براءة الذّمة… من أحوال الأمّة.

بين شهر الله، وشهر الأمّة، تتسارع الأحداث، وتشتد المواجع على سطح أمتنا العربية الإسلامية، وإنّ الرّاصد لهذه الحوادث، والمشخِّص لمصادر الأوجاع ليدرك أنّ أمتنا من هول ما تعانيه، باتت هائمة تمشي بلا إرادة، وتائهة ليس لها قيادة

إنّ مظاهر العنف التي تطبع مسيرتها، ومعاناة القهر التي تهزّ كيانها، قد جعلتها سجينة الجزر الرئاسي، وضحية العُهر السياسي، ورهينة التذبذب الدبلوماسي.

ومن أين يأتي الأمان لأمّة جاثمة إلى الأذقان في الأحزان، وغارقة في محنة اللاأمن واللاأمان، فأضاعت –وهي أمّة مسلمة- كلّ معنى للبسملة والحمدلة، وفاتحة القرآن؟.

ولتتأمل هذه البؤر السوداء، والحمراء التي تلوّن خارطة جغرافيتنا، فتغرق شام العروبة والإسلام في بحار من الدماء والدموع. وتضع مصر القلب النابض بالتكبير والتحرير على صفيح ساخن، قوامه التّحدي والتّصدي، ومفاده صراع الإرادة الشعبية، والقيادة العسكرية. وهلّم بنا إلى ليبيا الجريحة، المهيضة الجناح، العميقة الأتراح، هذه الدّرة الغالية من الوطن العربي، الصابرة، المثابرة، وهي تمتحن بامتحان الأهواء الحزبية، وأجواء الغزو الغربية، لتمزَّقها إلى ليبراليين وإلى إسلاميين. ليث شعري متى عرف المواطن الليبي في الزنتان وبن قردان؛ وغيرهما أي معنى “لليبرالية” حتى يشيِّد تحالفًا باسمها، ويقيم نظامًا سياسيًا تحت لوائها، وما عرف الليبيون من النظام الليبرالي إلا القنابل تصبُّ على رؤوسهم، وسوى الصواريخ تقتلع حصونهم وحجورهم. فإذا مددنا الخطى، نحو تونس أو الجزائر أو المغرب، أو موريتانيا، وغيرها فإنّنا لا نكاد نجد إلاّ وجوهًا فقدت بقايا ماء الوجه، وإلاّ جماهير تحوّلت إلى كتل من النفايات…

قل لي برّبك يا قارئي العزيز! ماذا دهى أمتنا، في هذه المرحلة من ليلها الداجي؟

لماذا تتساقط السِّهام على كلّ جزء من أجزاء كيانها الهش، فأضحت إذا أصابتها سهام تكسرت النصال على النصال؟.

لقد حدث ذلك كلّه، عندما هان الدّم العربي على ذويه، فسالت الدماء أنهارًا وتناثرت الأشلاء أشطارًا، وتفشت مظاهر الاغتصاب ليلاً ونهارًا، بعدما طغى حكم الزناة بالأوطان والكلمات، وساد عهد المتربصين بالطاقات والكفاءات، والعابثين بالسيادات والكرامات. وسيظل يحدث مثل هذا، كلّما طُمِست معاني الإرادة الحرّة، ودِيسَت بالأقدام مشاعر التعبير والتغيير بالثورة، واعتبرت كلّ محاولة إصلاح أو تجديد بمثابة القطف للثمار المرّة.

نريد –والله إبراءً للذِّمة في معالجة قضايا الأمّة- أن نؤكِد على بعض الحقائق التي من شأنها أن تضمِّد الجراح، وتحدِث في نفس المواطن الشعور بالارتياح، والانشراح… ولعلّ من بين هذه الحقائق:

–   اقتلاع بذور العنف السائد في الأرض العربية الإسلامية، حتى تنبت حقولها –بدل شجر العنف المرِّ- حبًا، وعنبًا، وقضبًا، وزيتونًا، ونخلاً، تظللها أغصان الحرّية الوارفة، وتهب عليها نسائم الديموقراطية الهادفة، التي تملأ الأرض عدلاً، وحبًا، واستقرارًا وأمنًا…

إنّنا لو فعلنا ذلك، لبدأنا بإخصاب الأرض السورية بزرع الإرادة الحرّة فيها، فتخرج لنا الرائد الذي لا يُكذِب أهله، والقائد الذي لا يقتُل شعبه، والشاهد الذي لا يكتِم عهده.

كما أنّنا، سنشهد في مصر هبوب نسائم الحبِ والتسامح النّدية بين الحاكم والمحكومين، للقضاء على كلّ ألوان التّعصبِ في علاقة أسوان وقصر عابدين.

وينسحب ذلك أيضًا على ليبيا الحديثة عهد بالانتخاب، فتحدد قاعدة جديدة للانتساب، وتقضي على بقايا التدمير، والخراب، فلا تسمح بعودة الاستبداد الخارجي ليحلّ محلَّ الاستبداد المحلي.

إنّنا نبرأ إلى الله من كلّ ما يحدث ضدَّ المواطنين الأبرياء في أيّةِ بقعة من بقاع أمتنا، تحت أيِّ مسمى كان، فالبقاء للحقِ مهما طالت معاناة حصوله، والزوال للباطل، الآيلِ سقوطه وأفوله…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تصويب: وقع خطأ مؤسف في افتتاحية العدد الماضي، حيث كُتِبَ خطأ: “تتجاذبه ذهنيتان: ذهنية جيل نوفمبر، الذي آمن بقوّة الخلاق وكفر ببطش الخالق” والصواب: “وكفر ببطش المخلوق” فمعذرةً للقارئ الكريم على هذا الخطأ.

تغريدات الجمعية