تأبينية لرجاء غارودي/ بقلم التهامي مجوري

نظمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بنادي الترقي يوم السبت 2 رمضان الموافق لـ21 جويلية 2012م

ندوة تأبينية للأستاذ رجاء غارودي الفرنسي المسلم المتوفى في 15 يونيو الماضي، وشارك في الندوة، الدكتور سعيد شيبان، والأستاذ عبد الوهاب حمودة، والدكتور مولود عويمر، ونشطها الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس الجمعية، كما عرض على الحاضرين شريط مسجل شهادة للأستاذ العربي كشاط عميد مسجد الدعوة بباريس، الذي لازم الفقيد  ردحا من الزمن.

تقرر عقد هذه الندوة في جمعية العلماء، بعدما أشيع أن رجاء غارودي لم يصل عليه ولم يدفن وإنما تم حرقه من قِبل أسرته، فكانت هذه المبادرة لدعوة الناس للترحم عليه، وتذكيرهم بإسلامه الذي اختاره طواعية منذ سنة 1982، وكما جاء في مداخلات الأساتذة أنه كان مسلما مؤمنا، إيمانا مبني على الفكر والعلم. فقد عاش في أسرة ملحدة وكان نصرانيا ثم شيوعيا ثم مسلما، لينتهي به المطاف مسلما متحملا مشكلة المسلمين المزمنة التي هي قضية فلسطين، حيث ألف كتابا اسمه “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”، ينتقد فيه الأسس النظرية لنشأة دولة إسرتئيا، فحوصر بعد تأليفه لهذا الكتاب وحوكم وأثقل كاهله بغرامات مالية، ولم يجد من يقف إلى جانبه في هذه المحنة، وعاش بقية أيامه معزولا عن العالم، لا أحد يتصل به، بعدما كان شخصية محورية في فرنسا وفي غيرها من بقاع العالم ومنها العالم الإسلامي، كادت تنصب له التماثيل في إحدى السنوات التي أعلن فيها إسلامه.

تكلم ضيوف الندوة عن مسارات غارودي الفكرية والتي حكى عنها هو نفسه، وكان لها أثر في تحوله ومواقفه..، فقد بدأت رحلته من إحدى مناطق الجزائر –الجلفة أوعين وسارة- وهما منطقتان غير بعيدتين عن العاصمة الجزائر كثيرا، حيث كان سجينا أيام احتلال فرنسا للجزائر، وقد حكم عليه بالإعدام، ولما أمر مجند جزائري في الجيش الفرنسي، بأن يطلق عليه النار، أبى المجند…..ولما سأله غارودي ، لما؟ قال له المجند إن ديني لا يسمح لي بإطلاق الرصاص على أعزل، يقول غارودي إن هذا الموقف كان نقطة تحول في حياتي.

كما كانت تعقيبات مدير الندوة مفيدة في إبراز حياة رجاء غارودي، وكذلك ملاحظات الحضور الذين أعطيت لهم فرصة التدخل والتساؤل، وقد كانت هذه التعقيبات والمداخلات والتساؤلات منصبة على ما كان يثير غارودي من مسائل في الفكر الإسلامي، فأحيانا يميل إلى مدارس فكرية عرفت في تاريخ الفكر الإسلامي على حساب مدارس أخرى، كأن يجنح أو يستحسن بعض الأراء في مدارس صوفية، وكلامية…، فتبدو وكأنها  مضاجة أو معارضة لمدارس أخرى، وربما لم يقصدها غارودي لذاتها وإنما هداه إليها تفكيره الحر الذي لا خلفية له عن هذه المدارس، وحتى إذا علمها، لا يتوقع منه أن يعرضها على حقيقتها كما يعرفها الدارسون للفرق الإسلامية، ولكن يبدو أن المسلمين عندما صدرت تلك الآراء عنه فيما يتعلق بموافقة  من الحلاج وابن عربي والمعتزلة…إلخ، سلوا سيوفهم لمحاربته وللوقوف في وجهه، في حين أن الرجل كان حديث عهد بالإسلام، وما كان ينبغي أن يواجه بهذه الكيفية، ثم إن غارودي الذي كان رقما يحسب له كل حساب، فإنه بعدما تحول إلى الإسلام لا يصلح مرجعا للمسلمين، ولكنه صالح كعلامة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بوصفه ذا مكانة في قومه.

أما فيما يتعلق بإحراقه وعدم دفنه، فقد روى الأستاذ العربي كشاط، أنه لما علم بالموضوع اتصل بأسرته وطلب منهم ألا يفعلوا، لأن ذلك مخالف لما علمنا عن الرجل من صدق والتزام بالإسلام وقيمه، فقالوا له إن هذه هي وصيته، ولكن كشاط يشكك في هذه الوصية، من ناحية أن غارودي في آخر أيامه قد فقد قدراته على التركيز والتذكر، بل بلغ مستوى فقدان الذاكرة، ومن ناحية ثانية أنه قرر فيما كتب أن ظاهرة الإقبار فعل حضاري، لأنه يشعر بنهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى، أي أن الوفاة ليست النهاية وإنما هي نهاية مرحلة وهي الحياة الدنيا.

وخرجت الندوة بما يشبه التوصية تليت في ثنايا كلام الأساتذة والمعقبين، أن على المسلمين أن يجتهدوا أكثر  في الاهتمام بتطوير أنفسهم، والقيام بعمليات تجديد وتحيين لواقعهم الفكري، والاهتمام أكثر بالداخلين في الإسلام  من الغربيين أمثال غارودي، وفي هذا الصدد قال الدكتور سعيد شيبان:”عندما لا أجد غربيا دخل الإسلام بسبب إسلام رجاء غارودي، باعتيار أن غارودي له مكانة في أوساط الغربيين فإنني مضطر لأن أقول أن هناك مشكلة فينا نحن المسلمون وعلينا أن نبحث عنها”

 

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.