في ذكرى محمّد المنصف /أ.محمد الهادي الحسني

القاعدة العامة هي أن ملوك العرب ورؤساءهم في التاريخ المعاصر فاسدون في أنفسهم مفسدون في أوطانهم، أذلّة في ذواتهم حيث يجعلهم تشبّثهم بعروشهم وكراسيهم يذلّون للقوى الأجنبية، ويفعلون ما تأمرهم به تلك القوى، وإذا اعترض معترض أذاقوه من العذاب أصنافا وألوانا.
ولكن هناك استثناءات تؤكد هذه القاعدة ولا تنسخها، فهناك ملوك ورؤساء صالحون في أنفسهم، مصلحون في بلدانهم، أعزة في ذواتهم، ساعون لإعزاز شعوبهم.

من هذا الصنف الأخير ملك عزيز كريم سعى سعيا صادقا لإعزاز وطنه وشعبه، ولكنه لا يسمع عنه، ولايذكر حتى في وطنه وبين شعبه إلا من قلة من الناس، لأن في ذكره والإشادة به إحراجا لمن جاء بعده إلى الحكم ولم يكونوا أهلا له لا من حيث الكفاية، ولا من حيث السلوك والأخلاق، ولا من حيث الحرص على كرامة شعبهم ومصالح وطنهم.

إن الملك الملك الذي أعنيه هو محمّد المنصف، ملك تونس، الذي لم يقتعد مقعد الملك إلا سنة وستة وثلاثين يوما، حيث تولى الملك في 19 جوان 1942 وخلعته فرنسا في 13 ماي من سنة 1943، وتوفاه الله في أول شهر سبتمبر من سنة 1948.

لقد أحيت تونس الشقيقة في يوم السبت الماضي تحت رعاية رئيسها الدكتور محمد المنصف المرزوقي، الذي لم يسرق الحكم ولم يزوّر الانتخاب، وبحضوره المتميز، حيث قدّم هو شخصيا الدكتور عبد الجليل التميمي الذي ألقى في القصر الجمهوري محاضرة عن هذا الملك العزيز الشريف؛ أقول أحيت تونس – لأول مرة – الذكرى الرابعة والستين لوفاة هذا الملك، الذي قد لا تكون طبيعية؛ بل هي أقرب إلى الجريمة منها إلى الموت الطبيعي، فقد توفي منفيا في مدينة پو (pau ) بفرنسا، تحت الإقامة الإجبارية.

ولد محمد المنصف في سنة 1881، وهي السنة الأكثر شؤما في تاريخ تونس المعاصر، حيث نكبت فيها باحتلال أخبث استعمار لها، وهو الاستعمار الفرنسي اللعين، وذلك بتوقيع “معاهدة الحماية” بين باي تونس محمد الصادق وممثل فرنسا الجنرال بريار في 12 ماي 1881…

لما بلغ محمد المنصف سنّ التمييز شاهد كيف يُهين الأراذل الفرنسيون والخونة التونسيون كرامة تونس ومقدساتها، ومن أبشع تلك الإهانات ذلك المؤتمر الصليبي المسمى “المؤتمر الإفخارستي” (❊) Croisade eucharistique الذي أقامته فرنسا الصليبية في تونس في سنة 1930 بأموال تونسية، وتحت رعاية “ملك” تونس أحمد باي “السامية”، وبحضور “شيخ الإسلام” (!!!).

ولما تولّى مُلك تونس في جوان 1942، عزم أن يغير ما يستطيع تغييره، “فقدم إلى المقيم الفرنسي العام برنامجا يحتوي على اثنتي عشرة نقطة…”(1) منها: تأسيس مجلس استشاري تشريعي يتمثل فيه العنصر التونسي تمثيلا لائقا، وتمكين التونسيين من جميع الوظائف، والتساوي في المرتبات والأجور، ومراجعة الإدارة وتنظيمها في النطاق التونسي، والتعليم الإجباري، وتعليم اللغة العربية إجباريا في جميع المعاهد…

وبمناسبة عيط الفطر (أكتوبر 1942) لاحظ محمد المنصف باي عدم وجود أي مسؤول تونسي في القصر لتقديم التهاني، كما لاحظ أن الحراس كلهم فرنسيون، فقدم ملاحظة بذلك للمقيم العام الفرنسي، الذي كان سيئ الطبع، خشن السلوك، بذيء القول متعجرفا، يذكرك بسيّئ السمعة پيار دوفال قنصل فرنسا في الجزائر: فقال للمنصف: “إنه لا يقدر غير الفرنسيين على مسك مناصب القيادة ( (2) ، وكم كنت أود لو صفع محمد المنصف ذلك الجلف تأديبا له؛ ولكنه اكتفى بإرسال برقية إلى المارشال پيتان – رئيس فرنسا الذي كان عبدا خادما لهتلر – يطلب منه سحب هذا المقيم العام.. وفي غرة شهر ديسمبر من سنة 1942 أمر بإطلاق سراح الوطنيين التونسيين الذين كانوا في السجون الفرنسية الرهيبة، ثم شكل حكومة في 13 ديسمبر من غير أن ينتظر موافقة الإدارة الفرنسية، فلم يوجد باي برهن بمثل ما برهن عليه المنصف من القوة والنجاح في التمسك باستقلاله (3)”. فتأكد الناس جميعا من انحيازه إلى شعبه وانتصاره لقادة الحركة الوطنية التونسية ومناضليها

استيقنت فرنسا أن محمد المنصف ليس كأحد من البايات الذين اتخذتهم سخريا، لأنهم كانوا كأغلب الملوك والرؤساء يعيشون نهارهم للإتشاء، وليلهم للانتشاء، وليس لهم لا همة ولا ذمة.

من أجل ذلك قررت فرنسا أن تدبّر مؤامرة خبيثة للتخلص من محمد المنصف، فاستغلت نزول قوات الحلفاء (الأمريكان والإنجليز) في شمال إفريقيا للإعداد للهجوم على إيطاليا، فاتّهمته – فرنسا – بالتعاون مع قوات المحور (ألمانيا وإيطاليا)، فـ”هجم البريطانيون على قصر حمام الأنف؛ وساقوا تحت حراسة قوية الملك – المنصف – إلى تونس (4)”، و”هيّئ الملف بصورة متعجّلة (5) “، ثم طلب الجنرال الفرنسي المجرم جيرو من محمد المنصف أن ينزل عن عرشه، ويتخلى عن ملكه، فلما رفض خلع بالقوة، ونقل بطائرة عسكرية إلى مدينة الأغواط، ثم إلى مدنية تنس (❊❊) ثم إلى مدينة پو (Pau) بفرنسا، حيث التحقت روحه الطاهرة بالباقية وغادرت الفانية، مسطرا تاريخا مجيدا، وذكرا عطيا، لأنه استبدل بعرش زائل عرشا في التاريخ دائما، حيث لم يعط دنيّة لا في دين ولا في وطن، بينما كان أكثر الملوك والأمراء والرؤساء – ومايزالون – كما قال الشاعر:

أرانب غير أنهم “ملوك” مفتحة عيونهم نيام

لقد كان آخر ما برهن به محمد المنصف على تعلق بوطنه، وانحيازه لقومه ووفائه لشعبه أنه “أوصى أن يدفن في مقبرة الجلاز” الشعبية وليس مع أمراء الأسرة الحاكمة، وقد علق الشيخ حمزة بوكوشة على هذه الوصية قائلا: وكأنّي به يريد إلقاء درس خالد على الملوك وعلى الرعية بهذه الوصية التي يستنتج منها أن الملك لا يكون ملكا إلا إذا استمد سلطته من الشعب، وأن كل سلطة لا تستمد من الشعب فهي عرضة للزوال وللاضمحلال، وأن سعادة الراعي لاتتم إلا بسعادة الرعية، وكيف يشعر ملك بسعادة رعيته وبينه وبينها أسوار من حديد ( (6) “.

لقد اهتزت الجزائر لموت محمد المنصف، وعبرت عن فخرها به وألمها لفقده عن طريق جمعيتها المعبرة عن آمالها وآلامها، فبعث الإمام الإبراهيمي برقية إلى آل محمد المنصف باسمه، وباسم الجمعية ومن ورائها الأمة الجزائرية أعرب فيها عن الأسف العميق للمصيبة، وبخالص التعزية، وكتب الشيخان أحمد توفيق المدني وحمزة بوكوشة مقالين مؤثرين في جريدة البصائر (عدد 48 وعدد 49)، وكتب الشيخ أحمد سحنون قصيدة جاء بها:

لقد عصفت الموت (بالمنصف

.

فما أنت – يا موت – بالمنصف

.

أتعصف بالذائين الحماة

.

وبالمستبدين لم تعصف؟

.

وتنسف ركنا سما للعلا

.

وأبنية البغي لم تنسف؟

.

أمنصف خطبك أوهي القوى

.

وأعيا البيان فلم يسعف

.

لقد كنت للشعب رمز الثبات

ورمز المفاداة للمقتفي

أتونس خطبك خطب الشمال

فلوذي بربّك لا تأسفي

.

وجرح الجزائر لم يشفه

تأس إذا كلّ جرح شفي

.

سينتقم الله ممن بغى

.

فما الله للوعد بالمخلف (7)

.

وأما المقال الذي خلّد محمد المنصف فهو ذلك المقال الذي دبّجه يراع الإمام الإبراهيمي بعدما أوحت به قريحة وقّادة وعاطفة صادقة، رغم ما كان يعانيه من مرض وألم، ومما جاء فيه: “لو مات المنصف بالأغواط لطافت الجزائر بجثمانه عدة أشواط، ولذهبت فيه مذهب العرب في ذات أنواط، ولغسلته بالعبرات المسفوحة، وكفّنته بألفاف القلوب، ودفنته في مستقرّ العقيدة والواجب من نفوسها.

ولو مات بتنس لتاهت فخرا على الثغور، وباهت بيوم موته أيامها في غابرات العصور… ولو مات بأية بقعة من أرض الجزائر لكانت هي تونس نضرة واخضرارا، ولاكتسبت الجزائر بجميع أقطارها شرفا ممّن مات ميتة الشرف فيها، ولقبست معاني من الفداء والتضحية بعد عهدها بمثلها، ولفغمتها نفحة ساطعة من عز الإمارة حرمتها الأنوف الشمّ من أبنائها منذ أيام عبد القادر، ولتسمعت نغمة ساحرة عطّلت آذانها منها من عهد عهيد…

إن موت العظماء حياة لأممهم، فإن كانت في الغربة زادت جلالا، فإن كانت نتيجة الظلم زادت جمالا، فإن كانت في سبيل الوطن كانت جمالا وجلالا، فإن صحبها سلب العز والملك كان حلية وكمالا، وكل ذلك اجتمع في موت المنصف…

عزاء الوطن المفجوع فيك يا منصف، وسلوى للقلوب المكلومة بموتك.. وجزاء تلقاه في هذه الدنيا طيب ذكر، وعند ربك ثمين ذخر، وهيهات أن تجزيك الجوازي من هذه الأمة التي نهجت لها نهج الكرامة، وشرعت لها سنن التضحية، ولقّنتها هذا الدرس السامي من الثبات والإباء والشّمم، وعلّمتها كيف تموت الأسود جوعا وظمأ، ولا تطعم الأذى، ولا ترد القذى” (جريدة البصائر ع 49، في 13 سبتمبر 1948. ص 1 و2).

فرحمة الله على محمد المنصف وعلى كل شريف كريم، ولعنة دائمة على كل خوّان أثيم.

.

هوامش:

(❊) عن المؤتمر الأفخارستي، انظر: أحمد خالد: شخصيات وتيارات. ص299 وما بعدها.

(1 – 2) شارل أندري جوليان: افريقيا الشمالية تسير.. ص 119.

(3) المرجع نفسه…ص 120.

(4) المرجع نفسه… ص 122.

(5) المرجع نفسه… ص 123.

(❊❊) يفترض في المسؤولين بمدنتي الأغواط وتنس أن يضعوا لوحتين على البنايتين اللتين أقام فيهما هذا الملك الشريف، إن كانوا للمعاني عارفين وللرجال مقدّرين..

(6) جريدة البصائر. ع 49 في 13 – 9 – 1948. ص8

(7) جريدة البصائر. ع 51 في 27 – 9 – 1948. ص6.

الشروق أونلاين/لخميس 6 سبتمبر 2012 ميلادي الموافق لـ 19 شوال 1433 هجري

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.