مع الذكرى الأولى لوفاة الشيخ عبد الرحمن شيبان : لا تخشى ضيعة ما تركت لنا سدى..!

حَوْل كامل مرَّ سريعا على وفاة سماحة شيخنا عبد الرحمن شيبان –رحمه الله- رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي غاب عنا بجسده المبسوط، وبقيت علومه بيننا منشورة، وفضائله في المجالس مذكورة، ومآثره في سجل الخلود مسطورة…وما يخلفه المرء بعده من صالح الآثار، إعمار يزيد في الأعمار، وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي -رحمه الله- حين قال:

 

 

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلة ٌ له:

إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثواني
فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها

فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني 

لقد وضع سماحة شيخنا عبد الرحمن شيبان-رحمه الله- بفضل الله بصمته على جبين التاريخ فلا يُذكر الإسلام ودعوته إلا وسماحته معدود من العلماء العاملين والدعاة الوسطيين الذين قدموا له الكثير الذي لا ينكره إلا حاسد ألد الخصام أو ناكر للجميل من اللئام، وهو رافع هذا الشعار:”الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه“…لأنه تعلم من إمامه الشيخ عبد الحميد بن باديس أن: “الإسلام عقد اجتماعي عام فيه ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه، وقد دلت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام”.(الشهاب ج8/م13 أكتوبر 1937 ص 260).

وإذا ذُكرت العربية..لغة القرآن..إلا وهو معدود من خدامها الأوفياء لا الأدعياء، وجنودها الأقوياء لا الأرخياء، وفرسانها المشهود لهم بسحر البيان إذا خطبوا، وبلاغة السطور إذا كتبوا…فقد تعلم سماحته من إمامه الشيخ عبد الحميد بن باديس حب العربية التي قال فيها: “علينا أن نعرف تاريخنا ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود…ولا رابطة تربط ماضينا بحاضرنا الأغر، والمستقبل السعيد، إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المحروسة…

” إنها وحدها الرابطة بيننا وبين ماضينا، وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها نقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغر الميامين، أرواحهم بأرواحنا، وهي وحدها اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عما في القلب من عقائد وما في العقل من أفكار وما في النفس من آلام وآمال..

” إن هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم الدين وخدم العلم وخدم الإنسانية هو الذي نتحدث عن محاسنه منذ سنين، فليحقق الله أمانينا.”(إمام الجزائر ص 88).

وإذا ذُكرت الجزائر وما أدراك ما الجزائر إلا وهو معدود من الوطنيين المتميزين، والمتيمين بحبها وحب من يحبها، فرُزق برها، وأدى حقها، شابا في حكمة الشيوخ، وشيخا في حماسة الشباب، حتى توفاه الله في يوم من أحب الأيام إلى الله..هو يوم الجمعة..وفي شهر من أحب الشهور إلى الله..هو شهر الصيام والقيام.. وقد ناهز الرابعة والتسعين من عمره، ويا لها من خاتمة حسنة، نحسبها كذلك ولا نزكي على الله أحدا.. وقد تعلم سماحته الوطنية من الوطني الأكبر إمامه الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي قال في الجزائر: “…أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض علي تلك الروابط لأجله -كجزء منه- فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة، فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة، وكما أني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في حاجة إليه، إلى رجاله وإلى ماله، وإلى آلمه وآماله، وكذلك أجدني أعمل-إذا عملت- قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه، وهكذا.

هذا الاتصال المباشر أجده بيني وبين وطني الخاص في كل حال، وفي جميع الأعمال، وأحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لابد أن يجد لنفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة وهذا الاتصال.

نعم، إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطانا أخرى عزيزة علينا هي دائما منا على بال، ونحن فيما نعمل لوطننا الخاص، نعتقد أنه لابد أن نكون قد خدمناها، وأوصلنا إليها النفع والخير، عن طريق خدمتنا لوطننا الخاص…”. (آثار الإمام 4/112).

لقد مات سماحة شيخنا عبد الرحمن شيبان -رحمه- وقلبه معلق بخير جمعية أخرجت للناس..جمعية العلماء المسلمين الجزائريين..التي تربى في حضنها صغيرا، وخدمها بإخلاص كبير، وكان برئاستها بعد ذلك جديرا، وفي تسييرها رغم الصعاب قديرا..مات وآخر وصيته للأمة الجزائرية جمعاء وهو على فراش الموت يلفظ آخر أنفاسه أن حافظوا على جمعية العلماء المسلمين، وقد كان أمر استمرارها في عطائها الإصلاحي النهضوي يؤرقه حيا، إذ كان يخاف عليها السقوط والانقطاع، فيكون جهده وجهد غيره من رجالاتها قد ضاع..!

وأذكر أنني كنتُ معه في مكتبه ذات صباح قبل انعقاد مؤتمر الجمعية بأيام نتبادل أطراف الحديث وأحسستُ منه وجله الكبير على حاضر الجمعية ومستقبلها، فحاولت أن أُذهب عنه مخاوفه تلك بتعداد ما أنجزه مع إخوانه من العلماء من نجاحات محققة ظاهرة للأعين المبصرة رغم قلة الوسائل وكثرة التحديات، وتوسع لشُعب الجمعية في عهده عبر الوطن حتى كان تأسيسا آخر لا يقل عظمة عن التأسيس الأول أيام الزمرة المباركة، ابن باديس وصحبه، المؤسسة لصرح جمعية العلماء، فرد عليَّ بقوله وعلامات التأثر مرتسمة على صفحات وجهه: “اسمع يا شيخ كمال، أي عمل أو جهد بشري لا يمكن أن يوصف بالعظمة إلا إذا استمر خيره ونفعه ولم ينقطع بعد موت أصحابه، فإذا انقطع بعد موتهم ورحيلهم من هذه الحياة فَقَدَ تميزه وكان هذا أمارة على ضعف القواعد الموضوعة، وسوء التدبير، والفائز من أخلص عمله لله واستمر بعده”.

إن أجمل هدية يقدمها أبناء جمعية العلماء لشيخهم الراحل عبد الرحمن شيبان هي العمل بوصيته والمحافظة على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحت أي ظرف حتى لا ينقطع نفعها عن الناس وخيرها، وتستمر في جهادها الدعوي والتربوي والتعليمي والتوجيهي حتى تصل إلى الغاية وترفع الراية على جبل الانتصار باقتدار.

وإن جمعية العلماء المسلمين في عهدها الجديد –كما قال سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله  نفسه في خطاب المؤتمر الجامع – “عازمة ـ بحول الله ـ على بذل جهود أكبر في مستقبلها، في سبيل تحقيق رسالتها، وتقوية وسائل عملها، لمحاربة الآفات الاجتماعية، حتى يغدو مجتمعنا مجتمعا نظيفا قويا في دينه، في أخلاقه، في ثقافته، في علمه، في تقنيته، في كل عمل يعمله، وإننا لندعو شبابنا ليتعلم دينه على الوجه الصحيح، ويتكلم بلسانه المبين، ويتخلق بأخلاقه القويمة، ويجاهد من أجل امتلاك العلم والتقنية المعاصرة، فإن قوة الأمة اليوم ومكانتها بين الأمم، متوقف على نسبة ما تملكه من المعرفة والعلم، في عالمنا المعاصر”.

رحم الله شيخنا عبد الرحمن شيبان رحمة واسعة، وجزاه عنا وعن الإسلام والعربية والجزائر خير الجزاء، وتجاوز بعفوه ومغفرته وكرمه عن سيئاته المغمورة في بحار فضائله، وألحقنا به غير مغيرين ولا مبدلين، على الإسلام ثابتين وفي سبيله عاملين.آمين.

أ. كمال أبوسنة

(1) تعليق

  1. جمال

    بارك الله فيك استا ذنا كمال على هذه الو قفة التذكرية لفقيد الجزائر الشيخ عبد الر حمان شيبان ر حمه الله و هذا ما عهدناه عنك من و فا ئك عنك لو فائك لعلمائنا و مفكرين عبر صفحات جريدة البصائر الغراء و في عنمودك الر ائع" شاهد و مشهود"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية