الاستقلال الوطني بين الجيلين…!

انتهى الصخب، وخفتت أصوات الأغاني والطرب، وخشعت أصوات الخطباء، والمفكرين والإعلاميين من شتى النخب، المخلدة للذكرى الخمسين للاستقلال الوطني…
هدأت الأعصاب، وأفرغت الكؤوس والأكواب، ليفسح المجال للتأمل في مكاسب الوطن في شتّى الميادين، وما يعانيه من أوصاب وأعطاب.
إنّ خمسين سنة من الاستقلال الوطني لكفيلة بأن ترسم للتاريخ قصة جيلين، جيل جهاد نوفمبر، الذي تميّز بميزة نضج شيخوخة الشباب، من حيث الطموح، وخاصّية قمع كلّ مطالب الجسد و”الروح”.
إنّه الجيل الذي طوى مراحل العمر فتخطى مرحلة الشباب إلى الكهولة فالشيخوخة، محرومًا من نعمة الحب إلاّ حب الله والوطن، وخاليًا من كلّ رغبة إلاّ رغبة النهوض بالوطن، فكانت المعركة المقدّسة لديه، هي معركة المصير، أي معركة الخلاص والتحرير، والإقدام على كل عمل عسير، باذلا في سبيل ذلك العرق الكثير، والدم الغزير من أجل الوطن الكبير.
ونجح –إذن- جيل الجهاد في البذل والعطاء، حتى نزع عن العدوّ المحتّل، كلّ سرّ وغطاء، فحرّر الوطن الجزائري من الشمال إلى الصحراء، ووضع الجزائر على سكة التحرّر والنّماء.
فهل وفّق جيل التحرير الوطني في تخليص الذات –بعد الاستقلال- من عقدة الإرث الاستعماري الخطير، وتحرير العقل من براثن الغزو الثقافي العسير، وإثبات تأصيل المصير، بعد تحقيق تقرير المصير؟.
هل نجح المجاهدون الأولون في إيجاد جيل بالاستقلال جدير، ونشء مؤمن بقواعد البناء، وحسن التدبير، والتّكفل بجلائل الأعمال، وعملية التغيير.
إنّه ليؤلمنا –حقًا- أن نصطدم في واقع وطننا المستقل، بصنف آخر من الأجيال. إنّه الجيل الذهبي الصاعد الذي يطبعه شباب يترنّح في حياته كأنّه واقع تحت تأثير التخدير، إذ لا يكاد يتقن أبسط قواعد التعبير، بالرغم مما انفق في سبيل ذلك من مال وفير.
هو جيل لا يفقه من الحياة سوى فقه التحقير لوطنه، والتصغير من شأنه وصياغة خيوط مغامرة الانتحار والحرڤة، والتهجير، يأسًا مما أصبح محرومًا منه في وطنه الذي يعاني شدّة الفساد وكثرة التبذير.
هذا هو الوطن الجزائري بعد خمسين سنة من الاستقلال، تتجاذبه ذهنيتان، ذهنية جيل نوفمبر الذي آمن بقوّة الخلاق، وكفر ببطش المخلوق، فحقق الانتصار، حينما أقدم على حمل السلاح عازمًا مكبِّرًا، وأقبل على الموت صابرًا مقدرًا، وسقط في ميدان الوغى شهيدًا ضاحكًا مستبشرًا. وذهنية جيل الاستقلال الوطني، الذي حقق الاستقلال الكامل عن التكفل بقضايا الوطن والمواطن، بأبعادها الحضارية، وتبعاتها الثقافية، ومتطلباتها الاقتصادية، فسقط بسبب ذلك في براثن المحن والفتن، وما ينتج عن ذلك من انسلاب في الانتماء، وفناء في الاقتداء، وتنكر لمنجزات الأجداد والآباء.
كيف ينهض وطن، تتجاذبه مثل هذه النماذج من الذهنيات؟.
إنّ من الموضوعية، وإحقاقًا للحق أن نذكر لجيل جهاد نوفمبر، أنّه إليه يعود الفضل –بلا منٍّ- في تحرير الوطن من أنكى عدو، أحرق الأرض، وحارب الفرض، وسلب العرض، فكان الانتصار في مستوى عظمة العدو، وإلى قدر مقاومة غطرسته، وصلفه وجبروته. ولكن جيل التحرير دخل معركة الاستقلال بغير عدّة، وعيبه أنّه استبّد فيها أطول مدّة، فأوقع الوطن في المزيد من التأزّم والشدّة.
ونتج عن ذلك أنّ منظومتنا السياسية، والتربوية، والاقتصادية، فشلت في إيجاد جيل جزائري الأصالة، عربي اللّسان، إسلامي الروح، فكفر بنعمة الاستقلال، وتعلقت إرادته بأرخص الأقوال والأعمال، الصادرة عن الأراذل والأنذال.
ولا خلاص لنا مما نحن فيه إلاّ بالتآلف بين الجيلين، جيل الخلاص والتحرير، وجيل التعمير والتغيير، ولن يكون ذلك إلاّ بالعودة إلى حكمة علمائنا الأوّلين التي وصفها الشاعر الجزائري محمد العيد في قوله:
يا شباب العلى اعتصم بالتآخي زانك الله في العلى من شباب
انشر السّنة الكريمة واعمل بهداها، وخذ بحدّ الكتاب
إن تكن قد بنيت في الناس مجدًا فاحرس المجد من دواعي الخراب
وإذا ما أردت تثقيف نشء فارق بالنشء سلم الاكتساب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. ديوان محمد العيد آل خليفة، طبعة دار الهدى، ص 84.

تغريدات الجمعية