كيف تعامل الرأي العالمي مع الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830)؟/د.مولود عويمر

مثل الاحتلال الفرنسي للجزائر في صيف 1830 منعطفا في تاريخ الجزائر المعاصر بما ترتب عنه من زخم الأحداث والوقائع التي كرست أوضاعا سياسية وإدارية جديدة وبما حمل من مضامين ثقافية وحضارية أثرت بشكل عميق وبصورة متواصلة في البنية الاجتماعية والمنظومة الحضارية والحياة الاقتصادية التي عاش في ظلها الجزائريون طيلة قرن واثنين وثلاثين سنة.

كيف تفاعل الجزائريون مع الحدث وتبعاته المختلفة في سنوات الأولى للاحتلال؟ وما هي مواقف الدولة العثمانية والدول الأوربية من الاحتلال؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

 

سقوط مدينة الجزائر

حينما شعر الداي حسين بقرب نهاية حكمه جمع الأعيان ورجال الدين والأشراف ليشرح لهم خطورة الوضع ويستشيرهم في الأمر. واتفق الجميع بعد عدة مشاورات اقترحوا على الداي الاستسلام مقابل مجموعة شروط وضمانات تفاديا للخسائر المادية والأرواح والأعراض التي ستترتب لا محالة عن اقتحام الجيوش الفرنسية للمدينة.

وفي 4 يوليو 1830 أرسل الداي حسين كاتبه مصطفى مصحوبا بمترجمين أحمد بوضربة وحسن بن حمدان بن عثمان خوجة والقنصل الإنكليزي كشاهد للتفاوض مع قائد الحملة الكونت دو برمونت. وبعد التفاوض ومراجعة الداي حسين وقعت معاهدة بين الطرفين نصت على النقاط التالية:

-تسلم قلعة القصبة وكل القلاع الأخرى المتصلة بالمدينة وميناء هده المدينة إلى الجيش الفرنسي هدا الصباح على الساعة العاشرة

-يتعهد القائد العام للجيش الفرنسي أمام سعادة باشا الجزائر أن يترك له الحرية وكل ثرواته الشخصية

-سيكون الباشا حرا في أن يذهب هو وأسرته وثرواته الخاصة إلى المكان الذي يقع عليه اختياره, فإذا فضل البقاء في الجزائر فله ذلك هو وأسرته تحت حماية القائد العام للجيش الفرنسي وسيعين له حرس لضمان أمنه الشخصي وأمن أسرته.

-يتعهد القائد العام لكل الجنود الانكشاريين بنفس المعاملة ونفس الحماية

-سيظل العمل بالدين الإسلامي حرا، كما أن حرية السكان مهما كانت طبقتهم، ودينهم، وأملاكهم، وتجارتهم، وصناعتهم لن يلحقها أي ضرر، وستكون نساؤهم محل احترام. وقد التزم القائد العام على دلك بشرفه…

 

موقف الجزائريين

بعد استيلاء الفرنسيين على مدينة الجزائر، أسندوا بعض المناصب الإدارية إلى فئة من الحضر الجزائريين أمثال حمدان بن أمين بن سكة، ومصطفى بن عمر (بايا على التيتري)، وأحمد بوضربة (رئيس المجلس البلدي لمدينة الجزائر).

لكن هؤلاء سرعان ما اكتشفوا أن فرنسا –عكس ما كانوا يتصورون- لا تسعى لتعويض الحكم العثماني بحكم محلي جزائري وقد ترتب عن التوسع الفرنسي وتوغله في الجزائر مصادرة أموالهم وتحويل مساجدهم ومدارسهم وأراضيهم لصالح الدولة المحتلة الجديدة.

وظهرت عدة محاولات لمقاومة فرنسا وتذكيرها بالتزاماتها التي نصت عليها وثيقة الاستسلام ووعودها التي جاءت في البيانات التي وجهتها للأهالي قبل الحملة. وحمل لواء هذه المقاومة مجموعة من العلماء والأعيان نذكر هنا: حمدان بن عثمان بن خوجة، أحمد بوضربة والمفتي محمد بن العنابي…الخ.

ووقف عرب البادية (الفلاحون، العمال، رؤساء القبائل…) لصد توغل الجيوش الفرنسية داخل التراب الجزائري. وتزعم هذه المقاومات: إبن زعمون، الحاج سيدي عدي، الحاج محي الدين بن المبارك، كما شارك فيها أيضا بعض رجال الإدارة العثمانية المتبقية: أمثال مصطفى بومزراق باي التيتري، وإبراهيم باي قسنطينة السابق. وحمل لواء المقاومة الشاملة الأمير عبد القادر والحاج أحمد باي التي دامت إلى غاية 1847.

 

موقف الدولة العثمانية

تابع السلطان العثماني تطور الأحداث في الجزائر بكثير من الخوف والقلق. وحاول مرارا التوسط بين الجزائر وفرنسا لحل النزاع القائم بينهما. لكن انتهت كل هذه المحاولات بالفشل بسبب تعنت الطرفين.

وفي مارس 1830، قام السلطان محمود بالمحاولة الأخيرة، كلف الشيخ خليل المفتي الكبير السابق في الجزائر، والذي كان آنذاك يعيش متقاعدا في أزمير بالذهاب إلأى الجزائر للتوسط بين الفرنسيين والجزائريين لحل الأزمة ويحصل منهم على “السلم قبل الحرب” بين الداي وفرنسا”.

وقد نصت أوامر محمود إلى المفتي السابق من بين ما تضمنه “إني أخبرت السفير الفرنسي في القسطنطينية بمهمتك، بما أن الجزائر تحت حكمي وهناك سلم بين دولتي ودولته سيستمر إلى الأبد”. وقد أمر الرسول بإقناع الجزائريين ليطيعوا رغبات السلطان كعلامة على ولائهم له ومن هنا ليتوسط في محادثات وجها لوجه. ولسوء الحظ، فإنه وصل متأخرا إلى تونس، ولم يسمح له التونسيون كما لوحظ من قبل، بمتابعة طريقه إلى الجزائر.

كيف نفسر موقف الداي حسين ورفضه للتوسط العثماني؟ إن “الداي ورجاله لا يزالون آنذاك يتشبثون بشرعية العلاقات الدولية المتكافئة، المتصفة باحترام التقاليد الدولية في مجال السيادة الخارجية، وهذا ما فوت عليهم فرصة الانتفاع من الهفوات السياسية التي ارتكبها شارل العاشر ومعاونوه، واستغلال روح المنافسة الاستعمارية بين الإنكليز والفرنسيين.”

كانت الدولة العثمانية تعاني من مشكلات واضطرابات داخلية، ولم يكن بمقدورها -رغم معارضتها للاحتلال الفرنسي للجزائر- أن تدافع عن جزء من أراضيها، وولاية من ولاياتها.

 

مواقف الدول الأوروبية

كانت الأحزاب البريطانية الموجودة في الحكومة والمعارضة مجتمعة على إدانة التدخل الفرنسي في الجزائر وقد ترجمت حكومة ويلنغتون هذا الشعور القومي في المرحلة الأولى بعمل دبلوماسي نشيط يجري في الكتمان.

ولما فشل هذا العمل (بريطانيا لم تكن تواجه الدخول في حرب مع فرنسا من أجل هذه القضية لاعتبارات منها سوء صحة الملك البريطاني جورج الرابع)، طالبت بضمانات بأن مصير مدينة الجزائر.

وتلقت من الملك الفرنسي شارل العاشر ضمانات شفوية بأن فرنسا لا تنوي الاحتفاظ بالجزائر بعد النصر. كذلك فشلت بريطانيا في مسعاها لدى الباب العالي لإقناع السلطان بإرسال ممثل له إلى الجزائر ليقوم بتسوية النزاع مع الداي.

إن معظم الدول الأوروبية باركت الحملة، فالقيصر نيقولا الأول منح فرنسا تأييده وأعارها أحد كبار ضباطه فيلوسلوف المتخصص في الشؤون الإسلامية ليرافق الحملة. وساندها أيضا الملك فريدريك الثالث إمبراطور بروسيا.

وكانت دول الشمالية الأوروبية محبذة للمشروع. في حين تحفظت إسبانيا التي تربطها بالجزائر عدة اتفاقيات وامتيازات تجارية، فرفض ملكها فرديناند السابع المشاركة في تموين القوات الفرنسية الغازية.

لم ترتقي مواقف الدول الكبرى إلى مستوى مسؤولياتها لمعاقبة فرنسا على عدوانها على الجزائر وإجبارها على الخروج منها.

لقد أثبت التاريخ نكث فرنسا لوعودها وعدم التزامها بمعاهدة 5 جويلة 1830، بل تجاوزت كل الأعراف والقيم لتأسي مستعمرة استيطانية في الجزائر لمدة قرن واثنين وثلاثين سنة، ولم يوقف أطماعها ويقضي على مشروعها إلا قوة ثورة نوفمبر 1954 التي حررت الجزائر شبرا شبرا، وأعادت لها السيادة والاستقلال.

تغريدات الجمعية