علاقة الحق بالواجب /أ.محمد العربي هزله

من خلال تتبعنا للتوجيهات القرآنية والتعاليم النبوية نخلص إلى أن الإنسان مطالب أولا بالقيام بواجباته قبل المطالبة بحقوقه، فقد قال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: ” إياك نعبد وإياك نستعين ” قدّم العبادة على طلب الإعانة، فالإنسان حين يقوم بواجب العبادة لله وحده ينال حق الإعانة من عنده سبحانه وتعالى، وقد ورد في صحيح مسلم  عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يا معاذ ابن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك؛ قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم؛ قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك؛ قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم؛ قال: ألاّ يعذبهم)). فحق الله على العباد (واجب العباد) أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فإذا فعلوا ذلك نالوا حقوقهم: ألاّ يعذبهم.
فهكذا في منطق الإسلام ينبني الفوز بالجنان والاستخلاف في الأرض على العمل الصالح والسعي والاجتهاد كما قال سبحانه وتعالى: ” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “.
وقد أولى الأستاذ مالك بن نبي هذا الموضوع (العلاقة بين الحق والواجب) اهتماما كبيرا لما لِفهْمه الصحيح من دور بالغ في نهضة المجتمعات وازدهارها. وقد كان يرى رحمه الله أن المشكلة في كثير من الشعوب والمجتمعات الإنسانية أنّها قلبت المعادلة رأسا على عقِب، واعتمدت مبدأ السهولة الذي هو مبدأ المطالبة بالحقوق وأغفلت مبدأ القيام بالواجبات.
فيقول في كتابه ‘شروط النهضة’ “فالحقّ ليس هدية تُعطى ولا غنيمة تُغتصب وإنّما هو نتيجة حتميّة للقيام بالواجب فهما متلازمان.” و “لكلّ سعي – قيام بالواجب- أثره وإن قلّ، إذ هو يُساهم في بناء التقدّم والنهضة، تماما كما تُساهم القشة الصغيرة في بناء عش الطير.”
ويُضيف قائلا: “لقد أصبحنا لا نتكلّم إلاّ عن حقوقنا المهضومة ونسينا واجباتنا، ونسينا أنّ مشكلتنا ليست فيما نستحقّ من رغائب بل فيما يسودنا من عادات وما يُراودنا من أفكار..وبدلا من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة على الحياة، فإنّها أصبحت منذ سنة 1936 سوقا للانتخابات…وكم ردّدنا عبارة: (إننا نطالب بحقوقنا) تلك الحقوق الخلابة المغرية التي يسْتسهلها الناس فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب: طريق الواجبات.”
ويصف بن نبي أنّه بهذه الطريقة تمّ القضاء على روح حبّ العمل والفناء في القيام به، في سبيل تحقيق أهداف على المدى الطويل، و”هكذا تحوّل الشعب إلى جماعة من المستمعين يصفقون لكلّ خطيب، أو قطيع انتخابي يُقادُ إلى صناديق الاقتراع.”
ويُتابع قائلا: “لسنا بحاجة إلى نظرية تهتم “بالحق” على حدة أو “بالواجب” على حدة، فإنّ الواقع الاجتماعي لا يفصلهما، بل يقرنهما ويربط بينهما في صورة منطقية أساسية، هي التي تُسيّر ركب التاريخ. ومع ذلك فينبغي ألاّ يغيب عن نظرنا أنّ “الواجب” يجب أن يتفوّق على “الحقّ” في تطوّر صاعد، إذ يتحتّم أن يكون لدينا دائما محصول وافر. أو بلغة الاقتصاد السياسي “فائض قيمة” هذا “الواجب الفائض” هو أمارة التقدّم الخلقي والمادي في كلّ مجتمع يشقّ طريقه إلى المجد. وبناء على ذلك يمكننا القول بأنّ كلّ سياسة تقوم على طلب “الحقوق” ليست إلاّ ضرْبا من الهرج والفوضى. والحقّ أنّ العلاقة بين الحق والواجب هي علاقة تكوينية تُفسّر لنا نشأة الحق ذاته، تلك التي لا يمكن أن نتصوّرها منفصلة عن الواجب وهو يُعدّ في الواقع “أوّل عمل قام به الإنسان في التاريخ”.
ويشير مالك بن نبي إلى كون المطالبة بالحقوق انطلقت بشكل خاص من الحقل السياسي ، إذ هي ” تكونت على أساس ضعف ثقافتنا ،وضعف مستوانا الثقافي ،وضعف إدراكنا للمشكلات الاجتماعية والمشكلات السياسية على العموم ،حيث اعتقدنا أننا سنحلها بالكلمات والشعارات  والصراخ والمناداة بالحقوق “وعلى ذلك النمط من التفكير تتحدد بنية الاقتصاد ، “فكلمة الواجبات تحدد اقتصاداً معيّناً ،وكلمة حقوق تحدد اقتصاداً آخر ” .
نختم عرضنا هذا بقوْله رحمه الله في كتابه ‘وجهة العالم الإسلامي’: “ليس الشعب بحاجة إلى أن نتكلّم عن حقوقه وحريّته، بل أن نُحدّد له الوسائل التي يحصل بها عليها، وهذه الوسائل لا يمكن إلاّ أن تكون تعبيرا عن واجباته.”

محمد العربي هزله

تغريدات الجمعية