استفزاز مدبر، إساءة لا تغتفر!/ بقلم عبد الحميد عبدوس

مرة أخرى أبى شياطين الإنس إلا أن يشعلوا نار الفتن الدينية، ويأججوا الأحقاد التاريخية، ويقفوا هازلين مغتبطين ليتفرجوا على انتشار اللهيب الذي أشعلوه، وهول الغضب الذي فجروه، ونزف الجراح التي فتحوها، وسيل الدماء التي تسببوا في إراقتها، وهم مطمئنون إلى أن حصن حرية التعبير الذي فصلته القوانين الغربية، عندما يتعلق الأمر بالإساءة إلى دين ما يقارب المليار ونصف المليار من المسلمين، سيحميهم من المحاسبة والعقاب مهما أفرطوا في الإهانة، وبالغوا  في الاستفزاز، وتوغلوا في التجريح، والتحقير، والتدنيس لمقدسات أمة وحضارة بكاملها!

لقد بلغ السفه والحقد بمخرج الفيلم الذي سمته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، وصحيفة “يديعوت احرونوت” الإسرائيلية سام باسيل وقالتا إنه يهودي أمريكي، إلى حد وصف الإسلام –خاتم الأديان السماوية- بأنه “سرطان” وقال بأن فيلمه “يساعد وطنه الأم (أمريكا) عبر فضحه عيوب الإسلام للعالم”،وتفاخر بأنه جمع خمسة ملايين دولار من مائة يهودي لتمويل الفيلم. وصرح يوم الجمعة الماضي للإذاعة الأمريكية (راديو سوا) بأنه ” غير نادم” على إنتاج فيلمه المسيء للرسول الكريم وللأمة الإسلامية،وقد كشفت المحطة الإذاعية الأمريكية التي أجرت حوارا معه بواسطة الاتصال الهاتفي  أن اسمه الحقيقي هو نيكولا باسيل وأنه قبطي مصري يعيش في أمريكا. ووصف المتظاهرين المحتجين على فيلمه الفحش المنحط بأنهم “مجموعة من الغوغاء والحرامية”!

أما القس الإنجيلي الأمريكي المتطرف تيري جونز، والذي أقدم في شهر مارس 2011 بكل حرية- في بلد الديمقراطية الأمريكية-، على حرق نسخ من المصحف الشريف للتعبير عن كراهيته للإسلام والمسلمين، وسمحت له السلطات الأمريكية بعد ذلك في سنة 2012 بتنظيم مظاهرة للمطالبة بطرد المسلمين من أمريكا، فقد قدم دعمه للفيلم المسيء للرسول الكريم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقال عن الفيلم: “إنه إنتاج أمريكي لا يهدف إلى مهاجمة المسلمين، ولكن إلى إظهار العقيدة المدمرة للإسلام”.

وكل هذه السفاهة الفكرية، والدناءة الأخلاقية، والحقارة العنصرية ضد المسلمين تتم في الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار ما يسمى “باليوم العالمي لمحاكمة رسول الإسلام” الذي نظمه الأقباط المصريون المقيمون في أمريكا، بمناسبة الذكرى الحادية عشر لأحداث 11 سبتمبر 2001.

هل كان يمكن باسم حرية التعبير أن يسمح لمخرج سينمائي أن ينتج في أمريكا فيلما، يمجد الزعيم النازي أدولف هتلر، ويشيد بجرائمه في إبادة اليهود؟!

إن أمريكا لم تحتمل أن تفتح الفضاء الإعلامي للآراء التي تبثها قناة “المنار” اللبنانية، ومنعت بثها في الولايات المتحدة، فكيف اتسع صدر أمريكا، بمبرر حرية التعبير إنتاج فيلم يتطاول على شخص الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ويسخر من الصحابة الكرام عليهم رضوان الله، ويقدح بأحط الأساليب وأقذر الأكاذيب في ديانة أمة كاملة؟! صحيح أن كاتبة الدولة الأمريكية هيلاري كلينتون صرحت أن أمريكا لا علاقة لها بفيلم (براءة المسلمين) الذي وصفته ب”المثير للاشمئزاز” ولكن إصًرار المجرم باسيل على عدم التراجع عن إساءته البالغة للأمة الإسلامية وتصريحه بأنه سيعرض الفيلم كاملا ،ويوحي بأنه مطمئن إلى أنه سيبقى آمنا في أمريكا وفوق مستوى العقاب على فعلته الشنيعة!؟

إن الآثار المأساوية المترتبة عن هذا العمل العدواني والاستفزازي، والتي أدت إلى حد قتل دبلوماسيين أمريكيين، منهم السفير الأمريكي في ليبيا كريس ستيفنز، وأريقت بسببه دماء مئات المتظاهرين في مختلف عواصم العالم العربي والإسلامي بين قتيل وجريح، يتحمل النصيب الأكبر من تبعاتها أولئك الذين أنتجوا وشاركوا ودعموا فيلم “براءة المسلمين” أو “محاكمة رسول الإسلام”، الذي بثت مقاطع منه على موقع يوتيوب تحت عناوين مختلفة، ويبدو أن الممثلين في الفيلم الذين فاق عدهم الخمسين ممثلا وممثلة، تبرؤوا في بيان نشره موقع (العربية نت) من الفيلم ومخرجه، وأكدوا أنه خدعهم وضللهم بعد تركيب الفيلم ودبلجته بعبارات تسيء لرسول الإسلام، مما غير معنى القصة التي صورت في البداية داخل كنيسة باسم “محاربو الصحراء”، وقالت ممثلة في الفيلم أن أحداث الفيلم كانت تدور في الأصل قبل حوالي ألفي سنة في زمن المسيح.

لقد تهاطلت موجة من الاستنكارات والإدانات من أمريكا، وأوروبا، وبقاع أخرى من العالم بعد انتشار خبر مقتل السفير الأمريكي بليبيا، وثلاثة من العاملين بالقنصلية الأمريكية، ولا يمكن تبرير قتل الدبلوماسيين ، ولا مشكل في إدانة العنف والتنديد بإزهاق الأرواح البشرية، ومما لا شك فيه أن ما وقع للقنصلية الأمريكية ببنغازي بليبيا قد أثار صدمة كبيرة، وهو عمل غير مقبول لا سياسيا ولا دينيا.

لقد طالب مسؤولو الإدارة الأمريكية من باراك أوباما، إلى هيلاري كلينتون، ومسؤولو البرلمان الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، والرئيس الفرنسي،بالقبض على منفذي الاعتداء وقتل الدبلوماسيين الأمريكيين ومحاكمتهم.

وسارع المرشح الجمهوري ميت رومني إلى المزايدة على رد فعل الإدارة الأمريكية، وتوظيف الأحداث الماساوية كورقة سياسية في حملته الانتخابية.

ولكن المشين في الأمر أن الموقف الغربي لم يكترث في البداية للمساس بمقدسات المسلمين، وإهانة رسولهم وجرح مشاعرهم، ولم يتحول الفيلم المسيء للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتداعياته المأساوية إلى فضيحة تشغل الرأي العام العالمي، إلا بعد الهجوم المؤسف على المقرات الدبلوماسية الأمريكية، ومقتل السفير الأمريكي في ليبيا وأعوانه الثلاثة.

ولولا ذلك لبقي إنتاج وعرض فيلم “براءة المسلمين” المسيء لرسول الإسلام مجرد حلقة في مسلسل الإهانات والإساءات المتكررة ضد مشاعر المسلمين وعقيدتهم ومقدساتهم الدينية، التي قام بها أمريكيون مثل إلقاء نسخ من القرآن الكريم في المراحيض، وحرق نسخ منه، وسب الإسلام ورسول الإسلام في القنوات التلفزيونية مثل فوكس نيوز، وإنتاج الأفلام والمسلسلات العنصرية والمسيئة للمسلمين ورموزهم الدينية في هوليوود. وتدريس كلية عسكرية لطلابها برنامج قتالي عن تدمير مكة المكرمة والمدينة المنورة بقنابل نووية!! ومعارضة الإدارة الأمريكية طلب الدول الإسلامية إصدار قانون أممي يجرم الإساءة إلى المقدسات الدينية.

وللحقيقة فقد كانت الكنائس المصرية القبطية والكاثوليكية والبروتستانتية سباقة إلى إدانة العمل المسيء للرسول الكريم، والتنديد بما أقدم عليه بعض الأقباط المهاجرين في أمريكا، من أمثال موريس صادق، وعصمت زقلمة، وحتى المخرج خالد يوسف المعروف بخلافه الإيديولوجي مع التيار الإسلامي، كتب يقول عن فيلم “براءة المسلمين”: “لقد شاهدت ما أطلقوا عليه فيلما مسيء لرسولنا الكريم لم أجد فيه إلا حالة من الحقد الأسود، واحتقار نادر للإسلام، لا يصدر إلا من مختل”.

من اللطف الرباني أن الله تبارك وتعالى قد أحبط كيد عصابة الشر والحقد التي أنتجت الفيلم، وعملت على ترويجه، فقد أصبح مخرج ومنتج الفيلم سام بازيل،أو نيكولا باسيل، يختبئ مثل الجرذان خوفا وكمدا من فيلمه الحقير الذي لم يجلب له سوى العار والمهانة، ولعنة الله وملائكته، وغضب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإدانة المسيحيين الشرفاء، واليهود العقلاء، ولم يزد فيلمه المسلمين إلا توحدا وتعظيما لرسولهم أفضل الخلق، وناصر الحق، والذي وصفه ربه عز وجل بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم/4)

وقال الله تبارك وتعالى لرسوله الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، منذ أن أكرمه بالوحي:  ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ (الفرقان/31)

وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل في الآية 3 من سورة الكوثر{ إن شانئك هو الأبتر} فقد كان ومازال وسيظل إلى يوم الدين، شائنو الرسول الكريم، في الأذلين مقطوعين من رحمة الله تعالى، منبوذين من الناس، ومخذولين حتى من أهلهم وأقاربهم.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.