ماذا نريد؟ وماذا يريدون؟*

سقطت بقايا أقنعة أحفاد بني قريظة، وبني خيبر،فما كان فعلا مضمرا، انكشف وتطور، وما كان فاعلاوشبه مستتر، ظهر مستأسدا، فأرغى وتنمر. لم يعد على خشبة المسرح السياسي ملقنون خلف الستار،يمدون الممثلين بمفردات المسرحية، ولم يعد المخرجون يكتفون بالألوان الخافتة لإضاءة المسرح، بل سلطت–خلافا لفن الدراما- الأضواء الكاشفة، لإبراز فصول العدوانية على المقدسات، دون وازع أو رقيب.
امتزجت –إذن- الإيديولوجيا بالسياسة، وأعلنت الحرب القذرة على القداسة، ورفع شعار مزيف، أطلقوا عليه «حرية التعبير » باسم الفن، بل العفن الحقير، وأظهر التحالف الشيطاني الصهيوني المسيحي الغربي كل حقده الخائن للضمير، فاشترك بنو الأبيض، وبنو الأصفر، في هذه الحرب القديمة المتجددة، على الإسلام، وهو رقم المعادلة العالمية، العسير. ويلمُّهم، مما أرادوا، فقد انقلب سحرهم على سحرتهم، وبطل ما كانوا يعملون، ففي حين أرادوا زعزعة الناس في معتقدهم، دفعوا بالجماهير المسلمة المسالمة التي كانت تكتفي بزاد المسير، من خبز وشعير، وحليب الناقة ولحمالبعير، إلى جماهير منتفضة غاضبة، مزمجرة، ناصرة لرمزها الكبير، ومنتقمة من رموز التعصب الأعمى، والعدوان الخطير.
ألا شُلّت يمينهم مما أرادوا }إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً{، }وَ يَحِيقُ ا كْملَْرُ السَّيِّئُ إِ بِأَهْلِهِ{، فماذا يريدون بعد كل هذا؟ لقد كانت الفتنة نائمة في قلوبهم
فأيقظوها، وكانت الحرب باردة، فأشعلوها وهم اليوم يلعقون جراحهم من الندم، ويستنجدون المسلمين، العودة إلى الهدوء وإلى السكوت، والزام البيوت، خوفا
من زرع المزيد من الدمار والموت }وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّا يِملِنَ{، }إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ{، فبعد حرقالمصاحف والمساجد، والتشهير بالمعبود والعابد، هاهم، تمتد أفلامهم الماجنة، وأقلامهم المأجورة إلى رمز العبادة
والقيادة عند المسلمين، المعلم الأول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أمهات المؤمنون، طعنا، ولعنا، }حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم{، ألا ساء ما كانوا
يريدون! لقد سقط مُروجوا الفتنة، وأصبحوا يتوارون، من سوء ما أقدموا عليه، في حين خرج رمز المسلمين محمد صلى الله عليه وسلم، أقوى ما يمكن أن يكون عليه، وازداد المسلمون تعلقا بدينهم وبنبيّهم، فهم أرادوا عمرا، وأراد الله خارجه.. فماذا يريد التحالف الصهيوني الغربي، من هجمته على ديننا وأمتنا؟ وماذا نريد نحن لأنفسنا، وللإنسانية قاطبة؟
أما ما أراده التحالف السائر على غير هدى فقد بانت نتائجه، وظهرت –في الميدان- نماذجه. أما ما نريده نحن من استجابة للتحدي، فهو أن نزداد تشبثا بمعتقدنا بعد أن أثبت لنا الأعداء الحاقدون صحته، وتختلف أدوار الاستجابة باختلاف مستويات فئات الأمة. أما الجماهير الشعبية، وقد استفزتها الصور والرسوم
المسيئة، فعليها بالمزيد من التعلق بمحمد، والتخلق بخلقه، وبتنشئة الأجيال على حب محمد، وسيرة محمد، ففي ذلك النصرة الحقيقية لدينها، والطهرة الصميمية لرسولها، فبالعودة الحقيقية إلى الذات المحمدية يكون إثبات الوجود الإسلامي الصحيح، والتعبير عن الخطاب
الديني الفصيح والصريح. وأما علماء ومثقفوا الأمة الإسلامية، فإن دورهم يتعاظم أكثر، في مجابهة التحدي بالتصدي. وما التصدي إلا سلاح الكتاب والقلم، والرواية والفيلم لتصحيح المفاهيم، وتعميق التعاليم، وإسقاط المزيف من الأقانيم.
إن دور المثقفين والعلماء على اختلاف مستويات تخصصهم، يكمن في بري القلم، وسل سيوف الفكر، والجهر بألسنة الحق، وبمختلف اللغات للحكم بتهافت
الباطل والمبطلين.
ويبقى دور الحكام والسياسيين، فهم مطالبون بحماية رموز الأمة، بكل الأسلحة الممكنة، وكما يقول المالكية: «وجاز دفع صائل بما أمكن… فهناك السلاح الاقتصادي، والتجاري، وسلاح الغاز والبترول، وسلاح التعاون الفني، وغير ذلك مما يملكه حكامنا وقادتنا، فالواجب عليهم –نصرة لديننا ورموزه- أن يقدروا –لكل شيء- بحسب قدره، وإن مكمن القوة الحقيقية في الإعداد لقوة الأمة، فقد استضعفوها فوصفوها، وأن قوة الأمة وضعفها بأيديها وأيدي حكامها، فيوم يسلم الأعداء بقوتها لن يجرؤوا على تنفيذ ما يريدون، فقد علمتنا التجارب، أن القوي مهاب، لا يجرؤ أحد عليه، وأن الضعيف مضغة
ناب يسلح كل واحد عليه.

ذلك –إذن- ما يريده لنا المتحالفون من بقايا بني قريظة وبني خيبر، فلن يزالوا يقاتلوننا، ويتربصون بنا الدوائر حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا، ولكن ما نريده نحن هو المزيد من التآلف، والتحالف داخل صفوفنا، والتصميم والإرادة، دون حتوفنا، ولن تكون الغلبة إلا للحق، ونحن
بحول الله أتباع الحق، والحق أحق أن يُتَّبع.
الهوامش:
* كان المؤمل أن أتناول في حديثي هذا الأسبوع موضوع
رحلتي إلى إندونيسيا، هذا البلد المسلم البعيد القريب،
ولكن أحداث الساحة الإسلامية، فرضت إرجاء حديث
إندونيسيا إلى الأسبوع القادم إن شاء الله.

تغريدات الجمعية