شهادات علمية في المزاد/الأستاذ: قدور قرناش

مع بداية الدخول الجامعي الجديد، والتحاق آلاف الطلبة والأساتذة بمدرجات الجامعة في مشهد يوحي مظهره  بأنّ البلاد قد توجّه أبناؤها إلى أهم ما تهتم به جميع أمم الدنيا، وهو العلم لما له من فضل كبير في بناء الحضارات وتحريك عجلة التنميّة ولذا قال الشاعر:
العلم يبني بيوتًا لا عماد لها * والجهل يهدم بيوت العزّ والشّرف.
قلت مع بداية كل موسم جامعي جديد يكثر الحديث عن الأعداد الهائلة من أفواج الطلبة الملتحقين بالجامعة، ومعه أيضًا يكثر الحديث عن الامتيازات الواجب توفيرها للأستاذ الجامعي من سكن ورفع للأجر ومنحة للخارج، وغيرها ممّا هو حقٌّ مشروع لمن يفترض فيهم أنهم نخبة الأمة وعقولها المدّبرة.
وموازاة مع العدد الهائل من الطلبة الذين ضاقت بهم مدرجات الجامعة تطالعنا الإحصائيات السنوية بتزايد عدد الحاصلين على الشهادات العليا من أساتذة الجامعات، وما أكثرهم، إذ لا يخلو حيّ من أحياء الجمهورية كلها من واحد على الأقل ممّن لهم شهادة عليا، والعدد الهائل من أصحاب الشهادات العليا كافٍ لتغيير واقع الأمّة إلى ما هو أفضل.
لكن دعوني أقولها لها لكم، وبكل مرارة أن الواقع عكس المبتغى تماما – إلا ما رحم ربّي – إذ صار العديد من حملة الشهادات العليا عبئا على الأمّة، فتدكتر كثير منهم لأكل الخبز والمشي في الأسواق، إذ لا أثر للعديد من الدكاترة حتى في أحيائهم، ولست مبالغًا إن قلت حتى في أسرهم وبين ذويهم فالأصل أن يكون هؤلاء في مقدّمة كل خير يُراد للأمة، بل المطلوب أن يكون لهم ذكر ويكونون قدوة في أعمالهم وسلوكاتهم إلاّ أن العديد من دكاترة الخبز صاروا مثلا سيئا بين الناس في كل شيء، واستأثروا بخدمة ذواتهم ولا يهمّهم أمر الأمّة ولعمري تلك هي مصيبة المصائب كلها.
إنّ هؤلاء الذين أعينيهم عن خدمة الأمة تقاعسوا، وإذا ما دُعوا فباستعلائهم يفسدوا بل رأينا منهم من يعّطل العمل للأمة ويفرّق المجتمعين عليه انتصارًا لذاته. وليعلم أصحاب دكتورة الخبر بأنّ الأّمة في غنى عنهم إن تجرّدوا من رسالة ووقار وحكمة أهل العلم، فقد تعلّمنا من مشايخنا بأنّ من يقدّم هو من كان بهذه الأخلاق لا من صنعته الظروف دكتورًا على مسلك مالك بن نبي رحمه الله حيث يقول: “هنالك أشخاص يصنعون التاريخ، وأشخاص يصنعهم التاريخ” والحديث قياس.
ويذكّرني كلامي هذا بما حصل يوم انتخاب الرئيس الحالي لجمعية العلماء الشيخ عبد الرزاق قسوم، إذ وأثناء الترشيحات أراد البعض أن يقف عند مادة في القانون المنظم لسير الجمعية تنص على أن المترشح لرئاسة الجمعية لابد أن يكون صاحب شهادة عليا أي شهادة الدكتورة، وهي مادة قانونية تقصي علماء أجلاء من الترشح كانوا في القاعة، وعلى رأسهم الشيخان بن يونس آيت سالم، ومحمد الأكحل شرفاء، وهنا ثارت ثائرة الدكتور عبد الحفيظ بورديم حيث قال: بأن الشيخ بن يونس آيت سالم شيخي في العلم وفي شؤون الحياة كلها، وشهادتي لا تساوي شيئا أمامه رغم أن الدكتور عبد الحفيظ بورديم واحد ممّن يجب الاقتداء بهم في التنازل عن الذات لصالح الأمة وهو من المثقفين الشاهدين لا المتثيقفين المرائين المتملقين، وقد أبطل الدكتور بورديم بتدخله هذا هذه المادة، وهي رسالة قوية مفادها بأننا بقدر تقديرنا للشهادة العلمية العليا وتقدير حملتها بقدر ما يسقطون من أعيننا لمّا نراهم حادوا عن الالتزامات التي حمّلتهم إياها الشهادة.
وهنا يحضرني قولٌ ساخر للشيخ محمد الهادي الحسني من حملة الدكتورة الخبزية حيث يقول ساخرًا: “حرف الدّال قد وضع أمام اسمه، فلا ندري أهو دكتور أم دبٌّ”
كما سبقه في عدم الاقتناع بالعديد من حملة الدكتورة اليوم الشيخ الطيب برغوث في سنوات مضت لمّا قرّر عدم الاستعجال في مناقشة الدكتوراه وما فعل ذلك إلا مؤخرًا لكن لنقارن بين ما قدّمه أمثال محمد الهادي الحسني والطيب برغوث والتهامي مجوري وغيرهم للأمة من نفعٍ عميم يشهد به العدو قبل الصديق، وبين ذوي الدكتورة الخبزية. وما أكثرهم في هذا الزمان.
حتى صاروا محلّ تنكيت من غيرهم، وأذكر يومًا في نشاط علمي اعتلى أحد الدكاترة المنصة، ولمّا رأى الحاضرون منه ما رأوا همس أحد الحضور لصاحبه قائلا: “أين يقسّمون هذه الدكتورات لنقتني منها واحدة”.
إنّ العديد من أصحاب هذه الشهادات حوّلوا الجامعات الجزائرية إلى ما يشبه مدارس ابتدائية على حدّ تعبير وزير الشؤون الدينية والأوقاف السيد أبو عبد الله غلام الله في الملتقى الأخير للفقه المالكي المنعقد هذه السنة بولاية عين الدفلى ولن نلوم السيد الوزير أبدًا على تصريحه، لأنّ الواقع يٌصدّقه، فقط يجب عدم التعميم لأنّ في الجامعة طيبون وطيبات من حملة الشهادات العليا عرفوا التزامات الشهادة فكان لهم الأثر الطيب في الجامعة وخارجها. ومما يؤسف له أنّ بعض المتدكترين جهلة بامتياز خارج حجرة الدرس – والبعض داخلها – فلا فقه معاملة مع الناس، ولا قدرة على تجميع الناس حول غرس طيب ولا غيرها من أعمال البر.
بل الأخطر من ذلك أن بعض أصحاب الدكتورة الخبزية يرى من هو دونه أي غير الحامل لشهادة الدكتورة كحملة الليسانس والماجستير يراهم مريدين يجب عليهم الطاعة والاتباع وأي مناقشة أو إبداء للرأي هو في نظرهم تطاول يجب أن يمنع فاعله بل قد يلزم تأديبه.
ولأنّ هذا السلوك لا يعكس تمامًا الشهادة العلمية التي يحملها صاحبها فتجد الانتصار للنّفس عند هؤلاء شعارهم ولا يهم عندهم أن تتعطل مصالح العامّة ويقطع سبيل الخير للأمة، إنْ ظنوا أنّ أمرًا ما قد خدش الدكتورة الخبزية التي يحملونها، أمّا حالهم مع الطلبة يجعل الآذان تصطك من سماعه.
فأي شهادة علينا هذه التي تجعل من صاحبها بعيدًا عن أخلاق الإسلام من جدّية في العمل ورحابة في الصدر في التعامل، وتنازل عن الذات لصالح الأمة وغيرها من القيم السامية التي يعتبر حملها لدى أصحاب الشهادات العليا واجبًا من الواجبات.
كما أنه يجب الإشارة إلى ما يعتري بعض أصحاب هذه الشهادات كالقيام بسرقة مؤلفات غيرهم ثم ينسبونها لأنفسهم ويناقشونها أمام لجنة الإشراف دون حياء وقد وصل الأمر في بعض الجامعات أن تمّ فصل هؤلاء من الوظيف بعد انفضاح أمرهم.
ومنهم من رأيناهم يكلف الطلبة ببحوث ثم يقوم بتجميعها ويقدّمها للمطبعة فتطبع كتابا يحمل اسم هذا الأستاذ وهو اعتداء صارخ على جهود الطلبة وخديعة لهم.
كما أنّ هذا الواقع التعيس الذي جعلنا نشير إلى هذه الأمر يدفعنا أيضا إلى التذكير بأن بعض حملة الشهادات العليا طريقة حصولهم عليها في كلام وكذا طريقة توظيف البعض منهم في الجامعة تجعل الحليم حيرانًا. أو بعد هذا كله تغرّنا الاحصائيات؟ !.
إذن لم تعد تخدعنا الإحصائيات والأرقام التي يتم الإعلان عنها سنويًا عن عدد حملة الشهادات العليا ممّن ناقشوا مذكّراتهم ونالوا الدكتوراه بدرجة خبز وأذكر هنا تصريحًا للدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أدلى في حصة “تداول” التي كانت تبثها التلفزة الجزائرية إذ جاء فيه “بأن الجامعية الجزائرية ذهبت هيبتها وانحطّ شأنها لما تحولت إلى مصنع للوق” وهو يقصد بذلك الكم الهائل من الشهادات العلمية ولكن دون فائدة. لكن، لكن وجود ثلة طيبة ممّن فقهوا رسالتهم في الحياة وعرفوا للعلم قدره يجعلنا نبقى متمسّكين ببصيص أمل لغدٍ أفضل نتطلع إليه جميعًا.

مكلف بالإعلام والاتصال بشعبة الشلف
عضو المجلس الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

تغريدات الجمعية