عذرا يا رسول الله، فهذا زماننا./أ.محمد بومشرة

بهذه المناسبة الأليمة طلب إليّ أحد الإخوة من شعبة مدينة مغنية يحرّضني للرّدّ على من يبدوا لهم أنّهم يسيئون ويسبّون ويشتمون نبيّ الأمّة صلّى الله عليه وسلّم، وبعث لي مقالا كتبه الشّيخ عبد الحميد بن باديس بعنوان: “رسول الله يُشتم بين أيدينا ويُهان” ونُشر في جريدة الشّهاب الجزء السّادس، المجلّد الحادي عشر، من الصّفحة: 427، بتاريخ جمادى الثّانية 1354 هجرية، الموافق لـ: سبتنبر 1935 م. انطلاقا من هذا المقال الذي قرأته مرّات ولم أتمكّن من كتابة أسطر أو سطور كخلاصة لأنّ المقال هذا متماسك ومتناسق، فخلصت لأن أنصح القارئ أن يقرأ المقال الرّائع بنفسه، والله المستعان على ما يصف اللّقطاء واللّقيطات.
إنّ الأمّة العربية والإسلامية تعيش في انتكاسة سياسية واقتصادية وخلقية ما بعدها انتكاسة أمام الغرب، وهذا راجع لسببين اثنين أوّلهما: دور الحكّام العرب الضّعيف أمام نظرائهم الأعاجم، ذوي الإيديولوجيات البعيدة عن الحلّ الإسلامي حتّى لا يُتّهموا بالإرهاب.
وثانيهما: الشّعوب معظمها تعيش على القشور، فضعفت وهانت على نفسها حتّى طمع فيها الطّامعون ليعلنوها حربا عليهم بالسّلاح العلمي والفكري.
هذا السّلاح الذي أوّل ما نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “اقرأ.” وقد رغّب عليه الصّلاة والسّلام في طلب العلم وجعل من العالِم أعلى مرتبة من الشّهيد، فهاهم أعداء رسول الله يحاربوننا بأمّيتنا، أو قل بعلمنا المحدود والمتحجّر، فقد لا ندري كيف نردّ على المسيئين، فنسيء من حيث لا ندري.
إنّ العدوّ الحاقد علينا وعلى ديننا الحنيف سببه نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم العربي الذي بعثه ربّه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا. واليوم يا معشر السّفهاء هذا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو جنّتكم، أو ناركم.
هذا العداء قديم جدّا منذ أربعة عشر قرنا مذ ولادته صلّى الله عليه وسلّم وهذه العداوة كانت تزداد كلّما ظهرت معجزة النّبي صلّى الله عليه وسلّم وثبتت ولم ولن يتمكّنوا من تكذيبها، بل حتّى التّشكيك فيها.
وتوارث الكفرة العداوة حتّى بعد وفاة الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فراحت جماعة منهم يعلنون حقدهم القديم والدّفين للإسلام ونبيّه صلّى الله عليه وسلّم تحت مسمع ومرأى حكّام الغرب، باديا لهم كأنّهم يتقرّبون إلى الرّبّ عزّ وجلّ، وهو سبحانه وتعالى بريء منهم ومن أعمالهم الضّالّة المضلّة.
فباسم حرّيّة التّعبير يسبّون ويسخرون من حكّامهم ليتطاولوا على سيّد الخلق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وباسمها وباسم الدّيمقراطية لا يقترب إنس ولا جان من انتقاد الهولوكوست وهي المحرقة اليهودية.
فقديما كانت قريش تكذّب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بإيعاز من اليهود ويسخرون منه بطرقهم لكنّ الله تعالى حفظه ورفع من شأنه صلّى الله عليه وسلّم فقال سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: “والله يعصمك من النّاس.” وقال حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه لمن أساء إلى شخص النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
أتهجوه ولست له بكفء  **  فشرّكما لخيركما الفداء
وهؤلاء القردة أبناء القردة والخنازير يتجرّؤون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليثيروا غضبنا بإيعاز من الصّهاينة ليدركوا مدى حبّنا للرّسول  صلّى الله عليه وسلّم، وكيفية الدّفاع عنه عليه الصّلاة والسّلام، فقام شباب مسلمون بدون استثناء بالرّدّ على الإساءة كلٌّ وطريقته فمنهم من قام بحرق كلّ ما يمتّ بصلة للغرب وأيّ غرب هذا.
ومنهم من يقاطع السّلع الغربية، ومنهم من ردّ على الغرب الحاقد بالحجج والبراهين على الأنترنت والجرائد أو مسيرات سلمية ووقفات احتجاجية…
كلّ هذه الأنواع الاحتجاجية يدركها الغرب جيّدا ويدرك زمن نهايتها أو مدّة صلاحيتها لأنّ شبابنا المتحمّس سيفرغ شحنة من الغضب بداخله أسبابها اجتماعية. وعندما تمرّ العاصفة يهدأ الشّباب من الغضب ويعود إلى ما كان عليه ولا يتذكّر الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم إلاّ في المناسبات.
هؤلاء السّفهاء اليوم الذين يجرؤون على سبّ خير خلق الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم من حين لآخر مرّة برسومات كاريكاتورية ومرّة بتركيب فيلم مسيء لأنّهم أهل سوء: “ولا يحيق المكر السّيّء إلاّ بأهله.” فهم يعلمون علم اليقين أنّ محمّدا رسول الله وخاتم الأنبياء، ويعلمون أيضا أنّهم كلّما تجرّؤوا على الإسلام يقوم بنو جلدتهم بالبحث العلمي والأكاديمي عن الرّسالة وصاحبها عليه أزكى السّلام والتّسليم ليدخلوا في دين الله أفواجا.
نعم لابدّ من إظهار حبّنا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولتكن دائما وأبدا بذكره عليه الصّلاة والسّلام، والصّلاة والسّلام عليه كلّما سمعنا اسم: محمّد أو أحمد، ونلقّن أبناءنا وأطفالنا حبّه وأنّه صاحب الخُلُق العظيم وأنّه المنصور الجانب والمرفوع الذّكر: “ورفعنا لك ذكرك.”
وهو صلّى الله عليه وسلّم محمود وممدوح في الدّنيا والآخرة ومحفوظ ما حفِظ الله تعالى القرآن العظيم: “إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون.” فالله عزّ وجلّ وعد بحفظ القرآن كمنهج حياة والإسلام كآخر الأديان السّماوية فبحفظهما وجب حفظ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي أُنزل عليه القرآن وجاء بالإسلام، وقال تعالى أيضا: “إنّا كفيناك المستهزئين.”
نعم لابدّ من إظهار سخطنا على هؤلاء المسيئين بشتّى الطّرق السّلمية وبالعِلم، وهؤلاء النّجس ما هم بعلماء ولا يبدو عليهم الوقار ولا الحياء فهم الرّعاع والغوغاء لتلك الدّول التي تزعم التّقدّم والتّحضّر. فبينما أنا مشغول مع الانترنت فإذا بعنوان مثير فتفتحه واطّلعت على ما فيه، فكانت مجموعة من الصّور الخبيثة والقبيحة تستغل لإهانة كلّ المعتقدات الإسلامية بدون استثناء. فلم أستغرب لأنّ كلّ إناء ينضح بما فيه، وكان أبطالها شباب وشابات لا حياء يمنع ولا عِلم ينفع ولا سنّ يشفع وإنمّا حيوانات مفترسة كما وصفها الله تعالى بالذّات في سورة محمّد صلّى الله عليه وسلّم: “الذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنّار مثوى لهم.” وقال تعالى: “أولائك كالأنعام بل هم أضلّ أولائك هم الغافلون.”
وما يفعله اليوم أحفاد القردة والخنازير إنّما هي آية من آيات الله تعالى يجب أن نعلم كيف نتعامل ونتفاعل معها وندرك أنّ الفاعل معلوم لا يستحي بل لا حياء له، إنّه جيش من الصّهاينة يقودهم إبليس اللّعين وجنوده، ونفضح ماذا يريدون من وراء هذه الحملات الموقوتة والهجمات المسعورة.
لا ولن نتزعزع في إيماننا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا بل كلّما فتنتمونا في إسلامنا نزداد يقينا بربّنا ورسله صلوات الله عليهم أجمعين. فربّ ضارّة نافعة لقد سخّركم الله تعالى كمعايير نزن أنفسنا بميزان الإيمان، وكمقاييس نقيس بها مدى حبّنا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فماذا يجب علينا نحن المسلمين تجاه الغرب الحاقد وتصرّفاته الصّبيانية أو الجنونية التي لا يقوم بها إلاّ جاهل عربيد، أو أحمق عنيد، حتّى نستفيق من ألاعيب الغرب ومن يدور حول فلكه؟ وهم يُشغلوننا عن أمور سياسية واقتصادية… ويمرّرون رسائلهم ويطبّقون أجنداتهم ويجعلوننا دائما في آخر الرّكب.
فوجب علينا أن نعمل بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأن نكون كما كان رسول الله قرآنا يمشي على الأرض عِلما وأخلاقا، وأن نملأ المساجد في الصّلاة وخاصّة صلاة الصّبح: “إنّ قرآن الفجر كان مسؤولا.” عندها سيحسبون لنا ألف حساب قبل أن يرسموا أو يتحدّثوا سوءا عن الإسلام.
ونقابلكم بالحجّة الدّامغة التي تَرهبونها وتُخيفكم وعلى الرّغم من ذلك صدق الله تعالى القائل وهو أصدق القائلين: “ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجا.” فالنّاس مازالوا يدخلون في الإسلام فرادى وجماعات عن صِدق وعِلم رغم أنوفكم ورغم محاولاتكم الدّنيئة في تشويه صورة الإسلام في زماننا هذا.
ونجتهد لمقاطعة البضائع والسّلع التي نستغني عنها، أو نستطيع أن نصنعها في بلادنا ريثما نربّي جيلا يتّكل على نفسه ويقاطعها نهائيا.
لقد تماديتم بسخرياتكم اللاّمنتهية واللاّمعقولة لرسول الله محمّد سيّد ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم مذ أن أخزاكم الله سبحانه وتعالى بسلب الأمانة من أعناقكم، وسلّمها لمن هو أجدر منكم وأحقّ بها صلّى الله عليه وسلّم، وكان علماء هذه الأمّة ورثة الأنبياء يردّون عليكم، وهم أنبياء بني إسرائيل كما جاء في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فعذرا يا رسول الله فإنّنا في زمان كثرت فيه الفراعنة وجيوش التّتار متمثّلة في جمعيات وأحزاب… وقد توحّدوا إلاّ علينا وغيرهم من الحاقدين على الإسلام  وتنوّعوا وتفرّقوا بتخطيط محكم مستعملين الإعلام للهجوم علينا من كلّ اتّجاه وقد اجتمع فيهم الجهل والحقد.
قال الله تعالى: “إلاّ تنصروه فقد نصره الله.” فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أدّى الأمانة وبلّغ الرّسالة ونصح الأمّة وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، ونحن المسلمين كلّ المسلمين عالِمنا وأمّينا صغيرنا وكبيرنا حكّامنا ومحكومينا مع رسول الله بالحياة أو الموت.
يقول أحد علماء المسلمين مخاطبا اليهود والنّصارى: يا معشر يهود إنْ كانت الجنّة لكم –وهي ليست لكم- فإنّنا سندخلها معكم لأنّنا نؤمن بموسى عليه السّلام، وإن كانت الجنّة لكم يا معشر النّصارى –وهي ليست لكم- فإنّنا سندخلها معكم لأنّنا نؤمن بعيسى عليه السّلام، وإنْ كانت الجنّة لنا نحن معشر المسلمين وهي لنا فسندخلها بدونكم، والنّار مثوى لكم لأنّكم لا تؤمنون بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وختم الشّيخ عبد الحميد بن باديس مقاله بهذا الدّعاء: “اللّهمّ إنّك لتعلم كيف أمسينا وكيف أصبحنا، اللّهمّ إنّك لتعلم أن لا قدرة لنا على تغيير هذا المنكر بأكثر من هذا، اللّهمّ انتقم لرسولك الذي بعثته هدى ورحمة للنّاس وأنت المهيمن الجبّار.” وصلّ اللّهمّ على نبيّك المختار صلاة دائمة بقدر أعدائه ومحبّيه.
تلمسان: 03 ذي القعدة 1433 هجرية، الموافق لـ: 19 سبتنبر 2012.
محمّد بومشرة.
مكلّف بالإعلام والثّقافة
– المكتب الولائي- تلمسان
*جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين*

تغريدات الجمعية