شهيد السين/ أ.محمد الهادي الحسني

كنت أقلب بعض أعداد مجلة العربي بحثا عن موضوع أهمّني فإذا بي أقرأ في العدد (617) أن هناك كتابا صدر عنوانه “فضاءات.. حروف متناثرة”.
لم يستوقفني عنوان الكتاب؛ ولكن الذي استوقفني هو إسم مؤلفه، وهو “محمد الجلواح” (1) من المملكة العربية السعودية.
وأما سبب توقفي عند هذا الإسم فهو أنه ذكرني بشاعر من شعراء الجزائر، ومناضل من مناضلي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في جهادها المرير المستميت في سبيل إسلام الجزائر ولسانها العربي، ووحدتها الوطنية، إنه الشاعر مبارك جلواح، الذي أطلق عليه وصف “شهيد السين”.
والسين هو نهر في فرنسا، يقسم مدنية باريس إلى قسمين، ويصب في بحر المانش.
قبل التعريف الموجز بهذا الشاعر أود أن أشير إلى ملاحظة أثارها في ذهني هذا الاشتراك في لقب كل من جلواح “الجزائري” وجلواح “السعودي”.. ممّا ينسف محاولات شياطين الإنس، الذين يسعون للتفريق بين أبناء هذه الأمة الواحدة باسم الجهوية، والعرقية من دعاوي الجاهلية.
في بداية التسعينيات من القرن الماضي كان يوجد هنا في الجزائر ملحق ثقافي في السفارة الكويتية، وقد كتب سلسلة من المقاولات نشرها في جريدة “السلام” ذكر فيها أنه لاحظ انقطاع أخبار بعض القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، والعراق، والشام (الأردن، فلسطين، سوريا، لبنان)، ومصر، فظن أنها صارت من “العرب العاربة”، ولكنه دُهش عندما جاء إلى الجزائر للعمل في سفارة بلاده فوجد تلك القبائل مستوطنة في الجزائر منذ قرون.. وقد وعد ذلك الملحق الثقافي أنه سينشر أسماء هذه القبائل وما يتعلق بها في كتاب، ولست أدري إن فعل ذلك أم لم يفعل، ويا ليته يكون قد نشره، ففي ذلك لطمة لمن يفرقون بين الأخ وأخيه..

قد ذكرني هذا الاشتراك اللفظي في ألقاب الأشخاص اشتراكا لفظيا في أسماء الأماكن، فهناك المنصورة في الجزائر وفي مصر، وطرابلس في ليبيا وفي لبنان، والبليدة في الجزائر وفي المغرب، والفلوجة في العراق وفي فلسطين، وقد كتب في هذا الموضوع أحد المهتمين كتابا سماه “المشترك وضعا، المختلف صقعا”.

وأعود إلى شاعرنا مبارك جلواح الذي لا نملك – للأسف – معلومات كثيرة عنه، شأنه في ذلك شأن كثير من أدبائنا.

تعود أصول هذا الشاعر إلى أولاد ماضي بنواحي المسيلة، ولكن أسلافه تديّروا “قلعة بني عباس” في منطقة زواوة. وقلعة بني عباس من المناطق التي أشربت حب الإصلاح، وأنجبت كثيرا من دعاة الإصلاح، حتى إن الإمام ابن باديس رائد الإصلاح وقائد المصلحين سماها “قلعة الإصلاح”.

ولد جلواح في 1908 أو 1909، وحفظ القرآن الكريم، فالمنطقة مشهورة بإتقان حفظه، وكثرة حفّاظه، حتى ضرب بها المثل في جودة حفظ القرآن الكريم فقيل: “حفظ زواوي، وتجويد شاوي”، وتعلم مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية على يد والده الذي كان أحد تلاميذ الشيخ عبد القادر المجاوي. (عبد الله ركيبي: جلواح. ص 82).

استدعي للخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، فقضى بضعة أشهر في مدينة سطيف، ثم نقل إلى المغرب الأقصى، حيث عين عند أحد الضباط المغاربة، وكانت له مكتبة، وجد فيها جلواح بغيته في إشباع رغبته في القراءة..

وبعد عودته من الخدمة العسكرية اتصل بالإمام ابن باديس فنفخ فيه من روحه، وقبض هذا قبضة من أثر الإمام، تجلت – فيما بعد- بوضوح في أعماله وأشعاره الإصلاحية الوطنية.

في منتصف الثلاثينيات فتحت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين جبهة جهاد فكري، علمي في أرض فرنسا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أولئك المغتربين الجزائريين الذين كانوا معرّضين للانحرافات الأخلاقية، وكانوا هدفا للصوص العقول والقلوب من المنصرين، ومن تجار السياسة كالحزب الشيوعي خاصة.

كان قائد تلك الجبهة هو الفضيل الورتلاني، الذي كان ذا عزم قوي، وحزم شديد، وعمل كثير، وقد أوجز الإمام الإبراهيمي وصفه فقال إنه “جيش لا رجل”.

وكان من مساعدي الفضيل في تلك الجبهة كل من سعيد صالحي، ومحمد الصالح ابن عتيق، وحمزة بوكوشة، وسعيد البيباني، ومحمد الزاهي، ومبارك جلواح… وقد كان لهم جميعا أثر يذكر فيشكر في نشر الوعي الإسلامي، وتعليم اللغة العربية، وفتح النوادي الثقافية، حتى قيل إن المرء ليخيّل إليه بسبب ذلك النشاط الكثيف والنوعي أنه في إحدى عواصم المشرق العربي…

ضاقت فرنسا بذلك النشاط، فأرادت أن تبطش بقائده ومحركه الفضيل الورتلاني، فنجاه الله منها إلى مصر، فتولى جلواح “رئاسة جمعية التهذيب (2)”، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان جلواح ممن أعيد تجنيدهم، فتوقف النشاط إلى حين..

وعندما سرّح من التجنيد “اختار المقام لأسباب (❊).. في مكان بعيد عن باريس، في إحدى القرى الصغيرة بالريف (3)”.

وفي سنة 1943 “اجتمعنا – أحمد ابن عاشور وجلواح – مرة ثانية واتفقنا على أن نبذل قصارى الجهد لفتح نوادي التهذيب من جديد (4)”. ولكن بعد يومين أو ثلاثة أيام من هذا الاجتماع وُجد جلواح “جثة طافية على لجج نهر السين (5)”…

لقد طرحت ثلاث فرضيات عن سبب موته:

❊ الانتحار، خاصة أن جلواح كان ذا نزعة تشاؤمية، ولكن هذا التشاؤم لا يراه بعض المهتمين مستحوذا على الشاعر إلى درجة الإغلاق، خاصة أنه حافظ لكتاب الله، ملتزم بالإسلام، عارف بجرمة الانتحار..

❊ اغتياله من طرف العناصر التابعة للمقاومة الفرنسية، أو من بعض العناصر اليهودية، لما عرف عنه من “شديد التعصب لهتلر”، وربما أحس جلواح بأنه مستهدف من جهة ما “فاختار المقام لأسباب (❊)… في مكان بعيد عن باريس، في إحدى القرى الصغيرة بالريف”، وإن كان موته “انتحارا” وليس “اغتيالا” فقد كان في وسعه أن ينتحر حيث يقيم خارج باريس.

❊ اتهام قدور ابن غبريط، مدير مسجد باريس بالتحريض على اغتياله، وهو أحد خدّام فرنسا الأوفياء، وأحد أعداء الحركة الإصلاحية الألداء، حيث “يقال إنه دسّ للشاعر، وأوغر صدر الإدارة الفرنسية عليه، فاغتالته وتآمرت عليه (6)”.

كان جلواح ممن حضروا حفل ختم الإمام ابن باديس لتفسير القرآن الكريم في صائفة 1938، وقد ألقى فيه قصيدة، وعندما نشرها الإمام الإبراهيمي في العدد الخاص بهذه المناسبة من الشهاب صدّرها بهذا التقديم:

“الأستاذ مبارك جلواح شاعر وجداني رقيق، له نبرات مشجية في التفنن بمحاسن اللغة العربية، ومفاخر السلف الأمجاد، تغمره روح جزائرية قومية، مكن لها في نفسه نقاء النشأة والتربية وزكاء العرق والقبيل… ولو أنه ملك زمام القواعد، وراض نفسه على إجادة السبك بممارسة كلام الفحول لكان منه للجزائر شاعر أي شاعر (7)”. ومما جاء في هذه القصيدة:

حيّ بدرا بأفق “سيرتا” تلالا

يكسب الأرض والسماء جمالا

حيّ عني حياله هالة قد

ألبسته مهابة وجلالا

ذاك عبد الحميد سيد من أحـ…

…يا الهدى بيننا وأردى الضلالا

واحمد لله أيها الشعب أن أط

لع باديس في سماك هلالا

واسأل الله أن يطيل بقاءه

لحمانا، وديننا، رئبالا

رحم الله مبارج جلواح، وتقبله بقبول حسن.

——–

1) وجدت بعد كتابة هذه الكلمة أن هذا الكاتب زار الجزائر، واتصل بأسرة جلواح، وكتب مقالا عن ذلك ونشره في مجلة العربي (ع 583 – جوان 2007.. وتساءل إن كان جلواح من آلنا؟ وقد وعد أن ينشر كتابا عن جلواح.. 2 – 3 – 4 – 5) جريدة البصائر. ع 65، في 31 جانفي 1949. ص6.

❊) هذه النقاط من الأصل مما يطرح سؤالا إن كانت هناك معلومة تحفّظ كاتب المقال – وهو أحمد ابن عاشور – عن ذكراها. (؟) وقد عرفت الشيخ أحمد ابن عاشور ولكنه لم يحدثني عنه، ولم أسأله لأنني لم أكن أعلم أنه يعرفه.

6) عبد الله ركيبي: الشاعر جلواح… ص 96.

7) مجلة الشهاب: ج 4، مجلد 14. جوان – جويلية 1938.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.