نحن.. والكشكول السياسي العربي

ما انفكت السماء السياسية في بلادنا العربية، تتلبد بالغيوم، وتثاقل بالمحن، وترعد فتمطر المآسي والفتن. إن الأحداث فيها تتسارع، وتتصادم، حتى إنها لتربك الراصد المحلل، بأيها يبدأ؟ وبأيها ينتهي؟

إن السياسة العربية في وقائعها، وتطوراتها، تسير على غير هدى، تحكمها الصدفة، ويستبد بها الانفعال، لأنها مزيج من الانفعالات، وخليط من التطورات، فهي أشبه بالكشكول، الذي قد يفرز الدماء، وقد يفرز الدموع، وقد يفترّ عن ضياء، ومصابيح وشموع.

احترت –والله- وأنا أتطلع في تأملاتي إلى سماء العرب، بدءا بالجزائر، وانتهاء ببلاد الشام ومأساة دمشق، وحماة، وحلب، في كل جزء من وطننا العربي، نازلة من الكرب، تحل في كل لحظة، تدنو وتقترب، ألا ويح العرب من هذه العواصف والسحب، التي حولت عيشهم إلى عيش ساخن مضطرب.

ومن أين أبدأ الحديث عن وطني العربي، وكل ما فيه، متمرد عن الوصف، ومتفرد بالقصف، والقذف، والعنف؟ لا أتحدث عن عراق الرفاق، فهناك احتدم الشقاق، وتفشى النفاق، وتعددت الرؤى، والسبل والأنفاق، ولا ندري –والله- إلى أي وجهة يساق، وكل ما يجري فيه مر المذاق؟

فها أتحدث عن الشام، وكل لحظة من لحظات سوريا، يطبعها الصدام، فتبعث إلى ضمائرنا، بمزيد من المآسي والآلام؟

إن يوما في دمشق، وحماة، وحلب، كعدة شهور العام، فالدمار حول الديار إلى خيام، والدماء تنهمر من كل شارع، ومن كل بيت كأنها سواقي الحمّام، ألا تبت يدا كل قاتل، وكل ساحل، وكل من انتظم في زمرة اللآم!

إن المأساة السورية لعنة تلاحق ضمير كل حبيب، وتهز مشاعر كل طبيب، وتعطل طاقة وإبداع كل شاعر أديب، فقد عجز عن حل عقدتها البعيد والقريب، والداني والغريب، ويتواصل الاضطراب، ويتعالى الانتحاب، ويتشرد الأصدقاء، والأعداء، والأحباب، والأنساب، ليفسح المجال لقانون الغاب، ومنطق الغراب، ولغة الثعالب والذئاب.

فكيف المخرج من هذا البحر العُباب، إننا نشكو ظلم الحاكم السوري لمواطنيه، وتعنت العالم الإمام ضد مريديه، ونشفق على المعذَّب الأعزل من سفاحيه وجلاديه، وإن كنا نؤمن بأن جحافل ليل سوريا، إذا آذنت بالرحيل، وأن الصبح قد لاحت بشائره، بعد هذا الليل الطويل، وأن النصر قد بانت طلائعه بعد البكاء والعويل، وعما قريب يحمد القوم السرى، ويتبين من بكى ممن تباكى.

هكذا –إذن- تبدو شاقة وعسيرة، نشرة أجواء السياسة في بلادنا العربية، فكل بلد يستأثر طقسه، بجو خاص من الحرارة والبرودة، وكل جو فيها ينذر بالضغط على الأعصاب، أو الاختناق من شدة الاضطراب، أو الانتحار من قوة الاكتئاب.

ولا نود أن نعرج، في هذا المجال على مصر الكنانة، فهي ترسل بخطابات الطمأنة والإبانة، تشق طريقها بكل وضوح وأمانة، بالرغم من عراقيل وعقبات أعداء الديانة، والحاملين لقابلية الذل والإهانة..نقول لحكام مصر الشقيقة، وقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في سمائهم، أن أثبتوا، واصبروا، وصابروا، فقد ظهر الحق وبان دليله، وطلع الصبح واتضح سبيله، وانكشف الباطل وانفضح عميله، وما بقي من عهد الاستبداد والظلم إلا قليله.

فإذا عرجنا على ليبيا، الجريحة، وهي تنهض من كبوتها، بعد معاناة “الطريحة”(1) على أيدي أزنام من يشبهون “الشبيحة”(2)، ها هي ليبيا تستعيد أنفاسها، وتسترجع أوجاسها من أركان النظام البائد، الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر، فبعد سيف الإسلام، جاء البغدادي، وبعدهما جاء السنوسي، والبقية تأتي.

إن استعادة هذه الملفات البشرية الحساسة، وما تحتويه من معلومات نادرة عن الداخل والخارج، ستكون عملات صعبة من شأنها أن تشرّح فتجرّد وتفضح السياسات العجاف التي حكمتها زمن الشدة، واستبدت بها أطول مدة.

وعن تونس ما بعد بن علي، فإنها، سائرة هي الأخرى –بخطى ثابتة وحثيثة- إلى الأمام، وبالرغم من نعيق الغربان التي أفلتت مؤقتا من أيدي العدل الشعبي، والقصاص الإلهي، وبالرغم –أيضا- من نقنقة بعض الضفادع الإسلامية، التي لا تزال تنقنق في ماء آسن، وتغرد خارج السرب، وما نذكر به إخواننا في تونس هو المثل القائل: “إن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة”.

أما خاتمة المطاف، في سماء بلادنا العربية فهي الجزائر، والحدث الذي طبع سماءها، متمثلا في التعديل الحكومي، إن هذا الحدث عند البعض، واللاحدث عند البعض الآخر، هذه الحكومة التي وصفها ملاحظون بأنها حكومة “الله غالب”، ووصفها آخرون بأنها أفضل الحكومات الممكنة كما يقول الفلاسفة، بالقياس إلى الاحتقان السائد، والغليان الزائد، إن هذا الحدث يتطلب وقفة تأملية خاصة بالأهمية التي يكتسيها، ولعل ما يمكن أن يخصص له حيزا آخر في علاماته، إن كان في العمر بقية، إن شاء الله.

الهوامش:

(1)           الطريحة باللهجة الجزائرية هي الضربات القاسية القوية المنفكة للحسم.

(2)           أزنام المخابرات السورية

تغريدات الجمعية