرسالات، تطابق العلم مع الوحي، التكامل بين الدنيا والآخرة.

وشرح غارودي هذه الحقائق في العديد من كتاباته وحواراته مع المجلات العربية منها: الأمة القطرية، الفيصل السعودية، الأهرام المصرية، الشعب الجزائرية….الخ.

واعترف غارودي مرارا أن رحلته إلى الإسلام كانت ثمرة جهود وبحث ومطالعة واحتكاك بالمسلمين لمدة نصف قرن. فقال في هذا الشأن: “أحب أن أقول إن انتمائي للإسلام لم يأت بمحض الصدفة، بل جاء بعد رحلة عناء بحث، ورحلة طويلة تخللتها منعطفات كثيرة حتى وصلت إلى مرحلة اليقين الكامل والخلود إلى العقيدة أو الديانة التي تمثل الاستقرار، والإسلام هو في نظري هو الاستقرار”.

والسؤال الآخر الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما هي الخطوة الأولى إلى عالم الإسلام؟ أو بمعنى آخر كيف بدأت رحلته إلى الإسلام؟

هذا السؤال شغل الكثير من الذين عرفوا تاريخه في أحضان الكاثوليكية والبروتستانتية والشيوعية. وكنت من هؤلاء الحائرين. وقد سنحت فرصة اللقاء به في مدينة تبسة في عام 1989 على هامش ملتقى الفكر الإسلامي لأطرح عليه هذا السؤال. واعترف أنني كنت جريئا في طرحه لكنني كنت خائفا بعد ذلك فقلت في نفسي: لعلني أحرجته أو سألت عن أمر شخصي وحساس. غير أن غارودي كان في غاية اللباقة، فأجابني بأسلوب جذاب شجعني على طرح أسئلة أخرى.

قال غارودي أن البداية كانت في معتقله في الصحراء الجزائرية (معتقل الجلفة) في سنة 1941 حيث رفض العسكري الجزائري تنفيذ أوامر قائده الفرنسي الذي أمره بإطلاق النار على غارودي وزملائه بسبب تنظيم مظاهرة احتجاج.

ولما استفسر فيما بعد لماذا لم يقتله الجندي الجزائري رغم إلحاح قائده وعواقب عصيانه، أجابه بحكمة أن المسلم لا يقتل رجلا أعزلا!  فتأثر غارودي كثيرا بهذا الموقف الفريد. وكان حافزا للاهتمام بالإسلام ودراسته.

وبعد خمس سنوات نشر كتابا عنوانه: “الإسهام التاريخي للحضارة العربية” أعاد فيه الاعتبار لإسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية. وهذه الفكرة سيطوّرها فيما بعد في كتابه: “الإسلام في الغرب: قرطبة عاصمة الفكر” الصادر في عام 2000.

غارودي في العالم الإسلامي

ورغم الحصار الشديد وتزييف الحقائق وتشويه سمعته، انتشرت كتب غارودي في الآفاق، وترجمت إلى لغات عديدة منها اللغة العربية. وقام بزيارات كثيرة إلى العالم العربي، فاستقبل في كل بلد بحفاوة تليق بمقامه ومكانته العلمية والفكرية والرمزية. واستضافته مؤسسات ثقافية عبر العالم الإسلامي خاصة في الثمانينات من القرن الماضي لإلقاء محاضرات في قضايا معاصرة وعرض كتبه الجديدة.

وتحصل على أشهر الجوائز في العالم العربي، فقد فاز بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 1406 هـ/ 1986 م مع الداعية الشهير الأستاذ أحمد ديدات. كما منحت له جائزة القذافي لحقوق الإنسان في سنة 2002.

ورغم كل ما ذكرته من اهتمام وحفاوة، تراجعت “بورصة” غارودي في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة منها تخلي السياسيين العرب عنه بعد محاكمته حول آرائه ومواقفه المناهضة للحركة الصهيونية والسياسة الإسرائيلية، وانتشار أفكار محرفة عنه شوهت صورته، وقد سجل عددا منها الدكتور مصطفى حلمي في كتابه: “إسلام جارودي بين الحقيقة والافتراء”؛ بالإضافة إلى توقف نشاطه بسبب التقدم في السن والمرض. فذاكرة الناس في هذا الزمن لا تختزن إلا الأسماء والأحداث التي تحت الأضواء !

فلسطين أم القضايا

ارتبط اسم رجاء غارودي بالقضية الفلسطينية التي خصص لها عدة كتب ومقالات ومحاضرات عبر العالم. فقد ناقش في كتابه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” كل الحجج التي تروّج لها الحركة الصهيونية منذ الحرب العالمية الثانية، وتسوّق لها وسائل الإعلام الغربية من أجل استعطاف الرأي العام العالمي والاعتراف بشرعية احتلالها لفلسطين.

ولم يقصر غارودي على فضح الممارسات اليومية للكيان الإسرائيلي بقمع الفلسطينيين والتوسع في احتلال الأراضي، بل درس دراسة تشريحية الفكر الصهيوني، وفنّد أسسه التراثية والإيديولوجية والدعائية.

وقد حاربته الحركة الصهيونية والمواليين لها في الغرب بكل ما تملك من قوة المال والنفوذ السياسي والإعلامي حتى رفضت دور النشر الكبرى طبع كتبه بعد أن كانت تتنافس على ذلك في السنوات الخمسين الماضية. ولم ترحم سنه وسجله في المقاومة لتحرير فرنسا وتاريخه الفكري العامر لجره إلى المحاكم وإصدار أحكام قضائية ضده بذريعة معاداة السامية وممارسة التحريف التاريخي.

مستقبل الإنسانية في الإسلام

كتب غارودي عن تفاؤله في مستقبل الإسلام في الغرب قبل إشهار إسلامه، وذلك في كتابه “وعود الإسلام” الصادر في عام 1981. فبعد أن قدم عناصر القوة والعظمة في الإسلام، دعا الأوروبيين إلى الاستفادة منها، و العمل على بناء جسور التواصل مع التراث الإسلامي لإنجاز أكبر مشروع إنساني تحلم به اليوم الإنسانية لتحقيق سعادة البشرية الغارقة في أزمات كثيرة وصراعات لا حدود لها.

قال غارودي أن المفتاح هو في التعارف والتواصل، فكتب في هذا السياق: “دعونا نفكر بحلم عظيم: الحلم بأن نرى الأمم الغربية الكبرى وفي بداية الأمر التي لقحت عبقريتها ثقافة الإسلام وعقيدته وقد نشأت في الأمكنة التي ازدهر فيها الإسلام نفسها، في قرطبة وباليرم وباريس، مراكز لقاء وبحث وتكوّن ونشر مكثف لما في وسع الإسلام اليوم أن يجلب لنا وما في مكنته أن يقول لنا ونقوله له.”

لقد بذل غارودي جهودا كبيرة لتحقيق هذا الحلم بتأسيس مؤسسة لحوار الحضارات في قرطبة إلا أن المعوقات كانت دائما أقوى من الطموحات والنيات الصادقة.

وأحب أن أختم هذا المقال بنبرة تفاؤلية فأنقل للقارئ جواب غارودي عن سؤال: كيف ترون مهمة المفكر المسلم في القرن العشرين؟ لقد أجاب بهذه الروح المتفائلة: ” إن باستطاعة المسلمين اليوم أن يحملوا إلى الغرب رسالة الفجر. وباستطاعة الإسلام أن يستعيد سطوته التي كانت له خلال القرن الأول للهجرة حين نشر جناحيه على قمم جبال الهمالايا والبيريني. لقد أخذت الحضارة الغربية تشعر بإخفاقها… فالعالم الثالث يموت بسبب افتقاره إلى الوسائل، بينما العالم الغربي يموت بسبب افتقاره إلى الغايات… إلى الملايين من الغربيين الذين يقدرون فداحة هذا الخطر، وإلى الملايين من ذوي النوايا الصادقة في كل العالم الذين يبحثون قلقين في هذا الليل الدامس عن معنى لحياتهم وموتهم وتاريخهم المشترك … إلى كل هؤلاء يستطيع الإسلام أن يجيء بالنور المؤدي إلى الصراط المستقيم الذي يهدي الله إليه عباده.”

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.