خواطر بين يدي مسلسل عمر /أ.جيلالي بن فرج حسين

الوصاية على العقل الاسلامي
بعد الإعلان عن العمل الضخم الذي ستعرضه بعض القنوات التليفزيونية  في شهر رمضان الفضيل والمتمثل في مسلسل عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ سارع الكثير من أصحاب العمائم وأوصياء الفكر والثقافة في عالمنا الاسلامي الى إعلان حرب لا هوادة فيها من أجل مقاطعة هذا المسلسل وتجريم كل من ساهم فيه والمبالغة في التنكيل والتشهير بهم.

ولا حاجة بنا الى الاحالة على الفتاوى وردود الأفعال المستنكرة للعمل، لكونها في متناول الجميع بما وفرته لنا وسائل الاعلام وخاصة الانترنت، وثانيا لكونها ليست جديدة على أذهان ومسامع كل من له أدنى علاقة بالفكر والثقافة فهي لا تزيد عن كونها جعجعة بلا طحين وأسطوانة مشروخة مضى عليها ما يناهز الثمانية عقود. كما أن ردود الأفعال الرافضة لهذا العمل لم تثر استغرابي قط، لعلمي أن الكثير من متصدري الفتاوى يحرمون الفن والابداع والتمثيل والمسرح والموسيقى والتلفاز والدُّش جملة وتفصيلا؟؟ وإن من يحرم الفن والتمثيل لا أسهل عليه من تحريم وتجريم  عمل فني، خاصة اذا ارتبط بسيرة صحابي، فذلك عنده من باب أولى وتحصيل الحاصل؟
وإني لا أزال أذكر عندما كنت طفلا دون الثالثة عشر من السن وأنا اقتني الجريدة وأتأبطها وأخفيها عن أعين الرقباء الذين يرون أن قراءة الجرائد واقتنائها حرام، لكونها تحوي صورا ومقالات تنتقد ولي الأمر؟؟!! كما أذكر جيدا أسماء المشايخ والدعاة الذين رسَّخوا في ذهني ردحا من الزمن أن التلفاز حرام مشاهدته ولو كان يقدم دروسا دينية وقرآن؟؟  غير أنه لم ينقض عجبي بعد وأنا اليوم أشاهد  من حَرَمني الدُّش والتلفاز نجما من نجوم الفضائيات الدينية التي تناسلت فجأة، وكيف أصبح الكافرون بالديمقراطية ومن يرون أن من السياسة ترك السياسة رؤوس قوائم انتخابية ونوابا في البرلمان ورؤساء أحزاب؟؟
ثم وبعد مخاض عسير وتذبذب كبير وصلت الى عدة قناعات حَدَت بي إلى خلع تلك الأفكار البالية والآراء الرجعية السقيمة، ولم تستطع تلك التنشئة الظلامية أن تقتل روح الباحث والمبدع في داخلي، وكان من أهم ما أدركته أنه لن يستطيع أي كان ومهما أوتي من قوة مادية أو معنوية أو سلطة زمانية أو مكانية أن يحاصر الفكر والابداع ويكبت روح الاختراع والاستكشاف في الانسان، وقد سبق في التعبير عن هذه الحقيقة الصارخة أحد شعراء الصحوة الاسلامية المعاصرة قائلا :
ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي بالسوط

ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكري ساعة

أو نزع ايماني ونور يقيني

لذلك عبثا يحاول الفقهاء الجامدون والسلاطين والحكام المستبدين وقف هذه الروح التي تعطي للإنسان قيمته وحقيقة وجوده.
انفعالية المسلم المعاصر والمفاهيم المغلوطة
يتميز المسلم المعاصر عامة، بله حتى الجهات المبتدَعة التي أصبحت تمارس على الفرد المسلم الوصاية تحت مسمى هيئات الافتاء ووزرات الشؤون الدينية والاوقاف بكونها أصبحت مبدعة في ردود الفعل والدفاع أكثر مما هي مبدعة في الفعل والمبادرة والهجوم، فهي لا تواكب بل ولا تعي التطورات الحاصلة في العالم الا من خلال ما يمس هيبتها ومكانتها التقليدية فقط لتنتفض بالشجب والتنديد وحتى بإطلاق الأحكام الجزافية الجزائية في حق من يحوم حول مكاسبهم المادية وسلطتهم المعنوية. هذه الهيئات التي أصبحت وظيفتها ممارسة الرقابة الدكتاتورية على حركة التأليف والابداع، وساهمت بشكل أو بآخر في تشويه صورة الاسلام وتنفير الناس عنه وحتى في فقدان الفرد المسلم للمرجعية الاسلامية المستقلة التي يستطيع أن يلقي إليها بقياده آمنا مطمئنا. بل وأصبحنا لا نلمس ولا نشاهد أثر هذه الهيئات الا في المواقف التي لا تزيدنا الا ايغالا في الشك فيها والغاية من وجودها.
إنه لم يوجد على مدار التاريخ الاسلامي كما أشار الى ذلك الأستاذ سيد قطب هيئة رسمية يوجدها السلطان لتنظيم الحياة الدينية في المجتمع ، مثل ما عرفته الحياة القروسطية في أوروبا من تقاسم السلطة بين الملكية والكهنوتية، وما هنالك في عالمنا الاسلامي الا المساجد التي يقصدها الناس للعبادة أو الفتيا، في وقت تمتع به الامام بمنتهى الاستقلالية عن السلطة المكانية، بل وكان موضع التهمة والريبة بمقدار اقترابه من تلك السلطة، غير ان هذه الاستقلالية التي تمتع بها العالم في تاريخنا اكتسبها بفضل قيام الناس على شؤونه واحتياجاته ليغنوه عن أبواب السلاطين فلا يقع تحت تأثير ما يغدقون عليه من نوال وجوائز.
إن ثقافة رد الفعل والاستجابة الانفعالية للمسلم في الوقت المعاصر دليل على أنه أصبح غارقا في عالم الاستهلاك ومنتهى السلبية وأبعد ما يكون عن الانتاج والمبادرة الى لعب دور الفاعل القادر على التأثير، ولا أدل على ذلك من كونه لا يزال ينظر للظواهر الاجتماعية والتغير الحاصل في العالم على جميع الأصعدة بمنطق القبول والرفض والحلال والحرام والسنة والبدعة وكأن تلك الظواهر أمور نظرية بحتة يكفي الحكم عليها ليتغير العالم من حولنا؟؟  ولا يتعامل  معها على أساس أنها واقع يكتسحنا، يجب أن نهذب منه أو نتكيف معه، والا فإنه سيجرفنا الى خارج التاريخ.
فأصبح المؤمن كائنا سريع الانفعال مما جعل ردود أفعاله ارتجالية عفوية غير مؤسسة ولا صحيحة تعطي فرصا أكثر لأعدائه الأذكياء للنيل منهم واصابته في المقاتل، كما يصنع المصارع بالثور الاسباني.
إن الانسان يستجيب غريزيا للهدم والنقد أكثر من استجابته لداعي البناء والابداع، لأنه يميل دائما للأسهل والأقل كلفة، وهو بذلك لا يجيد الا دور المتفرج السلطان، فاقد للفاعلية والايجابية وروح المبادرة في مجتمعه، هذا النوع من النفسيات هي ما ابتليت به أمتنا الاسلامية في كثير من عهودها وكانت سببا وجيها في تكريس تخلفنا وسقوطنا الحضاري، كما سبق التلميح لذلك.
وبسبب هذه الانفعالية والعقلية الدفاعية أصبح المسلم المعاصر يتكلم أكثر مما يعمل وينتج، لقد أصبح ظاهرة صوتية لا تحسن الا الشجب والتنديد، والخطابة، وما أحوجنا اليوم أكثر من اي وقت مضى لأمثال العلامة مصطفى محمود المفكر الاسلامي البارز الذي كان يقول: “لا يمكن أن أقابل ربنا بقليل من الكلام” وهو يقصد بذلك مؤلفاته التي ناهزت 70 كتابا فضلا عن البرامج التليفزيونية والاذاعية التي كان يقدمها والتي لا حصر لها، والتي من أشهرها “برنامج العلم والايمان” والذي قدم فيه 400 حلقة، ومع كل هذا لم يقتنع بكل ما قدمه مما حذا به الى الابداع في شق العمل فأسس عدة مشاريع كبناء مسجد ومستشفى وعدة مراكز طبية، ضاربا مثالا ولا أروع للمسلم الرسالي الذي تطابق أقواله فعاله.
كما ترسخ في أذهان البعض وخاصة من أولئك المنتسبين للحقل الاسلامي، _ولا أدري كيف_ أنه لا مجال للعمل في أي ميدان الا بعد أن يصل جيل التمكين الذي يقيم دولة الحق والخلافة المنشودة، وكأن هذا الجيل يأتي من العدم أو ينزل من السماء، من هنا جاءت ضرورة الوعي بأنه ليس بالضرورة أن نصل إلى سدة الحكم لنخدم الإسلام وننفق عليه ونضحي من أجله، إن هذا الفهم القاصر هو من بين أهم الأسباب التي ساهمت في تثبيط الهمم وتقويض العزائم وتقاعس النفوس عن العمل القاعدي، والبحث عن مجالات عمل أرحب وأوسع، مما جعل المشروع الحضاري الاسلامي يراوح مكانه، فالذي يحمل هم الإسلام يعمل لأجله من أي موقع كان وفي أي ظرف. وإن من اهم اسباب هذا الفهم القاصر هو استعجال الفرد المسلم للنتائج والثمار والغنائم، ومن المعلوم من تاريخنا الاسلامي أن هذا المفهوم هو سبب انتكاستنا دائما سواء في “أُحد” أو “بلاط الشهداء” (بواتييه). مع أن الله عز وجل تعبدنا بالعمل وبالبذل ولم يطالبنا بالنتائج، “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” “انك لن تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء” “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.
البعض الآخر لا يزال يعتقد أن الدعوة لا تمارس الا داخل المساجد وعلى المنابر، في حين أننا لسنا بحاجة لدعوة المهتدين أصلا بل لا بد أن نبحث عمن هم خارج المسجد فهم الأولى بالدعوة والرعاية، لا بد أن نبحث عنهم في الشوارع والملاهي ودور السينما وفي أوروبا وغيرها، او لابد ان نهجم عليهم من خلال الفضاءات الأخرى التي لا تقل أهمية عن دور مؤسسة المسجد، مثل عالم الانترنت والفضائيات والدخول عليهم مداخل جديدة من خلال الفن والابداع والتمثيل والغناء وأن لا نكتف بالطرق التقليدية التي ربما قلت فاعليتها وأثرها، بل وأثبتت الأيام عدم جدواها.
العمل الاسلامي وحاجته للفن الهادف
إن كثير من المقصودين بالفتيا في عالمنا حكموا على مسلسل عمر وغيره من الأعمال أحكاما مسبقة ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر فيه أو متابعته لتكون أحكامهم على ضوء ما شاهدوه؟ إلا أنهم في مثل هذه الأعمال فقط يتناسون القاعدة الفقهية “الحكم على الشيء فرع عن تصوره” فسارعوا لإلغائه وتحريمه دون استكمال شروط الفتيا التي يجب أن تتوافر ليكون الحكم مقاربا للصواب، فكان التحريم والذي هو أسهل شيء على الفقيه وحتى على غير الفقيه فهو لا يكلف جهدا ولا إعمال فكر؟؟  لذلك يقول الامام سفيان الثوري: “إنما الفقه الرُّخصة من ثقة، أما التشدد فيحسنه كل أحد”
ولن ينقضي عجبك أخي القارئ من الحجج التافهة المتهافتة التي حشدوها لإبطال المسلسل وصرف الناس عنه فقالوا أن التمثيل كذب، وأن المسلسل يحتوي وصلات موسيقية، وتغليب المصلحة على المفسدة يقضي تحريمه وإيقافه، وكان أغرب من ذلك كله طلب الاذن من الخليفة عمر أو من ورثته الشرعيين لجواز التصوير !! ولعمري إن هذا أعجب ما سمعت وقرأت ووالله لأني في حيرة بين الضحك والبكاء؟؟
المفارقة العجيبة في مسلسل عمر بن الخطاب أنه جمع ولأول مرة في التاريخ اليمين السني باليمين الشيعي وقارب بينهما، اذ اتفق كلاهما على رفض العمل ومقاطعته، الأول بدعوى تجسيد الصحابة والثاني بدعوى إعطاء شخصية أكثر مما تستحق؟؟.
إن مقاطعة أي عمل لا تعني توقيفه ونهايته، بل علمتنا الحياة أن كل ممنوع مرغوب، مما يعني أن دعوات المقاطعة كان لها أثر عكسي، إذ عملت على الترويج للعمل والاشهار المجاني له، فزادت نسبة المتابعين له والمقلبين عليه، بل وتعالت الأصوات للعمل على انجاز اعمال تضارعه وتشبهه تتناول الحلقات الذهبية من تاريخ أمتنا الاسلامية.
ثم هل هناك أبشع من أن تفرض على الفرد ما يشاهده أو ما لا يشاهده، هل هناك رقابة وتسلط على الفكر أكثر من هذا الا التسلط الفرعوني الذي يقول “آمنتم به قبل أن آذن لكم”
مهما تكن ملاحظاتنا أو انتقادانا لهذه الأعمال لا بد أن نحتضنها أولا ونتبناها ثم نعمل على تطويرها وترقيتها حتى تقدم عملا أكثر مصداقية واحترافية ومقاربة للحوادث التاريخية، لا أن ندير لها ظهورنا ونرفضها جملة وتفصيلا.
اننا اذا لم نبادر لهذه الأعمال يبادر لها آخرون وسيتم تناولها من وجهة نظرهم الخاصة، سواء نظرة مذهبية أو دينية وحينها نكون لا الى الاسلام نصرنا ولا لأعدائه كسرنا ونخسر مرتين.
إن عدم وجود فن إسلامي هادف وملتزم أو تأخره وعدم اقتحامنا لمجالات الابداع المختلفة من مسرح وتمثيل وغناء ترك المجال مشرعا والساحة خاوية والثغور مستسلمة لاستقبال أعتى هجمة تعرض لها العالم الاسلامي في اطار الهجوم والغزو الثقافي المنظم، لقد أتونا على حين غفلة وسذاجة منا، وبقينا نحن نعيد انتاج واجترار مسائل السلف التي شغلتهم وكانت داء عضال استشرى في جسد الأمة حتى أعادها مشلولة لا حراك لها يصنع  بها الآخرون ما يشاؤون.
لو كنا في مستوى فهم التحديات ومجابهتها مع بزوغ فجر ما سمي نهضة عربية مع بدايات القرن العشرين لأولينا العناية اللازمة بما يلعبه الابداع والفن والاعلام في تقوية أوتمزيق النسيج الثقافي والاجتماعي للأمة، ولكن للأسف ضيعنا الفرصة وشغلنا ولا نزال بالتوافه التي قزَّمت المشروع الاسلامي وأفقدته جوهره ومحتواه فجعلته هزيلا مثيرا للسخرية والتنكيت، لكوننا حصرناه في آداب الأكل والخلاء؟ والرقى والتمائم، وأصبح المشايخ يمارسون الدروشة شغوفين بالخصومات والترف الفكري الذي أكل عليه الدهر وشرب، وكل علمهم تحشية الحواشي وتلخيص الملخصات وصدق فيهم قول الشيخ الطيب العقبي رحمه الله:
علَّمونا طرق العجز وما

منهم من لسوى الشر أفاد

طالما جدَّ الورى في سيرهم

وهم كم صدهم طول الرقاد

إن عملنا على تكوين فرد مسلم في عالم التمثيل والفن لا يقل أهمية وخطورة عن تكوين الداعية والعالم، بل حاجتنا الآن لتكوين نجوم في عالم السينما لخدمة المشروع الاسلامي تزيد عن حاجتنا للدعاة والعلماء الذين أهلكونا بالخصومات الكلامية السفسطائية التي لا طائل منها. فلو كان لنا أمثال هؤلاء النجوم لا ما شغف أبناؤنا وبناتنا بنجوم هوليود ولا بوليود.
لعل من أكبر حسنات مسلسل عمر أنه دق مسمارا آخر في نعش الجمود الفكري والتقليد البليد، كما أنه سيفتح المجال مشرعا للإبداع العربي الهادف والملتزم مستقبلا ان شاء الله.
الجمعة 15 رمضان 1433-03 أوت 2012

.1يرى الشيخ صالح السحيمي أن مسلسل عمر عمل اجرامي
2 هو الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله.
3 يقول سيد قطب رحمه الله في كتابه “العدالة الاجتماعية في الاسلام” هامش صفحة 19:” نحن نفرق بين اصطلاح رجال الدين واصطلاح علماء الدين، ففي بعض العهود يحاول أصحاب السلطان أن يقيموا في الاسلام “هيئة دينية” يستخدمونها في تحريف الكلم عن مواضعه، والافتاء بما يرضي أصحاب السلطان، ويصدق أقوالهم وأفعالهم وأوضاعهم التي لا سند لها من الدين، وهي هيئات تشبه “إكليروس الكنيسة” لا يعرفها الاسلام”
4يقول الداعية الشيخ محمد الهيدان: “لا يجوز شرعاً ولا نظاماً أن يجسد إنسان إنساناً دون أخذ موافقة منه أو من ورثته.. فالقائمون على الإنتاج لم يأخذوا موافقة عمر ولا ورثته على إنتاج المسلسل، ولا أحد يستطيع الآن أن ينتج مسلسلا عن حياة شخص دون الحصول على إذن منه.. فهذا مخالف حتى للنظام”.

تغريدات الجمعية