رحيلُ عمر سليمان.. خسارة فادحة للصهاينة /الأستاذ: حسين لقرع

عبَّر الكيان الصهيوني عن عميق تأثره وحزنه لوفاة رئيس المخابرات المصري السابق عمر سليمان، ولم يتردد بن أليعازر، وهو وزيرٌ صهيوني سابق، بوصفه بـ”الرجل المخلص” وبأنه “أفضل من خدم إسرائيل”، وذكر عدداً من “انجازاته” و”خدماته” التي قدّمها لهم، وفي مقدمتها “دوره الفعال في “تقويض حماس” في غزة وإضعاف قدراتها العسكرية.

من جانبها، وصفت صحيفة أمريكية سليمان بأنه “رجل المهام القبيحة لواشنطن في الخارج” حيث كان ينسق بشكل تام مع المخابرات المركزية الأمريكية “سي آي إي” وكان ذراعها في مصر والشرق الأوسط، وذكرت بدورها عدداً من أعماله ومنها القبض على الكثير من الإسلاميين الذين تشتبه أمريكا بأنهم من أعدائها، وإرسالهم إلى واشنطن للتحقيق هناك، وغالباً ما يعرِّضهم لتعذيب جهنمي لانتزاع الاعترافات منهم وإرضاء أسياده الأمريكيين، وذهب في هذا الأمر بعيداً حيث طلبت منه الولايات المتحدة يوماً أن يرسل إليها عيِّنة بسيطة من الحمض النووي لشقيق أيمن الظواهري، فزايد عليها سليمان واقترح عليها أن يرسل إليها ذراع الرجل كاملاً.

وربما كانت “الجماعة الإسلامية” على حق حينما رفضت أن تصلي عليه صلاة الجنازة؛ فسليمان خدم سادته الصهاينة بسياساته المعادية للفلسطينيين أكثر مما خدم بلده مصر، وبرهن في أكثر من مناسبة أنه مجرد بيدق في يد الصهاينة والأمريكان وشوكة في حلق المقاومة الفلسطينية بغزة، وبدرجة أقل المقاومة اللبنانية التي كاد لها أيضاً وحاربها وتآمر ضدها وعذب بعض عناصرها في سجون مصر بذريعة أنهم تآمروا على أمنها وأرادوا القيام بعمليات ضد الصهاينة انطلاقاً من غزة.

وسخّر سليمان جهاز المخابرات المصري للتجسس على حماس في غزة ومطاردة رجالها في مصر والتضييق عليهم، بل وضايق أيضاً كل فلسطيني قادم من غزة إذا سُمح له بذلك، فكان يملأ السجون بالفلسطينيين ويعرِّضهم لعذاب لا يُطاق بهدف انتزاع اعترافات منهم بأنهم مقاومون في حماس، وقد استشهد بعضُهم تحت التعذيب ومنهم شقيق قيادي في حماس، كما حاول جاهداً انتزاع اعترافات منهم عن مكان الأسير الصهيوني الجندي غلعاد شاليط في غزة، بهدف تحريره وإعادته إلى الكيان الصهيوني بدون أي ثمن، ولكن مشيئة الله أبت إلا نصرة المقاومة وإتمام صفقة تبادل الأسرى رغم أنف الصهاينة وعملائهم.

لقد زار عمر سليمان الكيان الصهيوني أكثر مما زار غزة المُحاصرة، ومارس ضغوطاً هائلة على قادة حماس لحملهم على القبول بتسوية مذلّة للقضية الفلسطينية تتنازل بموجبها عن ثوابتها وتصفي القضية برمتها، فضلاً عن وضع حد للمقاومة،  تماماً كما يطالب القادة الصهاينة الذين انحاز إليهم بشكل صارخ عوض أن ينحاز إلى “إخوانه” الفلسطينيين ولم يكن حتى “وسيطا نزيها” بين طرفين متنازعين، ولعل التاريخ سيكشف يوماً بالتفصيل دوره القذر في حصار غزة وتجويع أطفالها وقهر سكانها، ودوره في العدوان الصهيوني عليها في ديسمبر 2008 وجانفي 2009، وكيف تآمر مع الصهاينة على ضرب حماس بغية تهديم بنيتها العسكرية وتصفيتها بأي ثمن لإعادة غزة إلى سلطة عباس وإنهاء القضية الفلسطينية بحل تفاوضي ذليل وتصفية المقاومة بشكل نهائي.

ولعل الداعية وجدي غنيم كان على حق حينما كتب منذ أيام رسالة تعزية للإسرائيليين على وفاة من وصفوه بـ”رجلهم المخلص” عمر سليمان، فهم أحقّ بأن تُوجّه التعزية إليهم، لأن خسارتهم بفقدانه فادحة جدا، وهم الذين كانوا يراهنون عليه ليترشح للرئاسة ويخلف مبارك ويعيد النظام السابق ويضع حدا لثورة 25 يناير، ويعيد مدّ جسور “الصداقة والمودة” مع الصهاينة، ويستأنف مؤامراته الدنيئة معهم لتصفية حماس والقضية الفلسطينية وفرض سلام ذليل على كل العرب.

أما المصريون فلا شك أنهم قد تخلصوا بموته من عار ظل يطاردهم لسنوات طويلة بعد أن قاد رموز النظام السابق بلدهم إلى أن يصبح مجرد خادم لـ”أمن إسرائيل” وحارس لحدودها المغتصَبة، وأكبر من يتآمر على قضايا الأمة بهدف تصفيتها.

لقد عمل رموز نظام مبارك المستحيل لارضاء أمريكا والصهاينة وتقزيم مصر ووضعها في خدمة مخططات الأعداء وتصفية القضايا الكبرى للأمة، ولكن هاهو مبارك يقبع في السجن ليرى بنفسه كيف يقهر الله الظالمين ويُسكن المظلومين مساكنَهم، وهاهو عمرُ رئيس مخابراته يمتدّ حتى يرى قبل موته أعداءَه من الإخوان المسلمين الذين طالما نكَّل بهم واضطهدهم وطاردهم وسجنهم ولفق لهم التهم وعذبهم وأهانهم وجرح كرامتهم.. يبدِّل الله ذلهم عزا وسؤددا وخوفهم أمناً وضعفهم قوة ويصلون إلى قصر الرئاسة ويُستخلفون في الأرض، وهاهو يرى خصومه وهم يزيلون آثار جرائمه بحق إخوانه في غزة، فيسارعون إلى إلغاء الإجراءات التي أقرها رفقة الظلمة من قبل بحق الفلسطينيين، فتم بين عشية وضحاها إلغاء الدخول بالتأشيرات وفتح أبواب مصر لهم على مصراعيها، فضلاً عن إلغاء كل القيود الأمنية التي أقرها النظام السابق ضدهم، ومنها مأموريات الترحيل اليومية التي كانت تصدر ضد الفلسطينيين لإذلالهم والزيادة في معاناتهم، وكذا عرض الشباب الذي تتراوح أعماره بين 18 و40 سنة على الأمن المصري. ما يعني أن النظام الجديد قد بدأ يسير باتجاه الرفع النهائي للحصار الجائر على غزة وإنهاء معاناة 1.6 مليون فلسطيني والتي طالت أربع سنوات بمباركة مبارك وسليمان وباقي رموز رجاله الذين كان ينبغي أن يكونوا في السجن إلى جانبه.

مات سليمان وماتت جرائمُه ومؤامراته وعمالتُه كله، ليذهب الآن إلى ما قدّم ويُحاسب على كل ما فعل بحق ملايين المصريين وإخوانه الفلسطينيين الذين اضطهدهم وعذبهم وتآمر مع أعداء الإسلام والأمة ضدهم، لا يهم إن كان قد مات بمرض غريب مفاجئ كما قيل للعالم، أم أنه قُتل بدوره في تفجير دمشق وهو يحاول انجاز ما لم ينجزه في الثورة المصرية، وتقديم “خبراته” في القمع والاضطهاد ليتغلب النظام السوري على خصومه من الإخوان المسلمين الذين يحاربهم، لا يهم كل ذلك الآن حتى وإن كان مقتله-إن ثبُت- آية وعبرة للعالمين، فالأهم أن سليمان قد انتهى الآن كما انتهى مبارك ورجاله وانتهى معهم عهدٌ مظلمٌ في تاريخ مصر، نسأل الله أن لا يعود، فنحن نرى مؤشرات عهد مشرق تعود فيه مصر إلى احتضان الفلسطينيين، وكل قضايا الأمة كما كانت سابقاً، ومن ثمة العودة إلى التخندق في صفوف الأمة مجددا والذود عن قضاياها الكبرى بعد سنوات طويلة من الانحراف والنذالة والخيانة.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.