الذكرى الأولى لوفاة الشيخ عبد الرحمن شيبان/ إعداد: آسية مجوري

حياة عامرة بالعلم والإصلاح

يغيب العظماء وتبقى آثارهم، هي مقولة تنطبق على المرحوم الشيخ عبد الرحمن شيبان الذي تمر اليوم أول ذكرى لوفاته. رحل الشيخ شيبان في مثل هذا اليوم تاركا وراءه سجلا حافلا بالعطاء والانجازات، فقد أفنى حياته خدمة للوطن ونشر الوعي والتعليم وتربية أجيال قادرة على بناء الجزائر والحفاظ على استقلالها. بدأ مسيرته معلما في معهد عبد الحميد بن باديس ثم مناضلا في جبهة التحرير الوطني وعاد بعد الاستقلال إلى مجال التربية والتعليم ولم يغادره إلا وزيرا للشؤون الدينية ليعود بعد خروجه من الوزارة إلى مجال التربية، وقد عرف الشيخ  بارتباطه الوثيق بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وغيرته على مبادئها وتأثره الكبير بفكر الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس ودفاعه الشرس عن الثلاثي الباديسي الإسلام والعروبة والجزائر وهو ما سجله التاريخ له في عدة مواقف كانت آخرها يوم حضرته الوفاة، فراح يوصي بجمعية العلماء خيرا معتبرا إياها مصدر السعادة والهناء للأمة جمعاء.

شيبان كما عرّفته الأيام

ولد الشيخ عبد الرحمن شيبان بتاريخ 23 فيفري 1918 في ولاية البويرة، نشأ في عائلة أرستقراطية مثالية في التحفظ والتقاليد، تعلم القرآن الكريم وتلقى مبادئ العربية والتوحيد والفقه بمسقط رأسه وبالزاوية السحنونية بالزواوة ثم انتقل إلى الدراسة بجامعة الزيتونة بتونس سنة 1938 وعمره لا يتجاوز 20 سنة ونال هناك شهادة التحصيل في العلوم سنة 1947، وفي سنة 1948 عينه رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أستاذا للبلاغة والأدب العربي بمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، وصنف سنة 1954 من بين أساتذة الطبقة الأولى بالمعهد بمستوى شهادة العالمية بقرار من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكان من الكتاب الدائمين قي جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء بتكليف من الإمام الإبراهيمي المدير المسؤول عن الجريدة، عرف بوطنيته وغيرته على بلده وكان من المجاهدين في المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني وعضو في لجنة الإعلام للجبهة ومشارك في تحرير جريدة المقاومة الجزائرية لسان حال جبهة وجيش التحرير الوطني.

وفي سنة 1962 انتخب عضوا في المجلس الوطني التأسيسي، كما كان من أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد دستور الجزائر وساهم رفقة مجموعة من النواب من أهل العلم والجهاد بجعل الإسلام دين الدولة والعربية اللغة الوطنية الرسمية، وعين فيما بعد مفتشا عاما للغة والأدب العربي والتربية الإسلامية في مؤسسات التعليم الثانوي الرسمي وصنف سنة 1964 في درجة حملة شهادة ليسانس طبقا لمرسوم رئاسي، وكان أيضا نائبا للمرحوم محمد البشير الإبراهيمي في رئاسة اللجنة الوزارية المكلفة بإدراج المعلمين والأساتذة الذين كانوا في التعليم العربي الإسلامي الحر، كما تولى رئاسة اللجنة الوطنية المكلفة بالبحث التربوي التطبيقي والتأليف المدرسي لمرحلة الإعدادية والثانوية بوزارة التربية الوطنية وأشرف آنذاك على تأليف نحو 20 كتابا في مختلف المجالات، تولى عدة مناصب أخرى منها عضو في المجلس الإسلامي الأعلى ووزيرا للشؤون الدينية لمدة ست سنوات ما بين 1980 و1986 تولى رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ سنة 1999 وشغل هذا المنصب حتى وفاته بتاريخ 12 أوت الموافق لـ 12 رمضان عن عمر يناهز 93 سنة تاركا عدة آثار.

قالوا عن الشيخ شيبان

* كمال أبو سنة (سكرتير التحرير في جريدة البصائر):

الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله كان واحدا من كبار علماء الجزائر الذين أفنو حياتهم خدمة للثلاثي الباديسي المشهور (الإسلام ديننا، العربية لغتنا والجزائر وطننا)، وأنا كنت كغيري من أبناء جيلي نعرف الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمة الله عليه مفتشا عاما في وزارة التربية من خلال الكتب المدرسية التي أشرف عليها، ثم من خلال ملتقيات الفكر الإسلامي التي كان ينظمها أيام وزارته للشؤون الدينية في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، ثم رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي ساهم في بعثها بالحظ الأوفر وكنت واحدا من المقربين الذين رافقوه سنوات في الحل والترحال.

ومن خلال مرافقتي للشيخ تعلمت منه حب الإسلام وحراسته من كل السهام التي يرميها به الخصوم حيث كان الشيخ جسورا في رد هذه السهام ولا يخشى في الله لومة لائم، كما كان من الذين أرسو القاعدة لنشر اللغة العربية في الجزائر قبل الاستقلال وبعده من خلال عمله كأستاذ للبلاغة في معهد عبد الحميد بن باديس ثم مفتشا في وزارة التربية الوطنية وساهم من خلال المقررات التربوية في نشر العربية، وكان الشيخ وطنيا من الدرجة الأولى لا يفرق بين الإسلام والوطنية بل يجمع بينهما وهذا ما ظهر من خلال مشاركته في الثورة بالمساهمة فيما يعرف بالجيش المدني وكان يكتب منافحا عن الثورة ومنافحا عن الجزائر ومهاجما للاستعمار إلى أن استرجعت الجزائر سيادتها.

وما أذكره من النشاط المتواصل للشيخ شيبان هو أن مكتبه كان عبارة عن خلية نشطة تبدأ حركتها الفعالة بوصول الشيخ إلى مقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صباحا وتنتهي بمغادرته مساء قافلا إلى بيته، ثم لا يلبث حتى يعاود الخروج منه لحضور أنشطة علمية وثقافية وسياسية، والمشاركة في المؤتمرات والندوات التي كان حريصا على أن يسمع فيها صوت جمعية العلماء، كما كان وفيا للفكر الباديسي، مؤمنا به إيمانا راسخا، ملما بتراث شيخه الإمام عبد الحميد بن باديس، بدليل أنه كان يحفظ عن ظهر قلب كثيرا من مقالاته بالجزء والصفحة ولهذا كان يأمل أن يسير شباب الجزائر على خطى الإمام.

وما عهدته أيضا عن الشيخ شيبان أنه كان صديقا لكل الأجيال لا سيما جيل الشباب الذي كان الأقرب إليه لذلك كنت أسميه دائما بصديق الشباب فهو لم يكن يجعل بينه وبين هذه الفئة حواجز كما يفعل الكثير من المشايخ للأسف، وكان هو نفسه يحمل روح شاب رغم أنه بلغ من العمر عتيا، وكان من أمهر من يستغل طاقة الشباب وقدراتهم في خدمة أهداف الجمعية والإسلام.

ولعل أكثر موقف أثر في هو موقفه الأخير حين مات وهو يوصي بجمعية العلماء خيرا طالبا من الجميع الحفاظ عليها كمؤسسة وكميراث فهو لم يوصي لأبنائه ولا لعائلته بشيء بل أوصى خيرا بجمعية العلماء فقط وهذا موقف من المواقف المشهورة للشيخ والتي لا يفعلها إلا الكبار.

* عبد الحميد عبدوس (مدير التحرير بجريدة البصائر):

سماحة الراحل الشيخ عبد الرحمن شيبان هو أحد أعلام الجزائر والأمة الإسلامية، ولعل ساعات طويلة من الحديث لن تكفينا لتعداد خصاله لأنه كان نجما في كل شيء من أيام الاستعمار حين كان مدرسا في معهد عبد الحميد بن باديس وعرف في ذلك الوقت لدى تلاميذه بأناقة ملبسه وأسلوبه وقدرته التبليغية في التدريس.

وأنا شخصيا عرفته خلال عملي الصحفي حيث أجريت معه لقاء حينما كنت رئيسا للقسم الثقافي بجريدة الشعب سنة 1986، كان كريما في معلوماته وتصرفاته معي، كما كانت لي معه مسيرة في جريدة البصائر عند تأسيسها في سنة 2000 وكنت أستفيد كثيرا من معلوماته وتجربته الغنية سواء في الحياة أو في الإعلام والثقافة إذ أنه كان من إطارات الإعلام في فترة الثورة حيث كان مسؤول الإعلام في تونس وليبيا وكان محررا في جريدة المقاومة لسان حال جبهة التحرير الوطني، كما كان معلما مباشرا لجيل من إطارات الجزائر في مجال التربية والإعلام ومعلما غير مباشر لأجيال درسوا في الثانويات على المنهاج والنصوص التي اقترحها الشيخ فيما يتعلق بأقسام الأدب العربي.

اتسم الشيخ أيضا بالديمقراطية مع العمال والمساعدين حيث يستشيرهم ويأخذ بآرائهم رغم أنه كان معتزا برأيه دائما لسعة معرفته وسعة تجربته، كما كان يستشيرنا دائما في السانحة التي يكتبها لجريدة البصائر قبل أن تنشر، حيث نناقشها في جلسة نستمتع بما فيها من طرفة وفكاهة وعلم، وكان سماحة الشيخ صورة مجسدة لتواصل الأجيال وتواصل الخلف بالسلف وباختصار فقد كان عالما أديبا وفقيها وذواقا للشعر وكل هذه الصفات جعلت منه ذلك الرجل الذي طبع مسيرة الجزائر المستقلة في ميادين السياسة والأدب والتربية والإعلام أيضا.

ومن خلال احتكاكي به طيلة سنوات لاحظت صرامته وقوته في الدفاع عن الإسلام، كان يغضب وينتفض لما يشعر بأن هناك استهانة أو مساس بمقدسات الإسلام، وقد دخل في كثير من الأحيان في مجادلات لهذا السبب، كما كان صارما في الدفاع عن جمعية العلماء المسلمين وعن تراثها، وكان لا يقبل المساس بتاريخ الثورة أو التشكيك في مدى وطنية وثورية ونضال شيوخ الجمعية، إلى جانب ذلك كان مدافعا صلبا عن اللغة العربية وعن المدرسة الجزائرية الأصيلة.

وفي الحقيقة ذكرياتي مع الشيخ شيبان كثيرة لأنه كان يعتبرني من أصدقائه المقربين ولعل أكثر موقف أثر في هو تصرفه معي في أول لقاء لي معه سنة 1986 كنت صحفيا ولا أزال شابا آنذاك، عندما أنهيت اللقاء شكرته وتأهبت لتوديعه فرأيت نوعا من الملامة في ملامحه فسألته إن كنت قد أخطأت في شيء فقال لي: “أنت لم تحترم الشيخ شيبان” فسألت: “كيف؟” فقال: “ليس هناك من يدخل بيت الشيخ شبان ويخرج بيده فارغة”، فأهداني مجموعة من الكتب القيمة، وهذا تصرف حقيقة أثر في لأنه كان أول لقاء لي معه، وأخيرا لا يسعني إلا أن أقول لك أن علاقتي بالشيخ شيبان لم تكن علاقة المسؤول بالعامل وإنما علاقتي به ميزها شعور أبوي كان يربطني به دائما، نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة وأن يجازيه خيرا على ما قدمه للعربية والإسلام والجزائر.

* زبير طوالبي (مسؤول التنظيم في جمعية العلماء المسلمين الجزائرييين):

الشيخ شيبان كان والدا وصديقا ومعلما وقبل أن يكون صديقا هو والدي الروحي، عرفت الشيخ عبد الرحمن شيبان منذ سنة 1953 عندما نجحت في شهادة التعليم الابتدائي وهي أولى شهادة ابتدائية نظمتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في القصبة، وانتقلت إلى الدراسة في معهد عبد الحميد بن باديس وهناك تعرفت على الشيخ الذي كان أستاذا في البلاغة والأدب العربي وتعلمت على يده ومن ذلك الوقت لم أفارقه إلا في الثورة حيث ذهب كل إلى سبيله فهو كان في تونس وأنا كنت في الجزائر، والتقيت به بعد الاستقلال وكان في ذلك الوقت مفتشا عاما في وزارة التربية الوطنية وأنا كنت معلما وطالبا في مركز التفتيش فكان هو أستاذي في مادة (تعزيز المادة) وبقيت دائما مع الشيخ عبد الرحمن شيبان اذهب إلى بيته ويتصل بي وهو من رسمني في المعهد التكنولوجي كأستاذ في السبعينات، وعندما كان وزيرا كذلك أنا أشهد أن الشيخ شيبان هو الذي بعثني أول مرة إلى الحج، وعندما كان رئيس لجنة المعلمين الأحرار (معلمي جمعية العلماء) هو الذي راعاني أيضا بأن كلفني بمهمة، وأذكر أيضا أنه راسلني عن طريق الشيخ عبد الرزاق قسوم ودعاني للانضمام إلى جمعية العلماء وعينني في الجمعية مكلفا بالتنظيم منذ سنة 2000 وبقيت في هذا المنصب إلى يومنا هذا.

وذكرياتي مع الشيخ شيبان ذكريات كثيرة وجميلة جدا ومن بين قصصي معه موقف  قصصته للإخوة في الجمعية من قبل أنه مرة لما كنت طالبا معهد بن باديس وكنت فقيرا آنذاك التقيت الشيخ شيبان مرة في وقت الغذاء فسألني إن كنت قد تناولت الغذاء فقلت نعم فقال لي: “أعلم أنك لم تتناول غذاءك بعد” وهو كان يعرف حالتي المادية فذهب إلى طباخ المعهد وأوصاه بأن يقدم لي وجبة الغذاء والعشاء مجانا على أن يدفع هو التكاليف في آخر الشهر.

وآخر ذكرياتي معه حين حضرته الوفاة وكنت حاضرا آنذاك، حين ذهبت لزيارته في المستشفى وحالما رآني أشار إلى ابنه بأن يعطيني ورقة وقلم وراح يملي علي كلمات تتعلق بجمعية العلماء ولازلت أحتفظ بتلك الورقة في بيتي حيث أوصاني بالحفاظ على جمعية العلماء قائلا: “جمعية العلماء هي التي أسسها عبد الحميد بن باديس وصحبه ونحن أخذنا المشعل منهم وعليكم أن تواصلوا العمل في جمعية العلماء وأن ترفعوها فإن عملتم في الجمعية فهي التي تضمن لكم السعادة لكم وللوطن كله…” إلى آخر الوصية، ومات رحمه الله وهو يوصيني بجمعية العلماء خيرا وأوصى الإخوة بنفس الوصية وقد قراناها أمام جثمانه حين دفناه في تازمالت في مسقط رأسه رحمه الله برحمته الواسعة وإن شاء الله تبقى ذكراه دائما ذكرى رجل طيب كافح من أجل وطنه وعمل من أجل العلم ومات وهو يوصي بالجمعية وأنتم نشؤنا تحملون المشعل من بعدنا ان شاء الله.

* د. سعيد شيبان (شقيق الشيخ عبد الرحمن شيبان):

كأنه لم يغب يوما، بقي حاضرا دائما في وعينا وفي ذاكرتنا، أذكر جيدا سنوات دراسته كتلميذ وكطالب كان يمضي جل وقته في طلب العلم وخدمة من يطلب الخدمة ولا نذكر له تصرفا غير منسجم مع هذا المحور الأساسي، كان مطيعا ودودا يخدم الأسرة كلها وأنا منهم، فخطواتي الأولى إلى المسجد في جبل شرفة كانت برفقة أخي عبد الرحمن حيث كنا نمشي معا قرابة الساعة للالتحاق بالمسجد صباحا ونعود مترافقين إلى البيت مساء بعد انتهاء الدروس وعندما انتقلت الأسرة من القرية التي كنا نقطنها كنت رفقة عبد الرحمن نضطر لقضاء ساعتين مشيا على الأقدام للالتحاق بالمسجد، وقد رافقني عبد الرحمن في الدراسة في المسجد العتيق طيلة ثلاث سنوات انتقلت أنا بعدها إلى الدراسة في المدرسة الأهلية الفرنسية، أما هو فقد تجاوز السن القانونية للدراسة في مثل هذه المدارس.

وخلال هذه المرحلة تتلمذت على يده، واستفدت منه كثيرا عندما كان طالبا في الزيتونة أيضا حيث كان ينقل لنا بعض المجلات والكتب في العطلة الصيفية والكثير من هذه الكتب كانت محظورة في الجزائر لكنه رحمه الله أبى إلا أن يأتي بها خفية وتواصلت علاقتي بعبد الرحمن وإن بعدت بيننا المسافات حين انتقلت للعيش في أوروبا ولكن رغم ذلك كانت الاتصالات بيننا مستمرة، وأثناء الثورة التحف بتونس سنة 1956 وأنا كنت في أوروبا ولم ترسلني جبهة التحرير إلى تونس إلا في 1961 وهناك التقيت به ولما استقلت الجزائر بقيت العلاقة بيننا وثيقة ولا أنسى ما استفدته من تجربته في وزارة الشؤون الدينية أيضا حيث تولى شؤون الوزارة لمدة ست سنوات وأنا استفدت كثيرا من تجربته حين عينت وزيرا على رأس هذه الوزارة، وأذكر أنه لم يبخل علي يوما بتوجيهاته لخدمة الأمة، أذكر له أيضا إيمانه وصبره واهتمامه الفريد بجمعية العلماء وبالبصائر وخاصة بالمولود الجديد  مجلة الشاب المسلم بالفرنسية التي سعا كثيرا للحصول على اعتمادها من طرف الإدارة طيلة سنتين إلى أن تحصل عليه.

 وإلى آخر عهده كان الأخ الحنون الواعي والعالم رحمه الله، أما فيما يتعلق بتعاملاته داخل العائلة فقد كان يملك أسلوبا فريدا لتسيير الأسرة، كان يتحلى باللطف في تعاملاته وكان يطبق طرقا تربوية ناجحة في تحقيق ما يجب أن يكون عليه أبناءه وبناته وكان على السواء يهتم بالجنسين من ذريته، وكل الأسرة تشهد له بلطفه وحسن معاملته ولا اذكر أن أحدا اشتكى لي يوما من تصرف غير لائق منه وكلهم يشيدون بأيديه البيضاء التي امتدت للجميع.

وأكثر ما أثر في هو سلوكه كمريض وأنا كطبيب لي هذه النظرة من التشخيص فرغم مرضه كان يسعى دائما للتخفيف من آلام من حوله بكل الوسائل رحمه الله.

 من مآثر الشيخ شيبان

  • سنة 1964 اقترح الشيخ عبد الرحمن شيبان على أحمد بن بلة الذي كان رئيسا للدولة آنذاك إجراء زيارة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي كان تحت الإقامة الجبرية، وجاء هذا الاقتراح عقب بيان 16 أفريل 1964 الذي سجل فيه الشيخ الإبراهيمي موقفه السلبي من السلطة يومئذ، وكان بن بلة معروفا بارتدائه للبدلة الزرقاء التي كان يرتديها الزعيم الاشتراكي ماوتسي تونغ إعجابا منه بالاشتراكية وقياداتها وكان الشيخ شيبان يعلم ذلك فاقترح عليه أن يغير هذه البدلة تلطفا بالشيخ البشير الإبراهيمي وحرصا منه على تفادي كل موقف من شأنه أن يعكر صفو الزيارة وذلك رغبة منه في تذليل العقبات والمشاكل التي كانت قائمة في ذلك الوقت بين السلطة وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونجع في إقناع الرئيس بتغيير ملبسه فاستطاع بذكائه وفطنته أن يجمع الضدين في وقت بلغ فيه التوتر مداه بين السلطة وجمعية العلماء التي لم يسمح لها بالعودة إلى النشاط بعد الاستقلال
  • من المواقف الشجاعة التي تحسب للشيخ عبد الرحمن شيبان أنه دخل في مواجهة مع السلطة وهو وزير في الحكومة، ففي سنة 1982 تعرض عدد من أبناء التيار الإسلامي إلى السجن ومن بين هؤلاء الشيخ أحمد سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني اللذان وضعا تحت الإقامة الجبرية، وهو ما لم يتقبله الشيخ شيبان الذي كان وزيرا للشؤون الدينية آنذاك، فراح يجري الاتصالات بشيوخ الدعوة في الجزائر ويحثهم على الاهتمام بالشيخين والدفاع عنهما، ومن بين من اهتم بالقضية الشيخ عمر العرباوي الذي ألقى خطبة الجمعة تحت عنوان (الشيخان) وحضر الشيخ شيبان الخطبة واقترب من الشيخ العرباوي عندما انتهي من إلقائها وشكره على اهتمامه وحثه على مواصلة العمل في نفس الخط.
  • ما يحسب للشيخ شيبان رحمه الله أيضا مواقفه القوية ومساندته لكل من يؤمن بصدقه وإخلاصه وقدرته على العمل لخدمة الوطن، ومن بين المواقف التي سجلها الشيخ في هذا الإطار مساندته للزعيم السابق لحركة مجتمع السلم محفوظ نحناح، ففي بداية الثمانينات خرج نحناح من السجن بعد أن حكم عليه في 1976 بالسجن لمدة 15 سنة، وبمجرد خروجه عمل الشيخ عبد الرحمن شيبان على إعادة إدماجه وإعادته إلى الساحة الدعوية، ورغم أن بعض الأطراف حذرته من مغبة مساعدة محفوظ نحناح إلا إنه لم يعر تلك التحذيرات اهتماما ومضى في مساعدة زعيم حمس ايمانا منه بصدقه  وإخلاصه في خدمة  الوطن، وروى الشيخ شيبان خلال حياته لأحد المقربين منه أن مسؤولا ساميا حذره من شخص محفوظ نحناح قائلا: “نحناح قنبلة موقوتة في قطاعك” فأجاب الشيخ: “أنا أفضل أن تنفجر القنبلة إلى جانبي وتحت رقابتي من أن تنفجر بعيدا عني” وهو جواب ينم عن حكمة وفطنة عهدها عنه كل من عرفه واحتك به.
  • كان الشيخ شيبان حريصا على الحفاظ على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونشر فكر مؤسسها عبد الحميد بن باديس لذلك فقد قام بطبع آثار المرحوم الإمام بن باديس، ورغم أن آثار الإمام بن باديس كانت قد طبعت في بداية الستينيات إلا أنه أصر على إعادة طباعتها مستدركا على الطبعة السابقة التي أشرف على نشرها الدكتور عمار طالبي بعض المقالات، وذلك بتشكيله لجنة كلفت بجمع آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ومراجعتها وتبويبها وتصنيفها حسب مجالاتها، كما ساهم في إعادة بعث جمعية العلماء المسلمين من جديد في ظل إصلاحات 1989م.

 

[ملف أعد لأخبار اليوم]

 

تغريدات الجمعية