طوبى لنا برمضان / د.عبد الحفيظ بورديم

هلال يمن وخير وبركات، أطلّ على أمّة أعيتها النزاعات. فلا هو تخلّف عنها بالعطايا ولا هي تخلّفت عن عهدها بالرزايا. أقبل الشهر يحمل مسك القرآن، وأقبل المسلمون على السوق كمثل الصبيان. أراد أن يخلّصنا من شهوة البطون، لكنّنا استقبلناه بموائد الجنون. كان لمن قبلنا فرقانا إذا التقى الجمعان، وصار لنا لهوا يمشئزّ منه الثقلان.
فما أنت يا رمضان؟ وأيّ سرّ خبّأه فيك الرحمن؟
تجدّدت قبلك الثمانية المطالع، فجئت على قدر أنت التاسع. كأنّك كنت في رحم الزمان سميّا، فاكتملت خلقا سويّا، ثمّ طلعت بالنور بهيّا، تشرئبّ الأعناق للقياك، وتجحظ المقل لرؤياك. أنت ما كنت بين الكواكب كوكبا، ولكنّك لمعارج الروح مركبا. تتدلّى من العلياء خيطا رفيعا من البهاء، تحمل من الغيب التحايا الندية، وتفتح للروح أفاقا قصيّة، ليرى كلّ ذي منزلة روائع منزلته، وليجتهد كلّ ذي خطيئة بتوبته.
فطوبى لمن صام عن الشهوة وأفاق من سكرات الغفوة، وارتقى في مدارج الصّحوة. يسبح في النهار طويلا، ويلقى في الليل قولا ثقيلا. فيصير بها خلقا جديدا تبصره الملائكة نورا مديدا. تسمع خطواته في الجنان، وتشمّ خلوف فمه أطيب من الأقحوان، فتمدّه بالنصر والتمكين، ولو غالبته قوى الناس أجمعين. وقد خلا في الأولين يوم بدر إذ التقى الجمعان، وقد تجدّد الوعد في أكتوبر إذ هزم الحقّ الطغيان.
لهفي على أمّة القرآن تعرض عن جميل المعاني في رمضان، فتتبع الحسنات بالسيئات، وتعرض عن نفحات الرحمن لتتبع خطوات الشيطان. ترى الناس وحدانا وزرافات قد تجمّعوا عند بائع الحلويات، يتدافعون بالمناكب وقد اشتبكت أياديهم كخيوط العناكب، يلهثون بالصياح والنداء على بائع اللحوم والشواء، ولا يهتمّون لأمر غلاء الأسعار حتى لو بذلوا كلّ درهم ودينار.
فهل هذا حال أمّة اصطفاها ربّ العالمين لتحمل رسالة خاتم النبيئين؟
ويحها –أمّة الإسلام- كلّما غلبتها الشهوة بسطت جناحي لقوة، وسارعت إلى السوق تخبط خبط عشواء النوق، وهي تعلم أنّها بالغريزة ترتدّ إلى الحيوانية، وأنّها بالروح تسمو إلى الإنسانية. فهل نستجيب لنداء البهيمة ونصمّ الأذان عن نداءات العزيمة.
وويحها –أمّة الإسلام- ألقت ما في يدها وتخلّت، فلا هي أقبلت ولا هي أدبرت. يتقاتل بنوها قتال الأعداء ويقسون قسوة الخصوم الألدّاء. في كلّ شبر منها ضجيج محروم، وفي كلّ ذراع منها أنين مظلوم. وأهل البغي لا يصومون عن بغيهم، ولو صاموا عن أكلهم وشربهم. أما علموا أنّ الدماء محرّمة؟ وأنّ الأعراض مسوّمة؟
ألا أيها الناس إن رمضان ليس تجويع بطون، ولكنه تحرير من الجنون، فطوبى لمن فهم المعاني وصار في الثلاثين من المثاني.

تغريدات الجمعية