ثمن الحرّيّة في أعين أطفالنا./أ.محمد بومشرة

في يوم عيد الطّفولة الذي يصادف أوّل جوان من كلّ سنة قامت جمعية الفنون التّشكيلية الرّيشة الحرّة بإجراء مسابقة وطنية في الرّسم بالألوان المائية لموضوع موسوم بثمن الحرّية، وهو الصّالون الوطني العاشر لرسومات الأطفال.
شاركت فيه أربعون ولاية نتج من أنامل فنّانيها الأطفال ألف وثلاثمائة صورة، وكان سنّهم يتراوح ما بين سبع سنوات وخمس عشرة سنة.
وبدعوة من رئيس الجمعية نفسها الأستاذ نصر الدّين بن طيّب وهو أستاذ الفنّ التّشكيلي، قمتُ ومن رافقوني الدّكتور عبد الرّزّاق جعلوك والأستاذ محمّد برويجل بزيارة مدينة وهران يوم الجمعة 11 رجب 1433 هجرية، الموافق لـ: 01 جوان 2012 بقاعة الميدياتيك، ليبدأ الحفل في السّاعة الثّالثة ونصف مساء ويدوم إلى غاية 16 رجب 1433 هجرية، الموافق لـ: 06 جوان 2012.
وبعد صلاة الجمعة بدأت الوفود من مشاركين ومدعوّين يملؤون القاعة، وفي أحد أروقتها علّقت مجموعة من صور الأطفال المشاركين للولايات الفائزة التي كان عددها ثلاث عشرة ولاية، وبدأتُ أتأمّل الصّور التي زيّنتها أنامل البراعم بالألوان ممّا شدّني لأتمّم مشاهدة كلّ الصّور، فإذا لم يتمكّنوا من التّعبير عمّا في قلوبهم نطقا أو كتابة فقد عبّروا عنها بالرّسم.
فكانت الرّسومات توحي إلى زمن الثّورة التّحريرية مستعملين بعض وسائل التّعذيب والاستنطاق كالأغلال في الأيدي والأرجل مرّة بالحبال ومرّة بالسّلاسل في حائط عليه اللّون الأحمر الذي يرمز للدّم، ناهيك عن غرفة عليها سجين يظهر عليه أثر الضّرب ملابسه مهلهلة مقيّد اليدين والرّجلين وضع الجلاّدون الذين كانوا من حوله أسلاك الكهرباء في الأماكن الحسّاسة من جسده، وصور أخرى لأسلاك شائكة تطوّق القرية أو حيّا من أحياء المدينة.
أمّا الحمام الأبيض رمز الحرّيّة كان يحوم في كلّ صورة يحمل في منقاره تارة عود الزّيتون أو العلم الجزائري الذي كان حاضرا، والشّمس دائما حاضرة عند الأطفال بأشعّتها الذّهبية على خريطة الجزائر.
والذي شدّ انتباهي أكثر هو أنّ هؤلاء الأطفال لم يشاهدوا بل لم يحضروا الثّورة التّحريرية عيّانا، وأكثر من هذا فهي بعيدة عنهم زمنيا لا يمكنهم تصوير المشاهد هذه بأناملهم ولو وصفها لهم آباؤهم وإنّ آباءهم هم أبناء الاستقلال لم يعيشوا ثمن الحرّيّة.
وعلى الرّغم من هذا كانت الصّور معبّرة على عنوان الموضوع الذي يدعوهم إلى التّعبير عنه، لأنّه أحيانا تكون الرّيشة أبلغ من المحاضرات والنّدوات.
فالملاحظ لهذه الصّور وهي فعلا تجسّد ثمن الحرّيّة وهو الثّمن الغالي، النّفس والنّفيس الذي دفعه المواطن الجزائري إبّان الاحتلال لينال حرّيّته ويطرد الاستدمار الفرنسي اللّعين.
هذه الصّور على الرّغم من مرور عقود كثيرة عن الثّورة التّحريرية بهؤلاء الأطفال الذين قاموا برسمها بريشاتهم فإن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على الدّم الذي يسري في عروقهم من دم الشّهداء والمجاهدين ورضاعة حليب المرأة الجزائرية المجاهدة.
هؤلاء الأطفال من الجيل الثّالث أو الرّابع استطاع أن يبيّن لجيل الثّورة الأحياء منهم وجيل الاستقلال أن لا تخافوا علينا ولا تخافوا على الجزائر التي حرّرتموها، فنحن لها للبناء والتّشييد؛ كما مرّر رسالة واضحة المعالم لجيل الاحتلال وغيرهم أنّنا استلمنا المشعل من جيل الأمير عبد القادر والشّيخ بوعمامة ولالة فاطمة انسومر والأمير خالد وجيل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين وجيل الثّوّار من بينهم الشّهيد العربي بن مهيدي والشّهيد أحمد زبانة والمجاهدين الأحياء منهم والأموات، وحتّى جيل الاستقلال فرحمة الله عليهم جميعا.
فلا تفكّروا في يوم من الأيّام أنّنا ننسى جرائمكم، وأنّ رسوماتنا هذه برقية عاجلة وواضحة للعدوّ القديم ولمن تسوّل له نفسه الإساءة للوطن يسمّى الجزائر الذي نحن منه وله.

وهران: الجمعة 11 رجب 1433 هجرية، الموافق لـ: 01 جوان 2012

محمّد بومشرة
مكلّف بالإعلام والثّقافة
المكتب الولائي *تلمسان*
جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين

تغريدات الجمعية