كمال المنهج الإسلامي في التحضّر/د.جيلالي بوبكر

 المؤكّد أنّ صناع المدنية والحضارة ليسوا من عامة الناس، بل أخيارهم علما ونخبتهم عقلا وحلما، لذلك ارتبطت الحكمة بالأنبياء والعلماء والصالحين. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾(البقرة: 269 ). ولذلك نزل الوحي على نبيّه  قرآنا عربيا مبينا أوّل مرّة بأسلوب يتضمن النداء والأمر ينادي النبي الكريم ويأمره -ومن خلفه الأمة الإسلامية إلى يوم الدين- بالقراءة وما هو بقارئ لأنّ القراءة مفتاح العلم وبابه ومدخله وأداه الغوص فيه، ويؤكد على أهميّة التعلّم والتعليم والعلم، واقترنت القراءة باسم الربوبية والخلق -بين الكاف والنون- في أوّل ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام، واقترنت القراءة بالكرم والتكريم الإلهيين للإنسان حيث علّمه بالقلم، علّمه ما لم يعلم. قال تعالى:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾سورة العلق:(1-5).
لقد انتبه أهل العلم إلى بدأ النزول بالدعوة الإلهية إلى القراءة، وببيان قيمة العلم والتعلّم والتعليم في الرفع من شأن الإنسان، كما يتضمن البيان الإلهي الإشارة إلى حقارة الجهل وما يفعله بأصحابه في إنكار نعم الله وفضائله على عباده، إذ أنّ الجهل حيث ما ارتحل وحلّ يقول له الكفر خذني معك لا أطيق فراقك، وانتبهوا إلى أنّ أوّل خطاب إلهي لم يدع إلى صلاة ولم يأمر بأي نسك بحت أو تعبد خالص كما كان حال الرسالات السماوية السابقة، بل أمر بالقراءة والتعلّم والتعليم وطلب العلم، وبان منذ بداية انطلاق النبوة المحمدية وتحرّك الرسالة الإسلامية شرف العلم وفضل العلماء وطلبة العلم ومحبي العلم والعلماء، وقد عبّر عن هذه الحقيقة الشاعر أحمد شوقي في بيت شعري رائع هو:
ونودي “اقرأ” تعالى اللّه قائلها  … لم تتصل قبل من قيلت له بفم.
رُزق الإنسان العقل والإرادة والحرية، ورُزق النظر بالبصر والبصيرة فكرا وفؤادا، فاهتدى إلى الحق والخير والعدل والجمال، فميّز بين الخير والشرّ، بين الصواب والخطأ، بين العلم والجهل، بين الحسن والقبيح، حتى اعتبر بعض أهل العلم والفكر من المسلمين القبح والحسن في الأفعال ذاتيين في الأفعال مُدركين بالعقل وقبل نزول الوحي، وعلى هذا الأساس أسّس هؤلاء للحرية انطلاقا من المعرفة والقدرة العقلية على التمييز بين الأمور، ونظّروا للمسؤولية الفردية والاجتماعية، الدينية والأخلاقية. ولمّا كان العقل البشري محدودا في قواه وفي المجال الذي يتحرك فيه وعاجزا عن إدراك حقائق الموجودات في المبدأ والمسار والمعاد والمصير، وهبه الواهب وحيا منزّلا يسترشد به ويهتدي في دنياه ويتهيّأ لآخرته، فتعددت مصادر الوعي الإنساني وتنوعت وسائله وكثرت ميادين استخداماته، فصار الوعي لدى أهل الفكر والعلم وحسب اشتغاله أنواع ومراتب، وعي الإنسان لأناه ولذاته فردا وجماعة ووعيه للكون وموجوداته ووعيه للّه الخالق الرازق الواحد الأحد في الذات والصفات والأفعال، أي وعيه لوحدات الوجود -الإنسان والكون والله- بيانا بالوحي وعرفانا بالبصيرة وبرهانا بالعقل. قال تعالى:﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ ‏عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾الرحمن:(1-4)‏. قال تعالى:﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يوسف:(108). وقال تعالى:﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ الذاريات:(20-23). وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية:17-20).
لقد قيل الكثير بيانا في القرآن عن فضل العلم وشرف أهله وطالبيه ومحبيه ومحبي أهله، وفي ضرورة طلبه وحاجة الإنسان إليه وفي الدعوة إلى إتباع خطاه وإتباع أصحابه والاهتداء بهم، والعلم المقصود في القرآن الديني والدنيوي معا، فلا رهبانية في الإسلام. قال تعالى:﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين﴾ القصص:(77).وبيّن القرآن في أكثر من مرّة بيان الحاجة إلى القوّة العلمية والمادية والاجتماعية لضمان المجد والسؤدد والاستقلال والكرامة، فلا كرامة مع جهل شديد وفقر مدقع  وعبودية قاهرة واستبداد وتخلّف وانحطاط وتبعية. قال تعالى:﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ سورة الأنفال:(60).
بيّن القرآن الكريم وأوضحت السنّة النبوية الشريفة مخاطر الجهل ومهالكه على الإنسان وعلى حياته، وما يصنعه من ضيق نظر وتعصّب وانحطاط في الفكر والسلوك، وضعف في الإحساس والشعور والتفكير، وفقر في الإدراك والمعرفة وفي في الحياة عامة، واختلال وفساد في الأنظمة الفكرية والمعرفية، وفي الروابط الاجتماعية، وميّز الإسلام بين العالم والجاهل، وفضّل الإمام العالم العامل على العابد الزاهد. وخصّ الله سبحانه تعالى العلماء دون سواهم بمنزلة ثالثة بعد شهادته بالإلوهية وتفردّه بالوحدانية والربوبية أنّه لا إله إلاّ هو، وبعد شهادة الملائكة، شهادة العلماء عدل وحقّ أنّه هو الله وحده ولا يوجد غيره،فهو الواحد الأحد الفرد الصمد. قال تعالى: ﴿شهد الله أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾ (آل عمران: 18). ففي الإسلام لا يستوي أهل العلم مع غيرهم، فضّل الله الناس بعضهم على بعض درجات في العلم والإيمان والتقوى والعمل الصالح، وليس في اللّون أو المال أو الجاه أو السلطان كما فعل ويفعل الجهلة من الناس.قال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾(الزمر:9). وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: 11).
إنّ المكانة التي خصّ بها الإسلام العلماء عظيمة بعظمة الرسالة الملقاة على عاتقهم، وجليلة بجلال وعظمة دورهم في تعليم الناس دينهم وتعريفهم بربهم في دنياهم وبالنسبة لآخرتهم، وخطيرة بالنسبة لثقل ووزن مسؤوليتهم عن انحراف الأمة وفسادها وبعدها عن ربها وعن دينها، فهم حماة الدين ورعاة الشرع صونا وحفظا وتحفيظا وتعليما، وهم صناع المجد والسؤدد في الدنيا، وتخلّي العلم عن أداء الأمانة وتبليغ الرسالة إهمالا وتهاونا وتقاعسا أو انحيازا للمال أو الجاه أو السلطان هو إفلاس أمّة وخراب ودمار حياة بأكملها وتبعة ذلك عظيمة، فلا يوجد غير العلماء يجمعون العلم ويعملون به ويعلّمونه فيسود الحق والعدل والجد والسؤدد، لأنهم هم أعرف بالدين والدنيا، واللّجوء إليهم لا لغيرهم ضروري، وفي هذا قال القرآن الكثير. قال تعالى: ﴿إنّما يخشى الله من عباده العلماء﴾(فاطر:28). وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاّ العالمون﴾(العنكبوت:43). وقال عزّ وجلّ: ﴿ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾(النساء:83).ويبقى حري بأمّة الإسلام أن تستمسك بعلمائها في طلب العلم باستمرار وفي علاج أحوالها عملا بقوله تعالى: ﴿فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (النحل: 43). ولقوله عزّ وجلّ: ﴿ وقل رب زدني علمًا﴾ (سورة طه:114). قال القرطبي: (فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم).
لقد تأكّد فضل العلم وشرف أهله ورفعة طلابه ومحبّيه في السنّة النبوية الشريفة، وبان جليا في أقوال وأفعال النبي صلّى الله عليه وسلم وفي سيرته عامة، قال رسول الله: “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل له به طريقاً إلى الجنة” (رواه مسلم). فالعلم في الإسلام مكسب ديني ودنيوي، فهو طريق إلى المجد والسؤدد في الحياة الدنيا، يصنع أسباب الراحة وينتج الحضارة بشقيها المعرفي النظري والمادي التطبيقي، فكل الحضارات التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل أوّل ما تميّزت به التقدم العلمي والفكري والمعرفي، ثم انعكاس ذلك على العمل والتأثير في الطبيعة والمجتمع، ويتجسد في وسائل ومناهج العمل في مختلف قطاعات الحياة، بما في ذلك الوسائل والمناهج المستخدمة في البحث عن المعرفة وفي سائر الدراسات التي شهدت تطورا هائلا في عصرنا الحالي، الذي يعتبر بحق عصر التقدم العلمي والتكنولوجي، وأصبح العلم في عصرنا مقياس التقدم والتحضر تتبارى الشعوب والأمم في نيله وتطويره لامتلاك القوّة وضمان الاستقلال والسيادة، فلا حرية ولا حياة فيها سيادة واستقلال ولا عيش كريم مع الجهل والتخلّف والانحطاط.
ولمّا كان العلم وسيلة لبلوغ المجد في الدنيا وسبيلا إل السعادة في الآخرة صار موضع غبطة ومحل تباري وتسابق، قال رسول الله: “لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه مالاً فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها” (متفق عليه). وما يزيد العلم شرفا ورفعة في الإسلام دوره في الدنيا وفي الآخرة، وأثره الطيّب على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم، وهو أمر يتفرّد به الإسلام. قال رسول الله:”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع   به أو ولد صالح يدعو له” (رواه مسلم). والأجمل في العلم من المنظور الإسلامي اقترانه بالنبوّة حفظا وتعليما وميراثا. قال عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة: 3). فالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه الله معلّما ومبشرا ونذيرا وهاديا إلى الصراط المستقيم، فاقترنت في الآفاق رسالة العلم والعلماء بالرسالة النبوية وصار العلماء ورثة الأنبياء. قال رسول الله:(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا تَصْنَعُ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ).
تبرز قوّة الإسلام الإيجابية ومصداقيته ويظهر منهجه الكامل وتتجلى روحه المتوازنة في الشرائع والشعائر، وفي الأخلاق والمعاملات وفي سائر أوامره ونواهيه، ولما له من مرجعيات علمية وفكرية عقائدية وشعائرية وأخلاقية ثبّتها أهل الذكر والراسخون في العلم ضمن سياق مفتوح على التغيير والتجديد من غير مغالاة وفي حدود ثوابت بعيدة عن الإطلاق، وهي مرجعيات تفتقر إليها المسيحية الظاهر زيفها واليهودية البيّن عقمها ومكر أصحابها. وتتجسد قوّة التوازن الإسلامي الديني والدنيوي في المبادئ والمنطلقات المتسمة بالمنعة وديمومة الصلاحية ، وفي طيب ونجاعة الوسائل والإمكانات المادية والروحية النظرية والعملية التي أتاحها الله لعباده وأتاح لهم إمكانية الزلل والرجوع إليه فيكون أحنّ عليهم من الوالدة برضيعها، ويتحقق بقوة عجيبة اعتدال الذات الإسلامية روحا ومادة في مقابل الاختلال والعفن في غيرها بواسطة الغائية الإسلامية المبني عليها الفعل المقاصدي نظرا وعملا.
كانت للعلماء بصمتهم في تجميع وترتيب عناصر المنظومة المقاصدية في بنية بلغت من الإحكام والدقة ما لم تشهده منظومة تشريعية على مرّ التاريخ، والبنية المقاصدية الإسلامية هي ذات تأصيل إسلامي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وتأسيس علمي اجتهادي تكونت في سياق تاريخي يرتبط بالزمان والمكان، بما في الزمان والمكان من جزئيات وتغيرات تناسب هذا السياق التاريخي دون غيره، ففيها ما اخترقت فعاليته حدود الزمان والمكان، وفيها ما فقد صلاحيته وأصبح جزء من الماضي، الأمر الداعي إلى بذل الوسع باستمرار فيما فيه خير الإنسان في الدين والدنيا، وللتأكيد الإسلامي على ضرورة مجابهة سائر التطورات والتحديات والمشكلات التي تعرفها الحياة مجابهة إيجابية، وضرورة الاضطلاع بمهام وواجبات البناء الحضاري واستئنافه.
الإيجابية أو الخيرية – كل ما يجلب النفع ويبعد الضرر في الفكر والقول والعمل- محمدة من المحامد تقوم عليها المنظومة الأخلاقية الإسلامية، تجسدت هذه الإيجابية الأخلاقية في الأنموذج النبوي، وفي الاقتداء والتأسي به إلى يوم الدين، وهو أنموذج رباني تكوينا وبنية، فكان الأنموذج قرآنا يمشي على الأرض، وكانت نبوة تتفاعل مع الواقع بفعل السماء من خلال مقتضيات التنزيل في الواقع وبواسطة الناسخ والمنسوخ وغيره، فجاءت أحكام القرآن تقبل الواقع تارة وتعترض علية تارة أخرى، وفق ما تتطلبه الفطرة البشرية ويستلزمه الحال والمقال ويفرضه المنطق السليم من تدرج ومرحلية وتأني في تغيير الأوضاع من السلب إلى الإيجاب، والخروج بالإنسان من ظلام الجهل والكفر والنفاق والرذيلة إلى نور العلم – خير الناس من تعلم العلم وعلمه، العلم الديني والعلم الدنيوي- والتوحيد والصدق والفضيلة، وإذا اشتد عود الإنسانية أخلاقيا وأدبيا بفعل عمليتي التحسين والتقبيح العقليتين من دون الهدي الإلهي فإن ذلك جاء مشوبا بالاختلالات والنقائص وسبب مخاطر كثيرة ، الأمر الذي دعا إلى إتمام مكارم الأخلاق، وإلى التوحيد بين إيجابية الهدي الإلهي المطلقة وخيرية الأخلاقية البشرية العقلية النسبية في جو استمرار وديمومة صلاحية مكارم الأخلاق في كل الأمصار والعصور واستقلاها عن الأعراف والعادات والتقاليد التي تتعدد وتتنوع وتتباين بتعدد وتنوع وتباين ظروف الناس وأوضاعهم المختلفة، وتبقى قاعدة جلب الخير ودفع الشر هي المحك والمقياس لكل فعل أخلاقي إسلامي تستمد منها الروح الإسلامية إيجابيتها الأخلاقية والأدبية.
الإسلام في مبدئه وروحه ومنتهاه براء من الفصل بين القيصرية والإلوهية، وبين الديني والدنيوي، على عكس ما نجده في العقائد والتيارات الفكرية والفلسفية وغيرها التي تبيح لنفسها التورط في التجاهل والتعالم ونكران الحق وحرب الله بتشويه خلقه والإساءة إلى خُلقه، فالإنسان لم يختر خلقه ووجوده ولا اسمه ولا المكان الذي وجد فيه ولا النعم التي ينعم بها ولا النقم التي تحل به، ولم يختر مستقبله في الدنيا ولا مآله بعد الموت، أمام هذه الحال فالإنسان مفطور من فاطر السموات والأرض ببنية بشرية آدمية متفردة ليس كمثلها شيء على وجه الأرض، فهي تخرج إلى الحياة الدنيا أضعف كائن وبعد فترة تصير أقوى مخلوق كائنا ما كان، لما ناله الوجود الإنساني من التكريم والتفضيل داخل الكون اللامتناهي صغرا وكبرا وعظمة من العظيم في الذات والصفات والأفعال، القائم بالربوبية والجدير بالعبودية في منتهى إيجابيتها، فالعبودية في الإسلام إلزام وعهد مقطوع بين العبد وخالقه لا ينقضي، والإسلام رباط بين المخلوق والخالق لا ينفك، فلا سبيل إلى الردة بمبرر حرية المعتقد فيظل الإنسان مسلما ويمسي كافرا، وما دام الخالق الرازق أوجد الإنسان بروح وببدن ليس للإنسان أثر في ذلك، وما دام للروح مغذياتها وللبدن مغذياته في وضع مركب معقد متكامل من صنع صانع فوق الإنسان وفوق العالم الذي يعيش فيه الإنسان، الصانع أدرى بمصنوعاته وبما تحتاجه فشرّع الشرائع لحكم يعلمها هو والراسخون في العلم، حكم جمعت بين المبدأ والمعاد، بين عالم الدنيا والعالم الآخر، بين المادة والروح، بين الديني والدنيوي، بين العبادة والمعاملة، بين الفرد والمجتمع، بين الأرض والسماء، بين الله والإنسان، بين الأعلى والأدنى، بين النص والواقع، بين جميع جوانب ومكونات حياة الإنسان في تناغم وانسجام وتكامل ووئام، المبتغى في ذلك تحقيق المشيئة الإلهية وتجسيدها على الأرض، وضمان الربوبية والإلوهية والوحدانية والعبودية لله وحده بكامل إيجابيتها على نحو تتحقق فيه الإيجابية على العبد وعلى أقرانه وبيئته وعلى معبوده وهو غني عن العالمين.
الإيجابية الشعائرية في الإسلام تقترن بالإيجابية الدينية والدنيوية عامة، بل هي جزء منها، جزء من كل، وهي عدّة إيجابيات تراكمية نظرية وعملية بكثرة العبادات والمعاملات وسائر مبادرات المسلم طيلة حياته إلى غاية مماته، وفي الإسلام العبادة والمعاملة الحسنة وفعل الخير وطلبه والتضحية في سبيله كل ذلك من الشعائر الإسلامية الإيجابية، فالنية الطيبة الخيّرة الصادقة شعيرة إيجابية، ومن همّ بسيئة ولم يفعلها ابتغاء وجه الله شعيرة إيجابية، والصلاة على وقتها شعيرة إيجابية، وأداء الزكاة شعيرة إيجابية، وصوم رمضان توبة وإيمانا واحتسابا وغفرانا شعيرة إيجابية، وشهر رمضان فرصة ومناسبة ومدرسة تمارس وفيها كل الشعائر الإيجابية فينجح الإيجابيون ويرسب غيرهم، وإتقان العمل شعيرة إيجابية، وإماطة الأذى عن الطريق شعيرة إيجابية، وكل عبادة أو معاملة المراد منها التقرب إلى الله فهو شعيرة إيجابية، لأنها تدفع ضررا وتجلب نفعا عاجلا أم آجلا.
ما يتفرد به الإسلام ولا يوجد في غيره من الملل والنحل اعتبار النية في الفعل الإنساني، فالنية الخيّرة خيّر صاحبها تحقق الفعل أو لم يتحقق في الواقع، والنية الشريرة عند دوامها شرير صاحبها وقع الفعل أو لم يقع في الواقع، وتبقى النية هي الأصل في الأعمال باعتبارها جهدا إنسانيا داخليا يكون دوما وراء الفعل في إيجابيته أو في سلبيته، فالعبادة في بدايتها الأولى تبدأ من النية والمعاملة في مصدرها الابتدائي تصدر من النية وأي شعيرة من الشعائر في منطلقها تنطلق من النية، وتكون النوايا في الإسلام خارج الشعائر إن كانت سيئة يسيطر عليها المكر والخبث والانتقام والتصميم على الشر والإصرار على الاستمرار عليه، وتدخل في سياق الشعائر الإسلامية سائر النوايا الطيبة الخالصة في الخيرية وفي الإيجابية سواء ارتبطت بالبت في الأعمال وتنفيذها أو لم ترتبط بذلك، ويكفي المسلم الملتزم إيجابية وطيبة وخيرية تغيير المنكر بقلبه إذا عجز عن تغييره باليد وباللّسان، ويكفي المسلم الملتزم إيجابية نيله الأجر والثواب من ربه بمجرد تفكيره في الخير والقصد إليه دون أن يبلّغه الله إيّاه عملا أو حتى قولا.
إنّ الجبلّة التي جبل عليها الإنسان، وصبغة الله فيه التي لا تتبدل ولا تتحول توجُهُه الطبيعي نحو الخير ونفوره الفطري من الشر وفي هذا الإيجابية  فطرة تقوم في الأساس والمنطلق، فهو يثني على أدائه الشعائر في العبادات وفي المعاملات ويطمئن لذلك من خلال مونولوغ ذاتي داخلي تحركه النفس المطمئنة فينطلق محققا فطرة التوحيد ومثبتا قطعا وجزما الوحدانية الإلوهية والربوبية لله وحده دون غيره، وهو يذم ويقدح في شخصه ضمن محاورة داخلية تضطلع بها النفس اللّوامة إهماله لواجباته نحو وجوده الفردي والاجتماعي والأممي والإنساني ونحو خالقه الذي بيده كل شيء في عالم الحياة وفي عالم ما بعد الموت، وكذلك عند الضعف والزلل وارتكاب الجرائم بتحريك النفس الأمارة بالسوء، إذ تنبري الذات لنفسها فيطالها الندم والبكاء وتتجه صوب التوبة، وفي هذا أوبة إيجابية في اتجاه الإيجابية والخيرية التي هي فطرة الإنسان وليست دخيلة على الوجود الإنساني، ويستمر الصراع وتكون الغلبة دوما عند ذي العقل الراجح والتربية السليمة والضمير الحيّ للإيجابية المؤدية إلى الاطمئنان للشعائر الإيجابية في العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق، الشعائر الإسلامية الدينية والدنيوية الإيجابية التي تضمن زاد الرضا على الأنا الذي هو مفتاح الأمان والارتياح والطمأنينة في العالم الذاتي الفردي عند الخلوة وفي غيرها، وتحقق هذه الشعائر شروط ولوازم الاستقامة في الفكر والاعتدال في السلوك وتؤسس للروابط الاجتماعية والإنسانية الإيجابية من تواصل وحوار وتعايش وتسامح تضمن التزود بمستلزمات الرضا المتبادل بين الناس المبني على القناعة الذاتية بصدق النية وصلابة الأساس وقوّة المصدر وسلامة المنهج واستقامة النظر والعمل وعلو الهمّة والشأن والمنزلة عند العليّ القدير.
من مميزات الإسلام ومن إيجابيته فيه العبادة والصلاة مثلا، شعيرة إيجابية، وطلب العلم فريضة على المسلم والمسلمة وهو شعيرة إيجابية، وفلاحة الأرض ورعي الأنعام واستخراج النفط والمتاجرة به كل هذا شعائر إيجابية تتساوى في خيريتها وإيجابيتها، ففي الإسلام الدين المعاملة، ولا رهبانية في الإسلام، والإسلام دين ودولة، هذه الإيجابية الفطرية في العبادة والمعاملة، في الدين والدنيا تقتضيها الحياة ويتطلبها التوازن المطلوب في الحياة، حيث لا قوامة للوجود الإنساني في الحياة في غياب الضروريات من أمن وغذاء وإيواء وكساء، ولا يستقر التواصل بين العبد وخالقه في غياب استقرار الوجود الإنساني، فالقوامة الإيمانية التعبدية تشترط القوامة الوجودية الإنسانية، والقوامة الوجودية الإنسانية تشترط الحركة الفكرية بحثا وعلما وثقافة والحركة المادية تغييرا وإنتاجا وصناعة، كل هذا في إطار الحراك الإنساني الفردي والاجتماعي نحو الحضارة والاستئناف الحضاري بعيدا عن السكون والضعف والتخلف والانحطاط وهي مظاهر السلبية التي تتنافى مع الإيجابية الإسلامية في العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب وفي سائر جوانب الحياة.
تمثل الحركة في الفكر والسلوك، في التوجه إلى الدنيا أو في الاتجاه صوب العالم الآخر مبدءا ثابتا وراسخا ، حركة الذات شعورا وفكرا وسلوكا عاما، وحركة الوجود الطبيعي استغلالا واستثمارا وتسخيرا، وحركة الوجود الإنساني الاجتماعي والفردي اجتهادا وتغييرا وتوازنا، وكل هذا يجري في إطار السنن الكونية الإلهية يتوق إلى الالتحام بها ويعمل على موائمتها ويسعى إلى التمرد عن كل ما لا يوافقها، لأن اعتبارها ضمان للإيجابية الإيمانية وللإيجابية الشرعية وللإيجابية العقدية وللإيجابية الأخلاقية، وكل هذا مصدره الحركة الإيجابية العلوية التي أودعها الله في مخلوقاته.
إنّ أصل الإيجابية الإسلامية الإيجابية العقدية الراسخة في الإسلام والراسخ فيها، إيجابية الفطرة إيجابية التوحيد، إيجابية الوحدانية والإلوهية والربوبية لله وحده، لا شريك له في الذات والصفات والأفعال، إيمان بعقائد مؤكدة عقلا ومنطقا وتاريخا ووجودا، تبعث على العلم واليقين لا على الشك والريبة وعلى الاطمئنان لا على القلق، وعلى الاجتهاد لا على السكون والتقليد، إيجابية منطلقها التوحيد ولباسها التقوى ومسارها الاجتهاد وبذل الوسع في الخير، وحللها مكارم الأخلاق من تواد وتراحم وتعاون، ومنتهاها بلوغ الخلافة على الأرض كل في مستواه، وبلوغ الثبات على الحق ورضوان الله في الدنيا والآخرة.
يقول سبحانه وتعالى:﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾ الرعد،الآية11. ويقول: ﴿ذلك بأنّ الله لم يك مغيّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم وأنّ الله سميع عليم﴾ الأنفال،الآية 53. ويقول:﴿وأنّ ليس للإنسان إلاّ ما سعى وأنّ سعيه سوف يُرى، ثم يُجزاه الجزاء الأوفى﴾ النجم: الآيات 39-40-41.

تغريدات الجمعية