ليلة القدر وفقه التغيير /د.عبد الحفيظ بورديم

يعرف أهل الملل ثقافاتهم بانتصاراتهم على غيرهم، ويعرف المسلمون إسلامهم بعطايا ربّهم لهم. والزمان في عرف أولئك فلك دوّار وجيش جرّار، وهو في منطق الإسلام اختيار واصطفاء، وحمد وثناء، وسعي بالخيرات وعطاء.
كان العرب موزّعين بين فرس اتّخذوا ملك الحيرة سخريّا، وبين روم اتّخذوا ملك الغساسنة تابعا خصيّا، وقريش مأسورون بالوثنية في أوهام القبيلة والعصبية، يغيرون إذا جاعوا ويثملون إذا شبعوا. يستعبدون رجالا كانوا أحرارا، ويستحيون نساء ثيّبات وأبكارا. ثمّ يزعمون أنّهم ولد إسماعيل (عليه السلام) وأنهم على ملّة إبراهيم(عليه السلام)، وأنّ فخرهم بالسّدانة والسقاية، وأنّ الله يحفظهم بالرعاية. كان مجتمعهم غاية في الحطّة ولم تكن أكبر من تلك السقطة.
وكان من بينهم فتى (صلى الله عليه وسلّم) أوسطهم نسبا وأكرمهم حسبا، يعظّم الحرمات ويؤدّي الأمانات، ويؤذيه أن يشمخ هبل ببطحاء بكّة، وأن تصغر عقول من جاور مكّة، وأن يطغى الإنسان على الإنسان، وأن يستعلي الكفر على الإيمان. فاعتزل قومه في غار حراء، يقلّب عينيه في السّماء. أما لهذا الفساد من انتهاء؟ أما آن للعالم أن يتغيّر، وللإنسان أن يتحرّر؟
كان (صلى الله عليه وسلّم) يفكّر في أسباب التغيير. وما يدفع الشرّ إلاّ ذو الخلق الكبير والفهم النحرير. وكلّ أولئك لا يصنعه البطل الفرد، بل تصنعه أمّة يؤيّدها الصّمد الفرد. وهذا سرّ تنزيل القرآن ليلة القدر، وسرّ جعلها خيرا من ألف شهر. هي بداية التغيير، وهي تحقيق التحرير. ومن أراد فقه سننها قرأ سورة المدّثر وآياتها.
لا يكون التغيير إلاّ بقيام وإنذار، وتكبير وإكبار، وتطهير للقلوب، وهجران للفواحش والذنوب، وترك المنّ والاستكثار، ووجوب الصبر والاصطبار.
ولو شئت لقلت إنّ قواعد التغيير هي عقيدة صحيحة وتزكية للأنفس صريحة ودعوة للغير فصيحة. ولا يكون الرجال مغيّرين حتّى يكونوا بأخلاق المدّثرين.
والناس –ويلي من خرافات الناس- يظنّونها في السماء بابا، ويحسبونها دعاء مستجابا، وكلّ يدعو لنفسه أو جماعته وينسى أنّه لأمّته.
فأنّى يستجاب لمن تفرّقوا بددا وصاروا  طرائق قددا، منهم السني والشيعي، ومنهم الزيدي والإمامي، ومنم السّلفي والإخواني والتبليغي، ومنهم الصوفي والقرآني، ومنهم…ومنهم…
ثمّ يحتفلون بليلة القدر، والعالم العربي مطيّة كالعير: العراق ممزّق الأوصال، ومصر مرمى النبال، والسودان متورّم الأنصال، والشام مسرح الاقتتال، وليبيا صريعة الأحقاد، وتونس مريضة بالحسّاد، والجزائر في عين الإرعاد، وفلسطين ذبيحة الأوغاد.
فهل لمن هذا شأنه أن تكون عزيزة أيّامه؟ ثمّ لا نستحيي من الله ونزعم أنّنا على منهج نبيّه.
فيا ربّ ليلة القدر اجعلها لأمّتي علوّ قدر وعودة إلى الذكر وتطهيرا للثوب وغفرانا للذنب، وصبرا لله أيّ صبر.

تغريدات الجمعية