الأستاذ محمد الهادي الحسني بقلم الدكتور عبد الحفيظ بورديم

يعرف القارئون في الجزائر مقالات الأستاذ (محمد الهادي الحسني) – منذ ما يزيد عن العقدين- فيعرفون صدق إشارته وجميل عبارته، كما يعرفون العذب الزلال من الماء، والطيب الحلال من الغذاء. وهو الذي ما انفكّ يلتقط المشاهد الصغيرة والصور المثيرة في حياة الجزائريين، فما كان منها معجبا أعلاه في الناس وذكره، وما كان بغيضا فضحه ونشره. ولا يزال ينوّع في أساليب البيان والبرهان حتى ينفذ إلى ما يبتغيه من مقاصد المقالة ويرتضيه. وربّما ارتضى أساليب السخرية حين لا يجد إلاّها خطابا رادعا. وهو في ذلك كلّه قبسة من حكمة ابن باديس وعزم الإبراهيمي ومنطق ابن نبي.
إنّ مقالاته تتجدّد فتشوق، وتتعدّد فتروق، ولكنها جميعها ترجع إلى أصول جامعة وقواعد مانعة، فهي انتماء صريح إلى الإسلام دينا والعربية لغة والجزائر وطنا. وكما تتفرّع الشجرة بالأغصان فتكون منها، فإن تلك الأصول تتفرّع إلى فروع تكون مثلها. وإنّ من تلك الفروع حبّه الذي لا يزول للحقّ وأهله  وبغضه الذي لا يلين للباطل وجنده. فمن ظنّه من أولي الأيدي والأبصار رفعه مكانا عليّا، ومن رآه بقية من اليد الحمراء وضعه في الدرك الأسفل، ونبذه قصيا.
إن الأستاذ (محمد الهادي الحسني)- مع قلّة من الكاتبين المقتدرين- قد حرّر المقالة الصحفية من لهو اللاهين وعبث العابثين، وردّ إليها بشاشتها وإشراقها حين ردّ إليها صفاء المعنى وبهاء المبنى، وحين أجرى فيها من بلاغة العربية وأسرار الأدبية، حتى صار علما من أعلام المقالة الجزائرية. تجلّت عنده أدبا راقيا في لفظها وشهادة عالية في مطلبها، وسياسة فائقة في تحليلها، وسخرية رائقة في حليتها. وقد تحقق له ذلك بفضل موهبة أصيلة وشجاعة حكيمة وقدرة مكينة ومعرفة رصينة وعزّة متينة.
لم أجد خيرا من وصفه بالمثقف الشاهد، لعلمي أنّ المثقف ليس هو المتعلّم المتدكتر- فأولئك كثيرون ولكن يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فلا يشهدون ولا يعتبرون- ولكنّ المثقف كما قال الإمام الإبراهيمي : “هو الرجل المهذب المستنير الفكر في الحكم على الأشياء، الجاري في تفكيره على قواعد المنطق، لا على أساس التخريف، المطّلع على ما يمكن من شؤون العالم وتاريخه، الملمّ بجانب من معارف عصره”، ثمّ إنّ الشهادة هي رسالة المسلم على العالمين يحمل إليهم من خيره ويطلع عليهم ببرّه، ويعلم من شأنهم مالا يعلمون. يقدّر حاجاتهم فيدلّهم عليها، ويعرف من أمراضهم فينصح لهم.
وكذلك هو الأستاذ (محمد الهادي الحسني) مثقف لأنه مهذب مستنير منطقي مطّلع عارف، وشاهد على عصره وحوادثه ورجاله وأفكاره، فيشير إلى النجم ويرجم من يجب فيه الرجم، من غير أن يطلب أجرا في الأولى ومن غير أن يتعتع أو يخاف في الثانية.
فطوبى له مثقفا شاهدا، وطوبى للجزائر به ابنا راشدا، وطوبى للعربية به أديبا مقتدرا، وطوبى للإسلام به داعيا مستبصرا.

تغريدات الجمعية