بين بدر624م وفاتح نوفمبر / الشيخ عبد الرحمان شيبان

إن ثورتنا المباركة السائرة دائما نحو الفوز و الكمال ,ليست فقط ثورة سياسية وطنية اجتماعية,تهدف إلى استرجاع السيادة المغصوبة,و الكرامة المسلوبة و رفع مستوى حياة المواطنين,بل هي إلى جانب كل ذلك لتهدف إلى تحرير ديانة المواطنين الأصليين ,اعني الإسلام الخالد الذي حاول المستعمر تشويهه,بل ترحيله عن البلاد,بما حول المساجد العديدة إلى كنائس,و متاحف ,ومستشفيات ,وثكنات ,واعتدى على البقية الباقية منها,بالتصرف في شؤونها,و إقامة حفلات رسمية ,من حين إلى آخر,يمجد الاستعمار في رحابها المقدسة التي اذن الله ألا يذكر فيها غير اسمه ,وما يتصل باسمه من كل كمال و جمال و جلال…إن ثورتنا تتسم بالطابع الديني حقا,لكن لا على المعنى التعصبي الذميم ,الذي يحاول الاستعمار أن يلصقه بها زورا و بهتانا,بل على المعنى الإسلامي الأوسع السمح ,ألا وهو التحرر الكامل ,من جميع القيود التي تعرقل الإنسان عن البلوغ  إلى أعلى درجات الكمال الممكن له ,و ما الاستعمار في الحقيقة و الواقع,إلا صخرة كبيرة جاثمة في طريق التقدم و الرقي في جميع ميادين الحياة ,و لذلك نسمع الأمة تدعو أبطالها المكافحين:”مجاهدين ”  و تسمي كفاحهم التحريري “جهادا”.

فلا نكون متعصبين اذن اذا نحن حاولنا أن نقارن بين بدء هده الثورة اعني :يوم أول نوفمبر  و بين بدء الثورة الإسلامية العظمى :بدر الكبرى,مقارنة موجزة في المقدمات و النتائج معا.

بدء الإسلام 

لقد بدأت الدعوة إلى الإسلام سرا , تتغلغل في نفوس المؤمنين الأولين في سكينة و اقتناع

و في سلم, وطيب خاطر ,و كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المدرسة الأولى لتلقين المؤمنين بمكة مبادئ الدين الجديد ,و تمرينهم على الثبات و الاستعداد للجهاد و التضحية قي سبيل الحق ,فتفطنت قوى الشرك و الطغيان إلى الخطر الذي ينتظر آلهتهم و أهوائهم العمياء  , فطاردوا المؤمنين و الحقوا بهم و بإمامهم الأعظم صلوات الله عليه و سلامه -,صنوفا من التعذيب و التحقير لا يحتمل أثقالها ,ولا يتجرع مرارتها إلا أهل العزائم الصادقة و المبادئ الحقة و العقيدة الراسخة ,أمثال ياسر الذي كان يوضع الصخر احمر على صدره تارة و يغرق في المياه تارة أخرى ,حتى مات في العذاب .ومثل سمية زوجه التي أغلطت القول لزعيم الشرك أبي جهل فطعنها بحربته في محل العفة و الشرف ,فماتت و هي أول شهيدة في الإسلام .و مثل بلال بن  رباح الذي كان سيده أمية بن خلف إذا حمت الشمس وقت الظهيرة يقلبه على الرمال الملتهبة ظهرا لبطن و يأمر بالصخرة الجسيمة فتلقى على صدره,ثم يقول  له:” لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ,وتعبد اللات و العزى “.فما يزيد بلال عن ترديد:احد…!احد…!و كيف يصمد هؤلاء المؤمنون للعذاب و يستهينون بالموت وهم اذا ما هم احدهم بالشكاية إلى الرسول ببعض ما يلاقون من العذاب جابههم بمثل هذه الموعظة المشجعة و هذا الدرس العظيم :« قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ,ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه,فيجعل نصفين و يمشط بأمشاط من حديد دون لحمه و عظمه,فما يصده ذلك عن دينه…»

الإذن في الهجرة 

توالى العذاب و الهوان على المؤمنين من طرف المشركين بصورة فظيعة ,فأذن الرسول عليه الصلاة و السلام لأتباعه بالهجرة إلى الحبشة لا بقصد الفرار إلى حيث السلامة و النجاة ,بل لغرض حكيم بعيد الغور ,وهو :لفت نظر النجاشي و رجاله إلى قيمة هدا الدين الإنساني الأعلى ,علهم يرعونه و يقدرون أهله , فيذيع و ينتشر, قال :صلوات الله عليه و سلامه :«لو خرجتم إلى ارض الحبشة ,فان فيها ملكا لا يظلم عنده احد , وهي ارض صدق , حتى يجعل الله لكم فرجا مما انتم فيه …»

و لأجل ما لهذه الهجرة من معنى و خطورة اهتمت قريش بها ,فبعثت بسفرائها إلى النجاشي و بطارقته ,يحملون إليهم الهدايا ,كي يردوا المهاجرين إلى مكة,مثلما تفعل الدول الاستعمارية في عصرنا هذا مع اللاجئين السياسيين,و لكن هذه المحاولة قد أخفقت ,فاشتد حقد قريش ,على الرسول صلى الله عليه و سلم فحاصروه هو وأهله في شعب طيلة ثلاث سنوات ,انقطع عنهم خلالها العون ,وقل الغذاء,حتى بلغ بهم الجهد أقصاه,و سمع بكاء أطفالهم من شدة الجوع , فاذن الله للرسول صلى الله عليه و سلم و للمؤمنين بالهجرة الكبرى إلى يثرب حيث يجدون الاستقرار و الأنصار على مواجهة أعداء الحق …فكانت الغزوة الكبرى الأولى في الإسلام ,غزوة بدر التي كانت حدا فاصلا بين عهدين عهد الكفاح السلمي ,و عهد الكفاح المسلح.

بدر

كانت غزوة بدر هذه نهاية و بداية:نهاية للجهاد السلمي ,جهاد الدعوة بالحجة, و البرهان ,و الصبر على الأذى , والاستعداد للحرب بالسيف و الحديد {و اعدوا لهم ما استطعتم من قوة …}و كانت بداية للاعتزاز و الشعور بالثقة و القوة …بداية جهاد دام عنيف , اقض مضاجع المشركين ,و قوى الأمل في نفوس المؤمنين …بداية عهد ذاق فيه المؤمن لذة النصر و الغلبة,و تجرع قيه الظالمون مرارة الهزيمة و الاندحار …كانت بدر …ثم كانت غزوات أخرى خاض غمارها رجال مؤمنون ,و نساء  مؤمنات وفي صبر صابر, و حزم حازم و اتحاد مرصوص ,يحدو بأولئك المجاهدين و المجاهدات رجاء الفوز بإحدى الحسنيين :الاستشهاد و لقاء الله في الجنة ,أو الحياة السعيدة في ظل العزة و الحرية و العدالة .فصمدوا لأعدائهم و أعداء الله يقاتلونهم حيثما وجدوهم ,بصبر ,وشجاعة , فأقبلت عليهم الانتصارات الحلوة الباهرة رغم قلتهم قي العدة و العدد , و دلك بفضل الإيمان الثابت و الخطط الحربية الحكيمة ,و الضربات البكر التي ينزلونها بالأعداء الجاحدين ,حتى كان يوم الفتح الأعظم …فتح مكة المكرمة ثم … فتح العالم .ففرح المؤمنين بنصر الله,وباء الأنجاس و المشركون –رغم كثرتهم عددا و مددا – بخزي و غضب من الله في الدنيا و الآخرة.

“المقاومة الجزائرية” العدد 2 – 12 ربيع الثاني 1376 ه – 15 نوفمبر 1956 م

“حقائق و أباطيل” للشيخ عبد الرحمان شيبان – الطبعة 2 –

2009

تغريدات الجمعية