إشكالية الأهلة بين علم الفلك والفقه الإسلامي /صالح حمدي

يدخل شهر رمضان على المسلمين في كل سنة ضيفا كريما بفضله وفضائله، مِعطاءً بنفحاته الإيمانية، وأخلاقه الحضارية، إلا أن إثبات بدايته ونهايته لا زالت غُصّةً في حلق كل مؤمن رشيد، ذلك أنه لا يزال محل خلاف بين العلماء؛ نتج عنه عدم التوحد في الصيام والإفطار بين بلدان العالم الإسلامي المتجاورة، بل وبين مناطق البلد الواحد أحيانا.
ولبسط هذا الموضوع والبحث عن حلول مرضية له، نظمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يوم السبت التاسع من رمضان 1433 الموافق لـ 28جويلية 2012، ندوة علمية حول: “إشكالية الأهلة بين علم الفلك والفقه الإسلامي” بدار “الإمام” (المحمدية-الجزائرالعاصمة).

الدكتور جمال ميمونيافتتح الندوة الدكتور: جمال ميموني (أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة قسنطينة) بذكر حقائق علمية عن القمر الذي هو آية من آيات الله الجليلة لقوله تعالى في محكم تنزيله: (هُوَ الذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَالِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يـَعْلَمُونَ) [يونس: 5]، وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ..) [البقرة: 189].

ومن أهم الحقائق التي شرحها الأستاذ: ولادة الهلال وتعميره إلى أن يكتمل بدرًا، ثم تناقصه مرة أخرى حتى يُنهيَ دورته، والحقيقة الثانية هي ظاهرتيْ الكسوف والخسوف ومدى دقة التنبؤ الفلكي بهما، وانتهى الأستاذ من شرح تلك الحقائق إلى أن حسابات علم الفلك حسابات دقيقة جدا؛ وبالتالي فمعطياته يقينية لا مجال للصدفة فيها.

ثم عرج الأستاذ إلى بداية هذا الشهر الكريم عندنا في الجزائر، والتي كانت بداية خاطئة يقينا بالحساب الفلكي، ذلك أننا بدأنا الصوم بالجمعة انطلاقا من شهادة الجهة الرسمية بثبوت رؤية هلال رمضان ليلة الجمعة، في حين أن المعطيات الفلكية تؤكد أن الرؤية غير ممكنة وقتها، نظرا لتزامن غروب الهلال مع غروب الشمس.

الدكتور نضال قسومأما الدكتور نضال قسوم (أستاذ الفيزياء الفلكية بالجامعة الأمريكية-إمارة الشارقة)، فقد أوعز سبب الإشكال الذي وقع في إثبات هلال رمضان هذه السنة إلى قبول الشهادات دون الرجوع إلى علماء الفلك، بل الدعوة -أحيانا- إلى تحري الهلال في وقت نعلم يقينا أن الهلال إما غير موجود، أو غير قابل للرؤية.

من هنا طرح د. نضال قسوم الإشكال الآتي على فقهاء الشريعة وهو:
هل تحري الهلال ليلة الشك ضرورة وسنة ملزمة، حتى لو علمنا أنه ليس ثمة هلال مرئي؟ أم يمكن تحقيق الغرض من ذلك بوسائل أخرى؟

ويكمن الحل –حسب تصور الأستاذ- في وضع تقويم إسلامي؛ لا لإثبات تاريخ الصيام والإفطار فحسب، بل لتنظيم عباداتنا ومعاملاتنا بصفة شاملة، كما أن هذا التقويم هو عامل أساس في إقامة مجتمع منظم وحضارة، وفي غياب هذا التقويم ستستمر الاختلافات في الأمة بهذا الشأن، ولن تكون لنا قدرة على التخطيط المسبَق.

وعن رأي الفقه الإسلامي؛ ذكر الدكتور عبد الحليم قابة (أستاذ الفقه بكلية العلوم الإسلامية بالجزائر)، أن الخلاف حول هذه المسألة سببه اختلاف الفقهاء في روايات الحديث المعتمَد في بداية رمضان ونهايته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلاَثِينَ»، الدكتور عبد الحليم قابةفكانت هناك آراء مختلفة من بينها:

1- إثبات الشهر يكون بالرؤية البصرية فقط.
2- اعتماد الحساب الفلكي في نفي الرؤية البصرية لا في إثباتها.
3- اعتماد الحساب الفلكي في النفي وفي الإثبات.

وانتهى د. عبد الحليم قابة إلى دعوته اعتماد علم الفلك كمرجعية في إثبات الأهلة، ما دامت معطياته تتسم بالقطع واليقين، لأن الشرع لا يخالف القطعيات التي يثبتها العلم. كما ذكر أن الخلاف في هذه المسألة خلاف قديم لا يمكن إزالته من الأمة تماما؛ لكن يجب السعي لتقليله قدر الإمكان، وأن يسود أدب الخلاف واحترام المخالف في الرأي.

.veecos.net

تغريدات الجمعية