ما أعظم الخمسين / د.عبد الحفيظ بورديم

تقشعرّ قلوب من بقي من المجاهدين الصّادقين، كلّما سمعوا نبأ الذكرى الخمسين. فتغرورق أعين الرجال، من مشهد الجثث في ساحات القتال. وتمزّق النساء مواجع النسيان، فتحكين للأحفاد فواجع الطغيان. وكأنّ الفلك لم يدر في خمسين دورة، بل بقي ثابتا يشهد أن لفرنسا ألف عورة وعورة.
تحكي قصّة شرٍّ مستطيرٍ، تفيض بالأسى المرير. جاعت فرنسا وفشا فيها الطاعون، وصارت هزؤة ينفر منها الأبعدون والأقربون. ولولا سخاء الجزائريين وكرم العثمانيين، لكانت وباء متنقّلا ومرضا متأصّلا. وما إن استردّت بعض عافيتها حتى اكتشفت خسيس شخصيتها، واستقوت بجواسيسها واستكبرت بمجرميها على من أطعمها من جوع وعلى من سقاها بعد جفاف الربوع.
وأبانت عن معان من الوحشية القبيحة، وزعمتها رسالة التحضر المليحة. فإذا جياع مارسيليا يستأسدون، وإذا الأعراب من كورسيكا في الدماء يلغون، وإذا الشذاذ الغاليون بالصّليب يعمّدون. حتى صارت الأرض غير الأرض، وضجّت من قبيح الغدر الحجارةُ من الصّلد الصخر.
كانت كتشاوة مسجدا معمورا فأحالوها اسطبلا مقذورا، وكانت المتيجة حدائق ذات بهجة فأحرقوا منها ثمار المهجة، وكانت التاشفينية جامعة للعلوم، فهدموها وصيّروها استراحة للروم. وكانت قسنطينة دارا للإسلام فوهبوها لليهود أبناء سام، وكانت وهران خلوة الأولياء فأسكروها بخمر الاسبان الأشقياء. وكانت زواوة منجبة العلماء فزعموها بربرية تعادي نداء السماء. وأرادوا أن يفتنوا الأوراس بالكاهنة، وليتهم علموها كاهنة وليست السادنة. وقد عذّبهم الله بالأوراس، وإنها لآية بين الناس. والجرم أعظم من أن يحسى، والجهاد أعظم من أن ينسى.
ولكن ماذا بقي لنا بعد الخمسين؟ هل معنى الحرية لا يزال مطلب الحاكم الرشيد؟ وهل معنى الاستقلال لا يزال مشرب الجيل الجديد؟
يملكك الغضب من تحريف الكَلِم، كأنّ عهد السِّلم يمحو تاريخ الكَلَم. أيكون عيد الاستقلال عيد الشباب، إنّ هذا لشيء عجاب. فهل أُسْقِطَ عمّن شاخ وهرم؟ أم هل أُسْقِطَ عمّن جاهد وسَلِم؟ إن يكن ذاك فليس له إلاّ معنى الفوضى والاتبارك. الشيوخ هم الذاكرة، والشباب هم الحاضرة، فإن ألغيت الأولى لم تحسن إلى الثانية. وإن أسأت إلى الأولى أسأت إلى الثانية. فيا لها من كلمة مظلومة تشكو   جراحا مكلومة.
ويؤود العاقلين ويعييهم أن يروا من أولي الأمر ما يؤذيهم. حين يشيعون الفاحشة كأنّها رصاصات ليست طائشة. أرأيت مهرجانات الرّقص والغناء، كيف تقتل ما بقي من شرف وحياء. فأيّ غد يبتغون؟ أم أيّ أمل يرجون؟ أرأيت إلى شباب الجزائر، وقد أرقصتهم (أليسا) بالجرائر.
فأيّ معنى بقي من استشهاد المليونين؟ وأيّ معنى بقي من جهاد التسعة ملايين؟
ألا عودة إلى الحقّ يا أولي الألباب، فإنّ الاستعمار الجديد بالباب. وعودة إلى الإسلام الموحّد فقد كثرت أسباب الفرقة والتعدّد. ولن يصلح أمر الآخرين إلاّ بما صلح به أمر الأولين.
bourdim@maktoob.com

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.