تحدّيات الشّباب / أ.محمّد بومشرة

بمناسبة الذّكرى الخمسين لاستقلال الجزائر، قام أعضاء المكتب الولائي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين لبرج بوعريريج يومي الجمعة والسّبت 16 و17 شعبان 1433 هجرية، الموافق لـ: 06 و07 جويلية 2012 بالملتقى الوطني السّادس تحت عنوان: “الشّباب ودوره الحضاري في نهضة الأمّة، نظرة تاريخية ورؤية مستقبلية.” بشعار: يا شباب الجزائر هكذا كونوا أو لا تكونوا.

وهي عنوان لمقالة مطوّلة لفضيلة الشّيخ العلاّمة محمّد البشير الإبراهيمي يقدّم لشباب الجزائر كيف يكون صالحا في مجتمعه عاملا لوطنه متّكلا على نفسه، قائدا لا مقودا نافعا لا منتفعا.

هذه النّصائح من عالم عصره شهد له بذلك القاصي والدّاني من أقرانه في حياته ومماته، هذه النّصائح لا تخدم شباب الجزائر فقط، بل كلّ شباب العرب ناهيك عن شباب غير المسلمين شريطة أن يلتزموا بدينهم الذي هم عليه والشّعارات التي هم يتغنّون بها كالمساواة والأخوّة والعدالة…

وعلى جانب الملتقى برمج أعضاء المكتب الولائي دروسا ليوم الجمعة يلقيها الضّيوف من دكاترة وأساتذة بمساجد أنحاء برج بوعريريج.

وقد حضيتُ من قِبل المنظّمين بإلقاء درس الجمعة بالمسجد العتيق عمر بن عبد العزيز بدائرة برج غدير التّاريخية، التي تبعد مدينة برج بوعريريج جنوبا بستّ وعشرين كيلومتر.

وقدّمت في درس الجمعة نماذج من شباب تحدّوا الظّلم والظّلمة وجنودهم، وسجّلهم التّاريخ لمواقفهم الشّجاعة ليس في كتاب غينيس بل في القرآن العظيم، وفي السّيرة النّبوية وفي كتب الزّعماء.

وكان أوّل تحدّ لسيّدنا إبراهيم وهو فتى عليه وعلى نبيّنا السّلام مع قومه حين حطّم بالفأس الأصنام التي كانوا عاكفين عليها. ولمّا عادوا إلى معبدهم رأوا الصّورة المحزنة والمؤلمة في نظرهم لِما آلت إليه أصنامهم من تحطيم وتشويه إلاّ كبيرهم قد وُضع الفأس على كتفه، ليعلم الغافلون عن عبادة الله تعالى أنّ ما يعبدونه من دون الله تعالى هو الباطل، إذ كيف بهم لم يدافعوا عن أنفسهم ولم يستنجدوا بكبيرهم أو بغيره.

فلمّا تساءلوا فيما بينهم عن الجاني علموا مباشرة أنّه الفتى إبراهيم عليه السّلام.

قد لا أستطيع أن أصف الموقف لغة وأسلوبا كما وصفه القرآن العظيم في سورة الأنبياء الآيات: 51-70.

وهناك تحد آخر لعائلة سيّدنا إبراهيم عليه وعلى نبيّنا السّلام من نوع غريب ورفيع، يوم أمره الله تعالى بذبح فلذة كبده الفتى إسماعيل، وهو في أشدّ الحاجة إليه، والغريب في الأمر أنّ إبليس الملعون نزل شخصيا في صفة النّاصح الأمين ليشجع أحدهم على معصية الله تعالى، لكنه باء بالفشل حين اتصل بسيّدنا إبراهيم ليمنعه من أمر الله سبحانه وتعالى، فالتفت إليه ورماه بالحجارة حتى انصرف. ثمّ توجّه نحو السّيّدة هاجر أمّ إسماعيل فحاول أن يقنعها أنّ سيّدنا إبراهيم كبر في السّنّ وها هو ذا يريد ذبح ابنك إسماعيل فامنعيه، لكن المرأة هذه المؤمنة بربّها يوم قالت لبعلها إبراهيم تاركا الصّبي إسماعيل وإيّاها وحدهما في واد غير ذي زرع بدون رفيق ولا صديق، واستسلمت لأمر الله تعالى: إذا كان الله أمرك بهذا فلن يضيّعنا، ففي هذا الموقف العسير وإيمانا بربّها لم تفكّر إلاّ برجم الملعون لينصرف عنها.

لم يستسلم إبليس الملعون بل توجّه نحو إسماعيل عليه وعلى نبيّنا السّلام ليخيفه من والده، لكن سنّة الله عزّ وجلّ اقتضت أنّ ما كان لله دام واتّصل ليرجم الفتى إبليسَ الملعون فولّى على عقبيه منسحبا من المعركة التي من أجلها نزل، ومنهزما من عملية عصيان العباد لربّ العباد، فارا بجلده من الرّجم ليبقى الرّجم سنّة من سنن الحجّ إلى يوم الدّين.

وهناك تحدّ آخر، وهذه المرّة تحدّ جماعي من فتية آمنوا بربّهم لطاغوت عصرهم وأعوانه وجنوده، من منّا لا يعرفهم إنّهم أصحاب الكهف الذين جعلوا منه ملجأ لهم لعبادة الله تعالى وحده: “إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السّموات والأرض لن ندعوَا من دونه إله لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتّخذوا من دونه آلهة لو لا ياتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممّن افترى على الله كذبا.” سورة الكهف: 13-15.

هؤلاء الفتية الذين تحدّوا الطّغمة الحاكمة في ذلك العصر تمسّكوا بأمرين هامين العلم المتمثّل في التّكوين لأنّ فاقد الشّيء لا يُعطيه، والخُلق كالإخلاص والصّبر والشّجاعة.

كما تحدّى سيّدنا يوسف العقبات والصّعاب والمغريات وهو شاب، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: “ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنّه ربّي أحسن مثواي إنّه لا يُفلح الظّالمون.” سورة يوسف، الآيتان 22-23.

وفي حديثنا عن تحدّي الشّباب لا يمكننا أن لا نتحدّث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحابته الذين تحدّوا العالم بدءا من صناديد قريش.

يوم جمعهم صلّى الله عليه وسلّم ليقدّم نفسه أحسن تقديم وهم يعرفونه بأنّه الصّادق الأمين، قائلا لهم: “…فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد.” هنا طفا الصّراع على السّطح وبدأ التّكذيب والتّنكيل به صلّى الله عليه وسلّم وبصحابته الكرام.

استنجدت قريش بعمّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم قائلين له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا….إلى أن قالوا: فإمّا أن تكفّه وإمّا أن نُنازله وإيّاك في ذلك، حتّى يهلك أحد الفريقين.

فبلّغ العمّ كلام قريش لابن أخيه صلّى الله عليه وسلّم وهو منهزم وختم كلامه: …فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق.

فما كان جواب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ قولته المشهورة ردّا عليهم بتحدّ وثقة بالنّفس في عبارة يحفظها كبارنا وصبياننا: “يا عمّ لو وضعوا الشّمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته.” أليس بتحدّ جاد؟

ألم يتحدّى الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم كسرى عظيم الفرس وهرقل عظيم الرّوم في رسائل تدعوهما بالإيمان بالله ربّا وبمحمّد نبيّا ورسولا، بعدما كان يبدوا لهما أنّهما الأعلون في الأرض.

من منّا لا يعرف بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه الصّحابي الجليل مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي تحدّى كبار قريش على رأسهم مولاه أميّة بن خلف الذي لم يشفق عليه حين أدرك أنّ بلال أسلم، أخرجه إلى الصّحراء وقيّده تحت أشعّة الشّمس اللاّفحة حتّى يعود إلى دين مولاه، لكن بلالا زاده التّعذيب حلاوة الإيمان مردّدا بصوت مسمع: أحد، أحد فرد صمد.

وولج الإيمان في قلوب الصّحابة وآمنوا بالرّسالة المحمّدية حتّى النّخاع، وتحدّوا بدورهم الشّرك والمشركين، فأوّل متحدّية هي امرأة أمّنا خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأوّل شهيدة امرأة هي سميّة بنت خيّاط.

ويوم الهجرة اتّفق الصّحابة رضي الله تعالى عنهم على الهجرة من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة بأمر من الله تعالى متحدّين كبار قريش وظلمهم وبطشهم فتسلّلوا ليلا.

أمّا عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه تحدّى كبار قريش بالإعلان عن هجرته نهارا جهارا قائلا لهم: “من أراد أن يرمّل زوجه أو أراد أن ييتّم أولاده فليلحق بي.” فنكسوا رؤوسهم أمام عمر بن الخطّاب كأنّهم لم يسمعوا.

كذلك الشّاب الصّحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله تعالى عنه الذي دخل على مجلس أحد القوّاد على فرسه والرّمح بيده وهو يخرق الأرائك التي يجلسون عليها، فلمّا سأله من أنتم؟ قال ربعي رضي الله تعالى عنه وكلّه ثقة: نحن ابتعثنا الله لنخرج النّاس من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

بمثل هؤلاء الشّباب بلغ الإسلام المغرب العربي واعتنقه شباب المنطقة، وأبلوا فيه البلاء الحسن بتحدّيهم الظّلم والظّالمين، وتضحيّاتهم. نأخذ على سبيل المثال القائد بابا عرّوج كان قائدا عثمانيا ومجاهداً بحرياً إذ لعب الدّور الهام مع أخيه خير الدّين في البحر الأبيض المتوسّط. كان سنّ بابا عرّوج حين توفي ثمان وأربعين عاما ( (1518-1470

إنّ شباب الجزائر كانوا كما تحدّث عنهم الشّيخ البشير الإبراهيمي، وعليه سأخطو خطوة عملاقة لأتحدّث عن شيخين شابين عالمين ساهما في التّخطيط لاندلاع الثّورة التّحريرية الجزائرية هما الشّيخ العلاّمة عبد الحميد بن باديس يوم التقى بقرينه الشّيخ العلاّمة محمّد البشير الإبراهيمي بالمدينة المنوّرة يدرسان مدّة شهرين لا ينامان فيها إلاّ سويعات بعد صلاة الفجر. ما هي السّبل التي يمكن من خلالها إخراج الاحتلال الفرنسي من الجزائر؟

كان الإمامان شيخين في العلم والمعرفة والسّياسة من مواليد سنة العباقرة 1889، وفتية في السّن حيث كان سنّهما خمسا وعشرين عاما يوم التقيا بالمدينة المنورة سنة 1914، ويوم أسّسا جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين عام 1931 التي قامت بالدّور العظيم كان سنّهما اثنين وأربعين عاما. ويوم توفّي عبد الحميد بن باديس مجدّد العصر كان سنّه اثنين وخمسين عاما يوم 16 أبريل 1940.

أمّا الشّباب الذين خطّطوا لاندلاع الثّورة كان أكبرهم من مواليد 1917، وأصغرهم من مواليد 1929.

والشّباب الذين التحقوا بالجبال منهم من ترك مقاعد الدّراسة كانت أعمارهم في العقد الثّاني، أمّا الذين استشهدوا فمعظمهم لا يتعدّى سنّ أربع وثلاثين عاما.

هؤلاء الفتية الذين تزعّموا المعارك السّياسية والحربية كان جلّهم من مواليد حوالي 1917 و1930…

والقصيدة العصماء التي كتبها العلاّمة عبد الحميد بن باديس سنة 1937 فور عودته من فرنسا في وفد رسمي وهي:

شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتسب

يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصّباح قد اقترب

خذ للحياة سلاحها *** وخض الخطوب ولا تهب

هذا النّشء المذكور في القصيدة هم الذين يخاطبهم العلاّمة عبد الحميد على العموم وسنّهم في العقد الأوّل، هم أولئك الذين لبّوا نداء أوّل نوفمبر 1954 وسنّهم لا يتعدّى العقدين ونصف.

هم كُثر أذكر منم الشّهيد أحمد زبانة الذي إذا تحدّثت عنه يقشعرّ جلدي من ذلك الموقف الشّجاع وهو يواجه الموت بالمقصلة، وسنّه ثلاثون عاما. والشّاب صاحب الابتسامة العريضة الشّهيد العربي بن مهيدي يستشهد وعمره أربعة وثلاثون عاما تحت التّعذيب. وشاعر الثّورة الجزائرية مفدي زكريا يسجن ويقول قصيدة من أروع ما قرأت من القصائد الحماسية وهو في سنّ سبعة وأربعين عاما لتصبح النّشيد الوطني الرّسمي. والشّهيدان في يوم واحد معا العقيد لطفي بودغن 1934-1960، والرّائد محمّد فرّاج 1934-1960 .

القائمة طويلة جدّا، جدّا من أمثال هؤلاء الأسود الذين أنجبوا أشبالا صاروا يتحدّون الظّلم والظّالمين منهم على سبيل المثال أبناء هذه المنطقة ولاية برج بوعريريج الذين قاموا مؤخّرا فحرّكوا المواطنين شرقا وغربا، شمالا وجنوبا ليجمعوا هدايا معتبرة لإخوانهم بغزّة الحرّة ويسلّمونها بأيديهم إلى أصحابها في قافلة الجزائر – غزّة. وهي أوّل وأضخم قافلة عربية متحدّين العالم إنّهم فتية عددهم ثلاثين شابا أكبرهم سنّا شاب من مواليد 1923 إنّه الدّكتور عمّار طالبي الذي كان نِعم المرافق ونعم القائد، حيث كان أعضاء الوفد يقدّمونه عند الحالات الصّعبة متحدّيا إيّاها.

وصدق الشّيخ العلاّمة البشير الإبراهيمي حين قال يا شباب الجزائر هكذا كونوا أو لا تكونوا.

تلمسان: 18 شعبان 1433 هجرية، الموافق لـ: 08 جويلية 2012

محمّد بومشرة

مكلّف بالإعلام والثّقافة

المكتب الولائي *تلمسان*

جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين

 محمّد بومشرة

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.