الأيام الأخيرة للثائر محمد العربي بن مهيدي /د.خالد بوهند

إن ما حدث للثائر “محمد العربي بن مهيدي” في الفترة ما بين 23 فبراير 1957 ، تاريخ إلقاء القبض عليه ، إلى 3-4 مارس من نفس السنة  ، تاريخ إعدامه ، هو في حقيقة الأمر درس من دروس نضال هذا الرجل ، الشاق والعسير من أجل الانعتاق والتحرر، كيف لا ، وهو الذي واجه لوحده الوحدة الثالثة للمظليين بقيادة “بيجار”

عندما ألقت عليه القبض ، لقد واجه لوحده العقيد “بيجار” وهو يحاول إحباط معنوياته ، وربما واجه الاستنطاق الذي يصاحبه التعذيب ، وفي النهاية التصفية .
لمعالجة هذا الموضوع  ، وقع اختيارنا على أربعة شهادات مهمة ، واحدة للجنرال “أوساريس” من خلال كتابه : “شهادتي حول التعذيب” ، والثانية للجنرال “ماسو” (Massu) من خلال كتابه : “معركة الجزائر الحقيقية” ، قابلناهما مع شهادة “ياسف سعدي” من خلال كتابه : “معركة الجزائر” ، وأخيرا شهادة “ظريفة بن مهيدي” الأخت الصغرى للشهيد ، وعلى هذا الأساس حاولنا معالجة موضوعنا وفق العناصر التالية : نبذة عن حياة الثائر العربي بن مهيدي ، وليلة إلقاء القبض عليه ، ثم الأيام الأخيرة لبن مهيدي في مركز قيادة العقيد بيجار ، وانتهاء بعملية إعدامه .
1-نبذة عن حياة العربي بن مهيدي
من مواليد سنة 1923 ، بدوار الكواشي بعين مليلة ، من عائلة فلاحية ميسورة الحال (1) . كانت عائلة “بن مهيدي تتكون من ثلاث بنات وولدين ، وكان العربي أكبرهم . واصل “العربي” دراسته في ريف عين مليلة لينتقل إلى الابتدائي ولكنه فجأة توقف عن الدراسة وتوجه إلى خاله في باتنة أين التحق بالكشافة الإسلامية وبرز فيها كرياضي ممتاز(2).
بدأ نشاطه كموظف إداري ، ليقتحم المجال السياسي ، حيث أصبح موظفا دائم في حزب الشعب الجزائري(3)  ،سجن “العربي” لأول مرة مدة شهرين في مظاهرات الثامن ماي 1945 حيث كان يتقدم المظاهرات حاملا العلم الجزائري مع أحد رفقائه .
ظل البيت العائلي مجمع يلتقي فيه بعض قادة الثورة التحريرية ، من بينهم “محمد بوضياف” و”ديدوش مراد” ، كما كانت تجمع ڊ “بن مهيدي” علاقات مع “مصطفى بن بولعيد” و”رابح بيطاط”(4) .
يعد “بن مهيدي” من الأعضاء الستة المفجرين لثورة 1 نوفمبر 1954 ، عين على المنطقة الخامسة ، وخلال مؤتمر الصومام (20 أوت 1956) ، عين “بن مهيدي” عضوا في لجنة التنسيق والتنفيذ (C.C.E) ، ليسلم قيادة منطقته ﻟ “عبد الحفيظ بوصوف”(5) .
ونظرا لنجاح مهمة “بن مهيدي” في القطاع الوهراني ، عين في مهمة أخرى ، وهي قيادة العمليات الفدائية بالجزائر(العاصمة) بالتنسيق مع “ياسف سعدي” قائد منطقة الجزائر الحرة(Z.O.A) . كان “بن مهيدي” وراء الإضراب العام المصادف لافتتاح دورة الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة في 28 يناير 1957(6) .
2-ليلة القبض على بن مهيدي
هناك اختلاف في تحديد تاريخ إلقاء القبض على الثائر “محمد العربي بن مهيدي” ، فالجنرال “أوساريس”(7) ذكر أن التاريخ كان في ليلة 15 إلى 16 فبراير 1957(8) ، شاطره الرأي أو نقل عنه الجنرال “ماسو”(9)   ، بينما يذكر “ياسف سعدي” أن التاريخ كان في 23 فبراير(10) .
ذكر الجنرال “أوساريس” : « لقد تحصلنا على عنوان بن مهيدي ، وتم تبعا لذلك إيقافه من طرف الوحدة الثالثة للمظليين التي يقودها العقيد “بيجار” ، تحت إشراف “جاك ألير” ضابط استعلامات هذه الوحدة . وبقيت هذه المعلومة المهمة سرا لمدة أسبوع كامل »(11) . ولكن كيف تمت عملية إلقاء القبض على “بن مهيدي” ؟ .
يؤكد “ياصف سعدي” في مذكراته ، أن “بن مهيدي” تم الإبلاغ عن مكان تواجده السري في المنزل الواقع بنهج كلود دوبوسي(Avenue Claude Debussy) ، وذلك عن طريق “بن شيكو” الذي تم توقيف سيارته من قبل حاجز لفرقة من الجنود الفرنسيين في الطريق الرابط بين  حي الأبيار وحي فري فالون(Frais Vallon) ، وبحوزته ملايين الفرنكات ، فاقتيد إلى مركز الشرطة ، ليتم استنطاقه عن طريق التعذيب ، فاعترف “بن شيكو” أن المبلغ المالي هو ليس ماله ولكنه كلف بإيصاله إلى شخص آخر يدعى “حميده”(شرقي إبراهيم) .
ألقي القبض على هذا الأخير بحي “سانت أوجان”(St. Eugène) حيث تأكد بأنه كان على علاقة مع لجنة التنسيق والتنفيذ وبأنه كان عميل اتصالات “محمد العربي بن مهيدي” خارج القصبة . وأثناء عملية استنطاقه بالتعذيب المستمر أباح عن عناوين سرية للثوار بما في ذلك المكان الذي كان يختبئ فيه “بن مهيدي”(12) وعلى هذا الأساس اعتبر هذا الحادث بالصيد الثمين بالنسبة للقوات الفرنسية ، التي لم تكن تتوقعه ، ليتم بعدها نقله إلى مركز القيادة للعقيد “بيجار”(Bigeard)(13) .
3-في مركز قيادة العقيد بيجار
من 23 فبراير إلى بداية شهر مارس 1957 ، بقي “بن مهيدي” وفي سرية تامة سجينا لدى العقيد “بيجار”(14) ، لقد طمأن “بيجار” سجينه وعامله باهتمام واحترام ، وطفقا الاثنان يتحدثان ليالي بأكملها وجها لوجه ، وهما يحتسيان القهوة ، كان “بيجار” يرى بأنه يجب استعمال “بن مهيدي” لأنه يمكن له أن يقنعه بذلك ، لم يتعرض “بن مهيدي” للتعذيب على الإطلاق في تلك الأيام ، الأمر الذي لم يعجب الآخرين ، ومن ضمنهم الجنرال “ماسو” ، والنقيب “أوساريس” ، هذا الأخير زار مركز القيادة رفقة مساعده “لونوار” قصد مقابلة “بن مهيدي” ، فتم إحضار زعيم جبهة التحرير الوطني .
كان “بيجار” يريد أن يظهر ﻟ “أوساريس” أنه يتحكم في الوضع جيدا ، وأنه فاز بثقة سجينه ، غير أنه بدا جد قلق ، فهو كان يعلم أنه يجب عليه إقناع “أوساريس”  بأن “بن مهيدي” يقبل التعاون مع فرنسا ، وهذا الأمر لم يكن معقولا لأن الأوامر صدرت بقتل قادة جبهة التحرير ، وأن “أوساريس” قدم من أجل ذلك .
ومع ذلك سأل “بيجار” سجينه : « قل لي بن مهيدي ، ما رأيك في وحدتي ؟ » . فأجاب “بن مهيدي” : « أعتقد أنها تعادل ثلاثمائة ألف رجل » . وقرر “بيجار” لعب الورقة الأخيرة فسأله : « هل لديك شعور ما بأنهم خانوك ؟» . فأجاب “بن مهيدي” :« ومن يخونني » . ورد “بيجار : « رفقاؤك في لجنة التنسيق والتنفيذ(15) ، فهم جميعا قبائليون وأنت عربي » . ففهم “بن مهيدي” أن “بيجار” يريد إنقاذ حياته ، فابتسم ابتسامة تأسف ، ثم قال : « لم يخني أحد حضرة العقيد » . وأراد “بيجار” مرة أخرى إنقاذ سجينه ، فقال : « ولماذا لا تعمل عندنا ..ألا ترى أن تقرُبك من فرنسا يخدم بلادك ؟ » . فرد “بن مهيدي” : « لا أظن ذلك » . فرد “بيجار” : « ظن ما تشاء ، أما أنا ، فإنني أؤمن بفرنسا الكبيرة »(16).
4-إعدام بن مهيدي
كان من المفروض تسليم السجين “العربي بن مهيدي” إلى الشرطة القضائية ، قصد محاكمته عن طريق القضاء ، لكن القيادة العسكرية الفرنسية بقيادة “ماسو” رفضت ذلك ، بحكم أن ذلك الأمر سيحدث صدى دوليا ، كما أن الشرطة القضائية التي ستلجأ إلى تعذيب “بن مهيدي” لاستنطاقه ، لن يجدي نفعا ، وإذا أجريت المحاكمة ولم يعترف “بن مهيدي” بشيء ، فانه سينجو حتما وجبهة التحرير من ورائه .
كان الجنرال “ماسو” قد تلقى الضوء الأخضر من الحكومة الفرنسية (فرنسوا متيران وزير العدل حافظ الأختام-ماكس لوجون وزير الحرب) ، فاختار النقيب “أوساريس” لتنفيذ الإعدام في حق “بن مهيدي” قائلا له : « تصرف كما ترى وافعل الأفضل ، وسأقوم بالتستر عليك » .
وفي ليلة الرابع من شهر مارس 1957 ، وبعد تحية الشرف الأخيرة التي حضي بها “بن مهيدي” من قبل فرقة المظليين التابعة للوحدة الثالثة بقيادة “بيجار” ، تسلم “أوساريس” السجين “بن مهيدي” ، ونقله إلى مزرعة منعزلة كانت وحدة النقيب “أوساريس” تقيم فيها ، على بعد أكثر من 20 كلم جنوب العاصمة ، فأدخل “بن مهيدي” غرفة مهيأة سلفا ، وقيد ، ثم شنق بطريقة تفتح المجال لاحتمال حدوث عملية انتحار ، وعندما تأكد ﻟ “أوساريس” موت “بن مهيدي” ، قام بإنزاله ونقله إلى المستشفى(17) .
بقي إشكال وهو هل تم خلال الأيام الأخيرة ﻟ “بن مهيدي” تعذيبه فعلا ؟ حسب شهادة “ظريفة بن مهيدي” ، فإن والدها ذهب لمقابلة العقيد “بيجار” ، فأعطاه رقم الصندوق الذي يوجد فيه جثمان “العربي” ، واشترط أن لا يفتح الصندوق ، وبعد الاستقلال أعطى الوالد رقم الصندوق للجهات المسئولة ، فتم نقل جثمان العربي بن مهيدي” إلى مربع الشهداء بمقبرة العالية ، والشهود الذين رؤوا جثة “العربي هم والده وزوج “ظريفة” “عبد الكريم حساني” وابن عمها  ورابح بيطاط وأصدقاء الشهيد ، حيث ذكروا بأنه كان ممددا وعلى وجهه ابتسامة عريضة ، وأن جسده لم يتآكل أو يتعفن ، وبقي كما هو رغم أن أطراف الصندوق تآكلت ، كما أكدوا أن آثار الرصاص والتعذيب كانت بادية على جسمه (18).

5-خلاصة
خلاصة القول أن هذه الدراسة المقتضبة عن الأيام الأخيرة للثائر “محمد العربي بن مهيدي” ،  بإمكانها أن تكون مثالا يحتذى به بالنسبة للأجيال المتعاقبة في الجزائر المستقلة ، في الالتزام بالقضية الوطنية والتضحية في سبيل هذا الوطن الغالي حتى آخر نفس ، كما يمكن أن تكون مثالا للأجيال “المتنورة” في فرنسا ، بعدم تكرار ما قام به الأسلاف ، لأن الاستعمار في نهاية الأمر يؤدي إلى الافلاس ،  إنه يولد الموت ، والكراهية ، والدوس على القوانين والأخلاق والقيم الإنسانية .
*الهوامش
(1)-Achour Cheurfi, La classe politique algérienne de 1900 à nos jours(Dictionnaire biographique).Casbah Editions, Alger,2001,P.91.
(2)-شهادة ظريفة بن مهيدي ، الواردة في مجلة الحدث العربي والدولي ، عدد 2 (خاص بالثورة الجزائرية) ، نوفمبر 2002 ، ص.56.
(3)-أورد الشهادة الجنرال “ماسو” نقلا عن الحوار الذي دار بين “بن مهيدي”والكولونيل “بيجار” . للمزيد من الاطلاع ، أنظر :
-General Massu, La vraie bataille d’Alger. Editions du Rocher, Paris, 1997, P.P.202-203.
(4)-شهادة ظريفة بن مهيدي ، المذكورة سابقا ، ص.ص.56-57.
(5)-Cheurfi, op.cit, P.92.
(6)-General Massu, op.cit, P.202.
(7)-ضابط برتبة نقيب خلال الثورة التحريرية .
(8)-الجنرال أوساريس ، شهادتي حول التعذيب (مصالح خاصة : الجزائر 1957-1959) .(ترجمة : مصطفى فرحات) . دار المعرفة ، الجزائر ، 2004 ، ص.132.
(9)-General Massu, op.cit, P.202.
(10)-Yacef Saadi, La Bataille d’Alger (L’Affrontement) .T.2.Casbah Editions, Alger, 1997, P.236.
(11)-الجنرال أوساريس ، المصدر السابق ، ص.132.
(12)-في حقيقة الأمر كان المنزل الذي اختبأ فيه “بن مهيدي” عبارة عن مكان سري مخصص لأعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ قصد تبادل الرسائل والبرقيات العاجلة . تلقى “بن مهيدي” برقية تدعوه إلى الالتحاء بالمنزل المذكور قصد التعرف على تاريخ وترتيبات التحاقه بالأعضاء الأخيرين في الخارج ، فتصادف ذلك مع حملة المطاردات التي قام بها المظليون بناء على المعلومات التي أدلى بها “حميده”(شرقي إبراهيم) .
(13)- Yacef Saadi,op.cit,P.P.235-239.
(14)-Ibid,P.241.
(15)-لجنة التنسيق والتنفيذ الأولى : عبان رمضان ، بن خدة بن يوسف ، بن مهيدي العربي ، كريم بلقاسم ، دحلب سعد .
(16)-الجنرال أوساريس ، المصدر السابق ، ص.ص.132-137.
(17)-نفس المصدر ، ص.ص.137-140.
(18)-شهادة ظريفة بن مهيدي ، المذكورة سابقا ، ص.57.

د.خالد بوهند/ قسم التاريخ:جامعة سيدي بلعباس

تغريدات الجمعية