العلم ميراث النبوّة ومبلغ الكمال الإنساني/د.جيلالي بوبكر

  خلق الله الإنسان ووهبه نعما لا تُحصى ولا تُعد بالميزان البشري، منها ما هو مشترك بينه وبين غيره من الخلق الإلهي، ومنها ما هو بشري بحت اختص به الإنسان وتفرّد، فعلا شأنه وسما قدره وتفوّق على بقية المخلوقات التي تعيش معه في هذا الكون الفسيح، وتألّق نجمه في سماء التكريم الإلهي الذي خصّه الله به من دون غيره ممّا صنع الخالق وأبدع وركب، فخلقه في أحسن خلق، قال تعالى:﴿ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين:4). الإنسان هو المخلوق الوحيد في هذ الوجود الذي يجمع في تكوينه وتركيبته بين عدّة مكونات وعناصر وخصائص لو اجتمعت في مخلوق آخر غير الإنسان لفسد الأمر واختل البنيان، ففي تكوين وبنية الإنسان الجانب الحسي المادي والجانب العاقل المفكر والجانب الروحي والنفسي والجانب الاجتماعي، وكل جانب من هذه الجوانب متعدد ومتنوع ومعقد التكوين والبنية، بين هذه الجوانب تفاعل في التأثير المتبادل واندماج وتداخل وتشابك وتكامل، التعدد والتنوع والتعقيد في التكوين والبنية فيما يظهر عليه بنو آدم كلّه غاية في الإبداع والحسن والجمال، وغاية في التناغم والتجانس والانسجام، لا يأتيه الخلل من أي جانب، كامل مكتمل غير ناقص ولا منقوص.

  إذا كان الإنسان عاجزا عن الجمع بين المتناقضين في حياته المادية والروحية الفردية والاجتماعية، ففي الإنسان تكوينا وبنية في العناصر والخصائص تجتمع الوحدة مع الكثرة والتغيّر مع الثبات والدوام مع الزوال من غير تناقض ومن دون اختلال أو فساد، وحدة الأنا بنفسانيته وبروحانيته وبميتافيزيقيته وثباته ودوامه واستمراره من جهة، وكثرة وتعدد وتنوّع المكوّنات والصفات والنشاطات والتغيّرات على المستوى الجسمي والحسي والنفسي والروحي والعقلي والاجتماعي والأخلاقي وغيره، وحدة بلغت قمّة الجمال وأوج الإبداع وكمال الصنع، وحدة بلغت أرقى صور التكوين وأعلى مراتب الإنشاء في التلاقي بين عالم الدنيا مع العالم الآخر، وفي التواصل بين بني البشر من دون انقطاع وبين أطراف الزمن ماض وحاضر ومستقبل وفي الامتداد التاريخي العميق وفي الاستئناف الحضاري باعتباره خاصية إنسانية تعبّر بحقّ عن البشرية في تفرّدها وعن الإنسانية في تكريمها وتفضيلها.

  لقد خلق الله الإنسان وكرّمه أيّما تكريم، وفضّله على كثير من مخلوقاته وحمله إلى أعلى الدرجات المراتب. قال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(الإسراء:70). ارتبط التكريم الإلهي للإنسان بترقيته بين الخلق وتفوّقه عليه بما أوتي من نعم وقوى ومنعة، كل هذا أودعه الله فيه من غير منّ أو أذى، ومن صميم وجوهر الخلق الإنساني الحسن والقويم البديع أن ألهم الله الإنسان العقل والتفكير في سياق بنية متكاملة تجمع المادة بالروح والعقل بالواقع والنظر بالعمل والسياسة بالأخلاق والفيزيقا بالميتافيزيقا والدنيا بالآخرة والأرض بالسماء، ويمثل العقل أبرز وأهمّ ما يميّز الإنسان عن غيره، وأوّل عامل يُحرّك الإنسان في اتجاه إنسانيته المُكرّمة والمُفضّلة إلى أبعد الحدود، لذا دعا القرآن الكريم في أكثر من مرّة إلى إعماله في النظر والعمل، وشدّد على أهميته ودوره في بناء الإنسان الفرد والجماعة، الإنسان الفكر والعلم والحكمة والثقافة والأخلاق والآداب، الإنسان الروح والدين والقوامة والحرية والإرادة والمسؤولية، الإنسان الرسالة والحضارة والخلافة على الأرض وعمارتها، فما أعظمها وأثقلها أمانة تقع على العقل. قال تعالى:﴿ إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا﴾الأحزاب:(72). الأمانة تسقط على غير العاقل الذي صار بين يدي العاقل مسخّرا له، وفي خدمة حاجاته الضرورية والتحسينية، ومن أجل التسخير تتبارى عقول الناس أمما وشعوبا، وتتنافس في استثمار المخلوقات الكونية وتحويلها من صورة غير نافعة إلى صورة نافعة بقوى العقل ووسائله وأدواته ومناهجه، وأبرزها العلوم النظرية والتكنولوجية على اختلاف موضوعاتها وميادينها، ومختلف التقنيات في مختلف قطاعات الحياة، استطاع العقل بما أوتي من قوّة وبالتسخير أن يبدع عالما جديدا من العالم القديم أضافه إلى طبيعة البشر وإلى الكون سمّاه عالم المدنية والحضارة. قال قائل:”خير المواهب العقل، وشرّ المصائب الجهل”.  

  قال تعالى في ضرورة إعمال العقل وفي حاجة الإنسان الدائمة إليه:﴿ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكرُكم أفلا تعقلون(الأنبياء:10).العقل باعتباره قدرات واستعدادات ووظائف سيكولوجية وذهنية وروحية ترتبط بالبدن بطبيعة الحال، فهو يفكر ويتدبر ويتأمل ويحلل ويركب وينقد ويستنتج ويُنتج الأفكار والمعارف والثقافة بمختلف مظاهرها، من علوم وفنون وآداب وأخلاق وقيّم وسائر الأنظمة المعرفية والدينية والسياسية والاجتماعية وغيرها، كما يُنتج ويُبدع العقل في المجالات النظرية ينتج ويبدع في المجالات العملية التطبيقية، مجالات التقنية والتكنولوجيا وكل ما يتعلّق بالعمل في الواقع والحياة المادية من حيث وسائل الفعل وأدواته ومناهجه، الإنتاج والإبداع في المجالين النظري الفكري والتطبيقي المادي في حياة الإنسان هو روح الحضارة وعين التحضّر، فالاجتماع البشري والإبداع النظري والعملي والبناء التاريخي والحضاري، فكل خطوة يخطوها الإنسان في مسير الرقي وكل بذرة يبذرها في سبيل التطور وكل لبنة يضعها في طريق الخير والعدل والحق والجمال من إنتاج العقل كفطرة إنسانية طبيعية، من دونها يفقد الإنسان إنسانيته ويصبح كائنا أعجميا بهيميا أسير الغرائز وأسير زمانه ومكانه لا يفلت من عقالهما إلى أفق التفكير ورحابة الروحانية وسماحة القيّم الفضلى وقوّة التجديد في الفكرة والأداء والمردود والإنجاز في الحياة الروحية والمادية النظرية والعملية.      

  المؤكّد أنّ صناع المدنية والحضارة ليسوا من عامة الناس، بل أخيارهم علما ونخبتهم عقلا وحلما، لذلك ارتبطت الحكمة بالأنبياء والعلماء والصالحين. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾(البقرة: 269 ). ولذلك نزل الوحي على نبيّه  قرآنا عربيا مبينا أوّل مرّة بأسلوب يتضمن النداء والأمر ينادي النبي الكريم ويأمره -ومن خلفه الأمة الإسلامية إلى يوم الدين- بالقراءة وما هو بقارئ لأنّ القراءة مفتاح العلم وبابه ومدخله وأداه الغوص فيه، ويؤكد على أهميّة التعلّم والتعليم والعلم، واقترنت القراءة باسم الربوبية والخلق -بين الكاف والنون- في أوّل ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام، واقترنت القراءة بالكرم والتكريم الإلهيين للإنسان حيث علّمه بالقلم، علّمه ما لم يعلم. قال تعالى:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾سورة العلق:(1-5). لقد انتبه أهل العلم إلى بدأ النزول بالدعوة الإلهية إلى القراءة، وببيان قيمة العلم والتعلّم والتعليم في الرفع من شأن الإنسان، كما يتضمن البيان الإلهي الإشارة إلى حقارة الجهل وما يفعله بأصحابه في إنكار نعم الله وفضائله على عباده، إذ أنّ الجهل حيث ما ارتحل وحلّ يقول له الكفر خذني معك لا أطيق فراقك، وانتبهوا إلى أنّ أوّل خطاب إلهي لم يدع إلى صلاة ولم يأمر بأي نسك بحت أو تعبد خالص كما كان حال الرسالات السماوية السابقة، بل أمر بالقراءة والتعلّم والتعليم وطلب العلم، وبان منذ بداية انطلاق النبوة المحمدية وتحرّك الرسالة الإسلامية شرف العلم وفضل العلماء وطلبة العلم ومحبي العلم والعلماء، وقد عبّر عن هذه الحقيقة الشاعر أحمد شوقي في بيت شعري رائع هو:

ونودي “اقرأ” تعالى اللّه قائلها  … لم تتصل قبل من قيلت له بفم.

  رُزق الإنسان العقل والإرادة والحرية، ورُزق النظر بالبصر والبصيرة فكرا وفؤادا، فاهتدى إلى الحق والخير والعدل والجمال، فميّز بين الخير والشرّ، بين الصواب والخطأ، بين العلم والجهل، بين الحسن والقبيح، حتى اعتبر بعض أهل العلم والفكر من المسلمين القبح والحسن في الأفعال ذاتيين في الأفعال مُدركين بالعقل وقبل نزول الوحي، وعلى هذا الأساس أسّس هؤلاء للحرية انطلاقا من المعرفة والقدرة العقلية على التمييز بين الأمور، ونظّروا للمسؤولية الفردية والاجتماعية، الدينية والأخلاقية. ولمّا كان العقل البشري محدودا في قواه وفي المجال الذي يتحرك فيه وعاجزا عن إدراك حقائق الموجودات في المبدأ والمسار والمعاد والمصير، وهبه الواهب وحيا منزّلا يسترشد به ويهتدي في دنياه ويتهيّأ لآخرته، فتعددت مصادر الوعي الإنساني وتنوعت وسائله وكثرت ميادين استخداماته، فصار الوعي لدى أهل الفكر والعلم وحسب اشتغاله أنواع ومراتب، وعي الإنسان لأناه ولذاته فردا وجماعة ووعيه للكون وموجوداته ووعيه للّه الخالق الرازق الواحد الأحد في الذات والصفات والأفعال، أي وعيه لوحدات الوجود -الإنسان والكون والله- بيانا بالوحي وعرفانا بالبصيرة وبرهانا بالعقل. قال تعالى:﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ البَيَانَالرحمن:(1-4)‏. قال تعالى:﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يوسف:(108). وقال تعالى:﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ الذاريات:(20-23). وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية:17-20).

  لقد قيل الكثير بيانا في القرآن عن فضل العلم وشرف أهله وطالبيه ومحبيه ومحبي أهله، وفي ضرورة طلبه وحاجة الإنسان إليه وفي الدعوة إلى إتباع خطاه وإتباع أصحابه والاهتداء بهم، والعلم المقصود في القرآن الديني والدنيوي معا، فلا رهبانية في الإسلام. قال تعالى:﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين القصص:(77).وبيّن القرآن في أكثر من مرّة بيان الحاجة إلى القوّة العلمية والمادية والاجتماعية لضمان المجد والسؤدد والاستقلال والكرامة، فلا كرامة مع جهل شديد وفقر مدقع  وعبودية قاهرة واستبداد وتخلّف وانحطاط وتبعية. قال تعالى:﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ سورة الأنفال:(60).

  بيّن القرآن الكريم وأوضحت السنّة النبوية الشريفة مخاطر الجهل ومهالكه على الإنسان وعلى حياته، وما يصنعه من ضيق نظر وتعصّب وانحطاط في الفكر والسلوك، وضعف في الإحساس والشعور والتفكير، وفقر في الإدراك والمعرفة وفي في الحياة عامة، واختلال وفساد في الأنظمة الفكرية والمعرفية، وفي الروابط الاجتماعية، وميّز الإسلام بين العالم والجاهل، وفضّل الإمام العالم العامل على العابد الزاهد. وخصّ الله سبحانه تعالى العلماء دون سواهم بمنزلة ثالثة بعد شهادته بالإلوهية وتفردّه بالوحدانية والربوبية أنّه لا إله إلاّ هو، وبعد شهادة الملائكة، شهادة العلماء عدل وحقّ أنّه هو الله وحده ولا يوجد غيره،فهو الواحد الأحد الفرد الصمد. قال تعالى: ﴿شهد الله أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾ (آل عمران: 18). ففي الإسلام لا يستوي أهل العلم مع غيرهم، فضّل الله الناس بعضهم على بعض درجات في العلم والإيمان والتقوى والعمل الصالح، وليس في اللّون أو المال أو الجاه أو السلطان كما فعل ويفعل الجهلة من الناس.قال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾(الزمر:9). وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: 11).

إنّ المكانة التي خصّ بها الإسلام العلماء عظيمة بعظمة الرسالة الملقاة على عاتقهم، وجليلة بجلال وعظمة دورهم في تعليم الناس دينهم وتعريفهم بربهم في دنياهم وبالنسبة لآخرتهم، وخطيرة بالنسبة لثقل ووزن مسؤوليتهم عن انحراف الأمة وفسادها وبعدها عن ربها وعن دينها، فهم حماة الدين ورعاة الشرع صونا وحفظا وتحفيظا وتعليما، وهم صناع المجد والسؤدد في الدنيا، وتخلّي العلم عن أداء الأمانة وتبليغ الرسالة إهمالا وتهاونا وتقاعسا أو انحيازا للمال أو الجاه أو السلطان هو إفلاس أمّة وخراب ودمار حياة بأكملها وتبعة ذلك عظيمة، فلا يوجد غير العلماء يجمعون العلم ويعملون به ويعلّمونه فيسود الحق والعدل والجد والسؤدد، لأنهم هم أعرف بالدين والدنيا، واللّجوء إليهم لا لغيرهم ضروري، وفي هذا قال القرآن الكثير. قال تعالى: ﴿إنّما يخشى الله من عباده العلماء﴾(فاطر:28). وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاّ العالمون﴾(العنكبوت:43). وقال عزّ وجلّ: ﴿ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾(النساء:83).ويبقى حري بأمّة الإسلام أن تستمسك بعلمائها في طلب العلم باستمرار وفي علاج أحوالها عملا بقوله تعالى: ﴿فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النحل: 43). ولقوله عزّ وجلّ: ﴿ وقل رب زدني علمًا (سورة طه:114). قال القرطبي: (فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم).      

  لقد تأكّد فضل العلم وشرف أهله ورفعة طلابه ومحبّيه في السنّة النبوية الشريفة، وبان جليا في أقوال وأفعال النبي صلّى الله عليه وسلم وفي سيرته عامة، قال رسول الله: “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل له به طريقاً إلى الجنة” (رواه مسلم). فالعلم في الإسلام مكسب ديني ودنيوي، فهو طريق إلى المجد والسؤدد في الحياة الدنيا، يصنع أسباب الراحة وينتج الحضارة بشقيها المعرفي النظري والمادي التطبيقي، فكل الحضارات التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل أوّل ما تميّزت به التقدم العلمي والفكري والمعرفي، ثم انعكاس ذلك على العمل والتأثير في الطبيعة والمجتمع، ويتجسد في وسائل ومناهج العمل في مختلف قطاعات الحياة، بما في ذلك الوسائل والمناهج المستخدمة في البحث عن المعرفة وفي سائر الدراسات التي شهدت تطورا هائلا في عصرنا الحالي، الذي يعتبر بحق عصر التقدم العلمي والتكنولوجي، وأصبح العلم في عصرنا مقياس التقدم والتحضر تتبارى الشعوب والأمم في نيله وتطويره لامتلاك القوّة وضمان الاستقلال والسيادة، فلا حرية ولا حياة فيها سيادة واستقلال ولا عيش كريم مع الجهل والتخلّف والانحطاط.

  ولما كان العلم وسيلة لبلوغ المجد في الدنيا وسبيلا إل السعادة في الآخرة صار موضع غبطة ومحل تباري وتسابق، قال رسول الله: “لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه مالاً فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها” (متفق عليه). وما يزيد العلم شرفا ورفعة في الإسلام دوره في الدنيا وفي الآخرة، وأثره الطيّب على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم، وهو أمر يتفرّد به الإسلام. قال رسول الله:”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع   به أو ولد صالح يدعو له” (رواه مسلم). والأجمل في العلم من المنظور الإسلامي اقترانه بالنبوّة حفظا وتعليما وميراثا. قال عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الجمعة: 3). فالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه الله معلّما ومبشرا ونذيرا وهاديا إلى الصراط المستقيم، فاقترنت في الآفاق رسالة العلم والعلماء بالرسالة النبوية وصار العلماء ورثة الأنبياء. قال رسول الله:(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا تَصْنَعُ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ).

  لقد أدركت الإنسانية منذ عرفت الوجود في هذا الكون الفسيح ما في العلم من منافع ومصالح لا تأتي بغير العلم، وذكر ذلك الأنبياء والعلماء والفلاسفة والأدباء والشعراء كلّ في عصره وفي مصره، هذا أحد الشعراء يتغنّى بالعلم وبآثاره وأمجاده فيقول:

العلم يرفع بيتاً لا عماد له…والجهل يهدم بيت العزّ والشرف

العلم يسمو بقوم ذروة الشرف…وصاحب العلم محفوظ من التّلف
يا طالب العلم مهلاً لا تدنّسه…بالموبقات فما للعلم من خلف

 ارتبط نهوض الأمم والدول والشعوب عبر التاريخ بالتقدم العلمي والفكري، فالنهضة الأوربية الحديثة في حقيقتها هي ثورة علمية في مجال الطبيعيات والعلوم الدقيقة وفي ميدان التكنولوجيا والصناعة، فانقسمت أمم العالم إلى مراتب حسب قدراتها العلمية والصناعية، ودخل العلم ودخلت الصناعة كل قطاعات الحياة بدون استثناء، وأنتج العلم المفارقة بين عالمين بينهما هوّة سحيقة، عالم متقدم يملك العلم والتكنولوجيا ويحتكرهما يتمتع بالاستقلال والسيادة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، كما يمارس هيمنته ونفوذه على العالم من غير رقيب أو حسيب، وعالم متخلّف متدهور في حياته عامة يعاني الفقر إلى حد الجوع والجهل والاستبداد والجور والحرب وغيرها من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يفتقر تماما للحرية والاستقلال والسيادة، والعالم العربي الإسلامي جزء من العالم المتخلّف، على الرغم من كونه ينتمي إلى أّمة القراءة والعلم فهو يعاني الجهل ولم يستفد مما توصّل إليه العالم المتطور، لقد جاء في تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن متوسط قراءة الفرد في المنطقة العربية بلغ ستّ  دقائق في السنة، مقابل اثنتي عشرة ألف دقيقة في السنة للغرب، أي ما يقارب من أحد عشر كتابا للأمريكي، وسبعة كتب للبريطاني. فالإنسانية في مسيرتها الحياتية عرفت التطور على مستوى الفكر والمعرفة وعلى مستوى العمل والمادة، بإعمال العقل واستثمار الطاقة في الإنسان وفي الكون، فأبدعت في طريقها إلى الكمال الإنساني وقد ركبت موجة التفوق والتألق وهي موجة العلم التي من دونها يستحيل الوصول إلى برّ المدنية والحضارة والسعادة.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.