نبيّ المرحمة يفتح مكة المكرمة/د.عبد الحفيظ بورديم

جمعوا له طغيانا ليفتنوه، وأرصدوا عدوانا ليقتلوه. ولكنّه (صلى الله عليه وسلّم) خرج من بين أظهرهم، بعد أن حثى التراب على رؤوسهم. كانوا كثرة جاهلة، حملت سيوفا قاتلة. وكان (صلى الله عليه وسلّم) يوصي عليّا بالودائع والأمانات، ويذكّر صاحبه بالشعاب والطرقات. ولمّا ابتعد (صلى الله عليه وسلّم) عن الديار، سالت عيناه بالدّمع الغزار. أيخرج السفهاء النبيّ من وطنه؟ليعيثوا فسادا في سكنه.
عشرة سنوات في المدينة قضاها، يرى مكّة قبلة ويرضاها. ورضي (صلى الله عليه وسلّم) أن يرجع عن العمرة حفظا للبلاد، فوقّع صلحا في الحديبية رحمة بالعباد. ولكنّ قريشا خفرت عهدها، وغدرت بخزاعة فقتلت أكبادها. وكذلك يفعل الظالمون، لا يحفظون عهدا ولا ينجزون وعدا. ولا يجدون فرصة إلّا ابتهلوها، فإن لم يجدوها صنعوها.

ليتهم وفّوا بعهدهم وصبروا ليروا خبره مع غيرهم. كان قد بدأ بتنظيم مجتمع المدينة، ونشر فيها الأمن والسّكينة: آخى بين أبنائها، وأعطى المواثيق لليهود من سكّانها، وأنزل بني قريظة من حصونها، وراسل ملوك الأرض يطلب إسلامها. فظهر على العرب بما لم يفعلوه، وظهر على الملوك بما لم يعهدوه.

ولكنّ قريشا استعجلت أمرها، فجاءتها عشرة آلاف تحمل خيرها. لم تعرف مكّة مشهد الأنوار في جبالها، تضيئها بجمالالنبوة وجلالها. وفي لحظة التوبة والانكسار، هُرِع الطلقاء طامعين بالصّفح والاعتذار. وقد أجاب النبي (صلى الله عليه وسلّم) دعواهم، وأجاب سؤلهم وأعطاهم، فقال: من دخل البيت الحرام فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

لم يروا منه صفات الملوك الغالبين، بل رأوا علامات خاتم النبيين والمرسلين. مرّ (صلى الله عليه وسلّم) بين الصفوف على ناقته القصواء، مطأطئ الرّأس خاشعا في حياء. لا ينفكّ عن ذكر التكبير، ثمّ أجهز على الأصنام بالتكسير. وكلّما هدم لاتا من الحجارة، هدم نفسا من النفوس الجبّارة. وكلّما أزال هبلا وحقارة وضع إيمانا وطهارة.

ذهلت قريش لما أصابها، ولكنها أعطت عبرا لمن بعدها.

النبوة حقّ بالقول والسّلوك، ليس فيها تعاظم الملوك. والفتح كان في التاريخ مرحمة، وكم من الغالبين أعملوا الذبح والملحمة. والحقّ أبلج ظاهر لا يعانده إلاّ الباطل الكافر. لكن الظالمين لا يفقهون ولا يعتبرون.

فليت قومي يعلمون أنّ سياسة الشعوب لا تكون بالقهر، وأنّ رياسة الأمور لا تكون بالزجر. فربّ مستضعف قد يظهره الله على خصمه، وربّ صاحب مظلمة قد ينتصر الله له من ظالمه.

فما أعظم نبيّ المرحمة وهو يفتح مكة المكرمة. وما أعظم المسلمين لو يتمثلون سيرة الحبيب سيد المرسلين. إذا يسودون بالحقّ والعدل العالمين.

(1) تعليق

  1. خنقاوي

    مرّ (صلى الله عليه وسلّم) بين الصفوف على ناقته القصواء، مطأطئ الرّأس خاشعا في حياء. لا ينفكّ عن ذكر التكبير كان هدا توضعاً لله وشكراً من حبيب الله صل الله عليه وسلم تلك هي سمات الخلُق الإسلامي الرفيع في السلم والوفاء والتواضع، ولكنه سلم الأقوياء لا سلم الضعفاء، ووفاء القادرين لا وفاء العاجزين، وتواضع العزة لا تواضع الذلة.إن سلم الأقوياء القادرين هو السلام الذي يأمر به الإسلام، أما سلم الضعفاء العاجزين فهو الاستسلام الذي ينهى عنه الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية