على أبواب الأندلس /د.مولود عويمر

لقد تمنيت دائما أن أزور اسبانيا لمشاهدة ما شيّده سلفنا المسلمون من حضارة في بلاد الأندلس. غير أن الفرصة لم تتح لي إلا في هذا الصيف عندما تسلمت الدعوة من جمعية المهاجرين الجزائريين في الأندلس لإلقاء سلسلة من المحاضرات بين 6 و13 جويلية 2012.
والحق أنني قليلا ما أرغب في السفر في هذا الفصل لأنه سبق لي أن سافرت فيه إلى الأردن وتركيا وفرنسا وألمانيا فعانيت كثيرا من طقسها الحار والرطب من جهة، وبيئتها التي تلاءم السياح القادمين من كل أصقاع العالم وجيوبهم عامرة باليورو أو منتفخة بالدولار من جهة أخرى.
أما الزوار البسطاء الذين لا يتحصلون على هذه العملة إلا بالصعوبة، أو المثقفون من أمثالي المدمنون على زيارة المكتبات والجامعات وحضور الحراك الفكري، فلا يجدون ضالتهم إلا في الفصول الثلاثة الأخرى التي تفتح فيها أبواب المعرفة، وتنخفض فيها تكاليف الحياة. وهكذا لم أكتب عن تلك الرحلات رغم أهميتها، بينما نشرت حلقتين في جريدة “البصائر” عن رحلتي إلى المغرب الأقصى الذي زرته في خريف 2010 م.
وفي هذه المرة رغبت عن الكتابة عن الرحلة الأسبانية خاصة وأنني لم أتمكن من زيارة المعالم الحضارية الإسلامية التي قصدتها لخلل في البرمجة، وما رغبني في نشر مشاهداتي إلا إلحاح العديد من الأصدقاء. فلهم الفضل في إخراج هذه المشاهد والخواطر من عالم ذاكرتي.
محاضرات عن تاريخ الجزائر:
قدمت خلال رحلتي إلى إسبانيا ثلاث محاضرات عن تاريخ الجزائر. كانت المحاضرة الأولى في مدينة أليكونت الواقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. فبعد وصولي إلى مطارها الفسيح والمريح يوم الجمعة 6 جويلية واستقبالي من طرف السيد عبد الوهاب سائق القنصلية الجزائرية، توجهنا مباشرة إلى مركز ثقافي يقع في قلب المدينة لأقدّم محاضرة عن المقاومة الجزائرية الثقافية والسياسية للاحتلال الفرنسي.
لقد حرصت على هدم نظرية “الاستعمار الإيجابي” مستعينا على ذلك بأمثلة ملموسة تتناسب مع عقل الإنسان الغربي، وتتلاءم مع ذهنية المسلم المقيم في الغرب. كان الجمهور المشكل من الجزائريين والأسبان متجاوبا مع كلامي، وقد ظهر لي ذلك واضحا في ملامحهم وتسجيلهم ما كنت أتكلم به في مدوناتهم.
كما عبّر عن ذلك العديد منهم في التعقيبات أو في المناقشات الجانبية خارج المركز باكتشافهم للموضوع واستحسانهم لمنهج الطرح الذي مال إلى المقاربات والمقارنات، وأذكر منهم الأستاذ دافيد والأستاذ جمال صحراوي المدرسان بجامعة أليكونت والمهندس المعماري السيد بلقاسم رئيس جمعية السلام التي نظمت هذا اللقاء التاريخي.
وفي مدينة فلونسيا، قدمت المحاضرة الثانية يوم الثلاثاء 10 جويلية على السادسة مساءا. وهذه المدينة الكبيرة تقع في شرق إسبانيا على البحر الأبيض المتوسط، اشتهرت عند المسلمين الذين فتحوها في عام 714 م ببلنسية. وقد بقيت في حكمهم المزدهر إلى غاية سقوطها في عام 1238 م.
كان الحاضرون في القاعة من المثقفين والنخبة تتقدمهم السيدة حورية رئيسة جمعية المهاجرين الجزائريين ففضلت مناقشة الإشكالية التالية: ” كيف نستفيد من تراث الثورة الجزائرية لتأسيس فكر تحرري عالمي وإقلاع النهضة في الجزائر؟”
لقد أكدت على أن الثورة الجزائرية مثلت تجربة حقيقية في مجال تحرر الإنسان المعاصر من معوّقات نفسية وتاريخية واجتماعية ومصيرية.
فكل ثورة كبيرة تنتج بنية مفاهيمية جديدة، وهذا ما وقع مع الثورة الفرنسية والثورة الروسية والثورة الصينية. واستطاع المفكرون في فرنسا وروسيا والصين أن يؤسسوا نظريات ومقولات انتشرت في العالم مستلهمة من تجارب هذه الثورات. وأثارت مداخلتي مناقشات عديدة استفدت منها كثيرا.
وقد شاركت معنا في المناقشة مثقفة إسبانية اعتنقت الإسلام منذ بضع سنوات، واقترحت علي أن ألقي محاضرة في المستقبل القريب في المركز الثقافي الإسلامي في فلونسيا حول نفس الموضوع، فوافقت على ذلك.
وألقيت المحاضرة الأخيرة يوم الجمعة 13 جويلية على الساعة السادسة في مدينة إشبيلية التي أنجبت كوكبة من مشاهير العلوم والأدب والفنون في حضارتنا الإسلامية. وقد حضر هذا النشاط الثقافي سفير الجزائر السيد محمد حناش، ورئيس جمعية المهاجرين الجزائريين في الأندلس السيد سعيد بن رقية والعديد من الجزائريين والصحراويين والأسبان.
وتحدثت فيها عن الجزائر بين التاريخ والواقع. تطرقت إلى التاريخ السياسي والثقافي للجزائر في الفترة الاستعمارية الذي كان سلسلة من المقاومات في مجالات مختلفة انتهت باسترجاع الاستقلال. واستمرت بعدها معركة جديدة تمثلت في تأسيس الدولة الحديثة وبناء الإنسان الفعال وإنشاء مجتمع متقدم.
وقد تحققت إنجازات عديدة في ظرف خمسين سنة من الاستقلال خاصة في مجال التعليم. ومن جهة أخرى أخفقت الحكومات المتتالية في القضاء على كل مظاهر التخلف في الجزائر رغم الثروة المعنوية والمادية والبشرية التي كانت تتوفر عليها.
غير أن برمجة شريط وثائقي بعد محاضرتي حرم العديد من الحاضرين من المناقشة والتعقيب. وقد التقيت بمجموعة من الشباب الجزائري المغترب على هامش التظاهرة وحول مأدبة العشاء التي جمعتنا في مطعم مصري في وسط المدينة لمواصلة النقاش والإنصات إلى آلامهم وآمالهم، والتي كانت على رأسها أن تتجدد لقاءاتهم مع النخبة الجزائرية من خلال تنظيم ندوات تتناول الشأن الجزائري في مجالات مختلفة.
وهذه الرغبة عبّر عنها كل الذين صادفتهم في إسبانيا. فالجزائريون وأصدقاؤهم من العرب والمسلمين والأوروبيين تواقون إلى معرفة الثقافة الجزائرية في مجالاتها المختلفة. فلنكثر إذن من قنوات الترويج لتراثنا الثري، ولنقدمه في أشكال جذابة.

هل الصناعة تغني عن الزراعة؟
الزراعة هي أساس الحضارة، فالدولة التي لا تنتج ما يأكله شعبها هي مهددة في كل وقت. والدولة الصناعية لا يمكن لها أبدا أن تستغني عن الزراعة مهما بلغت ذروتها التكنولوجية. هذه هي إحدى الأفكار التي راودتني وأنا أشاهد من نافذة القطار حقولا شاسعة من الحبوب والخضر والفواكه بين مدينتي فلونسيا وأليكونت.
وازدادت قناعتي وتعمقت أكثر وأنا أشاهد أراضي سهولا وهضابا في غرناطة واشبيلية مكسوّة كلها بأشجار مثمرة خاصة الزيتون التي اكتسحت المساحة الفاصلة بين أليكونت وغرناطة كأنها حقول الكروم. والزيتونة في هذا البلد شجرة قصيرة تختلف عن الشجرة المغروسة في الجزائر يحسبها الجائع أو ضعيف النظر كرمة. ولهذا السبب يفضل أرباب العمل الفلاحي الأسبان تشغيل الأمريكيين اللاتينيين على غيرهم خاصة الإكواتوريين الذين يتميّزون بقصر القامة وقوة البنية وسرعة الحركة.
وفي هذا السياق، حدثني أحد الإخوة المشتغلين في الفلاحة أنه تقدم من أحد أصحاب هذه المزارع طلبا للعمل عنده، فقال له: إنك لا تصلح لجني الزيتون لأنك طويل القامة، فأجابه صاحبي: بالعكس، إنني أستطيع أن أجني أبعد حبة زيتون في الشجرة بفضل طول قامتي، فرد عليه الإسباني ساخرا: أنا أملك مزرعة للزيتون وليس حديقة للنخيل !

في رحاب الجامعة الإسبانية:
وصلت إلى فلونسيا قادما من أليكونت يوم الاثنين 9 جويلية بعد رحلة ممتعة استغرقت خمس ساعات شاهدت خلالها مناظر طبيعية خلابة انشرح لها صدري وطابت لها نفسي. وبعد استراحة قصيرة في فندق ترافل لودج، خرجت لأتجوّل قليلا، وكنت مصرا على البدء بالجامعة، فشعاري دائما في كل رحلة: ” دلوني على الجامعة أو المكتبة”.
وتقع الجامعة في حي راقي بوسط المدينة، وتبعد بضعة أمتار عن محطة المترو. وهي مفتوحة على مصراعيها ليس فيها متاريس أو أبواب حديدية موصدة تحول بين الناس والمعرفة. لقد زرت كلية التاريخ والجغرافيا، وكلية الفلسفة وعلوم التربية وكلية العلوم السياسية.
كما دخلت إلى المكتبة فوجدتها غنية بالكتب والمجلات والصوتيات والمرئيات منها فيلم “معركة الجزائر” الشهير مدبلجا بالإسبانية. وسألت عن الأساتذة المختصين في التاريخ والفكر العربي إلا أنني لم أصادف أحدهم نظرا لوجودهم في عطلة.
أما جامعة أليكونت فقد زرتها يوم الخميس 12 جويلية رفقة الأستاذ جمال صحراوي. وهي تبعد عن المدينة حوالي 10 كيلومترات. وكانت في الأصل مدرسة للطيران العسكري. ومازالت بعض المشاهد محتفظة للذكرى منها منارة المراقبة. وهي من أقدم الجامعات الإسبانية وأشهرها في الدراسات العربية والإسلامية.
تجولنا في أجوائها وقدم لي الأستاذ جمال معلومات عن تاريخها وعرفني بكلياتها المختلفة. وهي في الحقيقة مدينة جامعية تتوفر على كل المرافق التي يحتاج إليها الطلبة والأساتذة من خدمات تكفيهم للعيش أسبوعا كاملا متفرغين لواجباتهم وأعمالهم.
وفي لحظة قصيرة استحضرت ذكريات من أيام دراستي في جامعة الجزائر، وما عانيناه يوميا مع بعض زملائي من أجل التنقل بين إقامتنا الجامعية والكلية التي ندرس فيها. وكنا نضطر أحيانا للمشي على الأقدام كيلومترات حين نتأخر عن موعد انطلاق الحافلة الأخيرة بسبب غرق أحد أساتذتنا في شرح درسه.
وقد لفتت انتباهي في هذه الجولة، الزيارات المنظمة للسياح وأطفال المدارس للتعرف على الجامعة التي لا تغلق أبوابها في العطلة، فهي تعتبر أيضا معلما سياحيا تستقبل الزوار خاصة في فترة العطلات الموسمية، ولا تتوقف مهمتها عن تقديم المعرفة للطلبة والإشراف على البحث العلمي. كما تتحوّل الإقامات الجامعية إلى فنادق طوال الإجازة الصيفية كوجه من استثمارات الجامعة ومصدرا ماليا لا يستهان به.
أما جامعاتنا العربية فتغلق أبوابها طوال الصيف، وهي قلعة لا يدخلها إلا الطلبة والمشتغلون فيها. إننا حينما ننظم الزيارات للتلامذة للتعرف عليها نحفزهم أكثر على الدراسة للالتحاق بها. فمخيلة التلميذ العربي مرتبطة بالشهادة التي يتحصل عليها من طبيب أو مهندس أو صحافي أو محامي… وليس بالمؤسسة التي يتخرج منها. وينجم عن هذه الذهنية سلبيات ليس هنا مجال لذكرها.
وكثيرا ما سمعت من طلبتي أنهم لم يدخلوا إلى الجامعة ويكتشفوا أجواءها إلا يوم التسجيلات البيداغوجية الأولية. أما الأحياء الجامعية فهي مسدودة في فترة العطلة السنوية، ولم ندرك قيمتها إلا مؤخرا لاستضافة المشاركين في المهرجان الإفريقي.
والحق أن وزارة الشؤون الدينية كانت رائدة في هذا المجال حيث استقبلت فيها المشاركين في الملتقيات الدولية للفكر الإسلامي، وكنت واحدا من الذين نزلوا في الحي الجامعي بابن عكنون في عام 1988، والحي الجامعي بالتبسة في سنة 1989.
وزرنا بعد ذلك الباحث المعروف في العلاقات بين اسبانيا والمغرب العربي الدكتور لويس برنابي في مكتبه حسب الموعد المحدد لنا. كان المكتب صغيرا مكتظا بالكتب والمجلات على شاكلة العلماء والمفكرين الكبار. وشاهدت ابنته الصغيرة مشغولة بالألعاب الإلكترونية على الحاسوب.
إن هذا المظهر ذكرني بتصرفات بعض الموظفين عندنا الذين لا يتحرجون من اصطحاب أولادهم إلى المؤسسات التي يشتغلون فيها والسماح لهم باستغلال الأملاك العمومية بغير حق. فقد رأيت مشاهد عديدة خلال هذه الرحلة الأندلسية كشفت لي التقارب بين العرب والأسبان في الكثير من العادات والسلوكيات.
تحدثنا مع الباحث الإسباني في قضايا تاريخية وثقافية، وأخبرني أنه زار الجزائر هذا العام خمس مرات للمشاركة في الملتقيات الدولية التي نظمت في إطار تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية وغيرها من المناسبات العلمية. فقلت حينئذ في قرارة نفسي: فكم هي كريمة الجزائر مع العلماء الأجانب، فلماذا لا تتعامل الدول الغربية بنفس المعاملة مع المفكرين والعلماء الجزائريين؟ بل هي تبخل عليهم بالتأشيرة، ولا تمنحها لهم إلا بعد عناء ومشقة.
حرص البروفسور برنابي على القيام بجولة معنا في الجامعة، فقلت له أنني زرتها في الصباح، وأود فقط زيارة المكتبة. فتوجهنا إليها مسرعين. وهي تقع في عمارة كبيرة، صنعت معظم جدرانها من الزجاج حتى يستمتع القارئ بنور الشمس وجمال الطبيعة التي تحيط بها.
ورأيت قرب باب المكتبة المخصصة للعلوم الإنسانية والأدبية طاولة كبيرة عرضت عليها آخر إصدارات في هذه المجالات المعرفية ومنها الكتب المترجمة من العربية إلى الإسبانية. فجذبني كتاب ” تضاريس الذاكرةّ” وهو كتاب تناول سيرة ذاتية للباحث المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد. فتصفحته فوجدت الصفحات اليمنى بالعربية والصفحات اليسرى بالإسبانية.
وهكذا يتأكد تفوق الإسبانيين على العرب في مجال الترجمة. فإسبانيا وحدها تترجم أكثر ما تترجمه كل الدول العربية مجتمعة. لكن لابد من الإشارة إلى أن الترجمة تكون في كثير من الأحيان انتقائية. فعلى سبيل المثال، ترجم الكتاب السابق الذي صدر ضمن سلسلة من الكتب تحمل عنوانا مشتركا وهو : “تضاريس الذاكرة”، غير أنه لم يترجم إلا الكتاب المخصص للدكتور أبي زيد لأسباب أيديولوجية.
وسألني الأستاذ برنابي هل تعرف هذا المفكر المصري؟ فقلت نعم، لقد سبق لي أن قرأت بعض كتبه، وتابعت التداعيات الإعلامية لآرائه في القرآن والتي انتهت بخروجه إلى الغرب الذي استقبله بحفاوة. وأخبرني الدكتور برنابي أن جامعة أليكونت استضافته مرة لإلقاء محاضرات والتعريف بكتبه.
ورتبت المكتبة حسب التخصصات الأدبية والعلمية. وفيها قاعات مخصصة للباحثين. وانتبهت إلى سنة حميدة تلتزم بها هذه الجامعة أو غيرها من الجامعات المتطوّرة، وتمنيت كثيرا أن تسود هذه العادة في العالم العربي؛ وهي تتمثل في إقدام الأساتذة الكبار على هبة مكتباتهم الخاصة لتوضع في أجنحة مخصصة للباحثين وطلبة الدراسات العليا. وبالمقابل يحمل الجناح اسم هذا العالم المتبرع بكتبه لخدمة العلم وتطوير المعرفة.
وهكذا دخلنا إلى جناح يحمل اسم مستشرق اسباني كبير، فوجدت فيه خزانة مملوءة بالكتب العربية. وعندئذ أهديت بدوري مجموعة من كتبي إلى هذه المكتبة ليستفيد منها الطلبة والباحثون والمهتمون بتاريخ المغرب العربي والفكر الإسلامي المعاصر.
وفي نهاية اللقاء، أهدى إلي الدكتور برنابي كتابه الأخير الذي رصد فيه أهم الكتب والدراسات العربية التي تناولت الأدب والفكر الإسباني، كما سلم لي مجموعة أعداد من المجلة الإستشراقية التي تصدرها جامعة أليكونت.

رياضيونا مضيعون في إسبانيا:
من أغرب ما مر بي في هذه الرحلة لقائي مع رياضي جزائري لا يتجاوز عمره 18 سنة. لقد جاء إلى إسبانيا مع فريقه الجزائري للمشاركة في مقابلة ودية مع فريق فلونسيا. وقد دفع مع أصحابه لتحقيق هذا الحلم مبلغا يضمن لهم رحلة محترمة وإقامة مريحة. غير أنه بعد انتهاء المقابلة، عاد مسؤول الفريق والمنظم لهذه المباراة إلى الجزائر على متن الطائرة، وسافر المدرب إلى فرنسا بينما وجد اللاعبون وهم في ريعان الشباب أنفسهم وحدهم في الطبيعة بلا مرافق ولا ولّي.
وقد أنقذ الموقف أحد رجال الأعمال الجزائريين الذي دفعته غيرته الوطنية إلى مساعدتهم من ماله الخاص. كما تطوّع بعض المهاجرين الجزائريين لإيوائهم والتكفل بعودتهم إلى البلاد سالمين، قبل أن يضيعوا في المجتمع الاسباني.
لقد تأثرت كثيرا بهذه القصة التي سمعتها من أحد هؤلاء الشباب. نعم، إلى هذا الحد غلب الجشع والعبثية واللامبالاة من ليست لهم وطنية وأخلاق، يعبثون بكرامة الدين والوطن والعباد في رابعة النهار، وهم يصرون. فمن ذا الذي يضع حدا لهم؟

اللغة الإسبانية وكفى !
لقد سكنت خلال إحدى عشر يوما في فنادق مختلفة، ولاحظت في كل مرة أن العاملين فيها لا يتحدثون إلا الاسبانية أو لغة الإشارة، ونادرا ما صادفت مضيفا يعرف الفرنسية أو الإنجليزية. هل سبب ذلك هو أن لغته هي الأولى في العالم وأكثرها انتشارا، فبالتالي لا يكلف نفسه بتعلم اللغات الأخرى متصوّرا كل السياح يعرفونها، أم هناك سبب آخر؟ إن المشكلة في نظري ثقافية بالدرجة الأولى.
كانت إسبانيا بلدا متخلفا، ومصدّرا للمهاجرين، فصار الأسبان يشتغلون عمالا في المزارع والمصانع الفرنسية والألمانية. وبعد مغادرة الجنرال فرنكو للحكم في عام 1975 وتأسيس النظام الديمقراطي برعاية الملك خوان كارلوس والانضمام بلاده إلى منظمة الإتحاد الأوروبي في سنة 1986 عرفت إسبانيا تحولا كبيرا في مجالي الاقتصاد والاجتماع. أما في مجال الذهنيات فكان التغيير بطيئا. فالتطور التكنولوجي والاقتصادي كان أسرع بكثير من التطور الذهني والعقلي للشعب الإسباني. وهذه الظاهرة نشاهدها أيضا في دول الخليج التي حيّرت فيها ناطحات السحاب العقول.
ولهذا وجدت المضيفين في الدول الإسلامية المتفتحة و الدول الأوروبية المتطوّرة التي زرتها، يحسنون الاستقبال، ويتحدثون لغة أجنبية بطلاقة، والابتسامة لا تغادر وجوههم.

باحث بين الدبلوماسيين:
تعرفت على عدد من الدبلوماسيين الجزائريين وهم يملكون تجربة طويلة في ميدان الدبلوماسية، واشتغلوا مع أبرز السفراء الجزائريين، وقد أصبح العديد منهم وزراء. وكان سفير الجزائر السيد محمد حناش وقنصل أليكونت السيد عبد الحميد الحواس من أبرز هؤلاء الدبلوماسيين. فالأول تعرفت عليه في مدينة إشيبلية التي قدم إليها من مدريد عبر القطار السريع. عمل قنصلا ثم سفيرا في عدة عواصم أوروبية وكندا. وهو رجل خلوق ومثقف، ويتقن عدة لغات، وهي العربية والفرنسية والانجليزية والألمانية.
أما السيد حواس فقد عمل قنصلا في العديد من المدن الأوروبية. وهو أيضا يتميّز بأخلاق عالية وقد أثر فيّ تواضعه وحسن ضيافته. وعلمت منه أنه سيغادر الدبلوماسية بعد أيام للتقاعد. تمنيت من أعماق قلبي أن يواصل  جهوده في خدمة الدبلوماسية الجزائرية بإلقاء محاضرات في الجامعات الجزائرية أو تأليف كتاب يعرض فيه تجاربه عن الوجود الجزائري في أوروبا بنجاحاته واخفاقاته.
وكان الدبلوماسيان وغيرهما ممن التقيت بهم خريجي المدرسة الوطنية للإدارة وليس فيهم من درس في الجامعة الجزائرية. فقلت في نفسي لعل وزارة الشؤون الخارجية تفضل الانضباط والانتظام على روح المبادرة والإبداع. فهذه الرؤية هي التي جعلت كثيرا من السفارات ملحقات للبلديات والدوائر تهتم بتسيير شؤون المهاجرين الإدارية، وليس باعتبارها مؤسسات إستراتيجية للتعريف بالدولة وانجازاتها، وإقامة معارض ثقافية واقتصادية واستقطاب العقول وجذب الاستثمار لتفعيل عملية التنمية والتطور في البلاد.

الجمعيات الأوروبية وحقوق المهاجرين:
كثيرا ما يلجأ المهاجرون إلى جمعيات أوروبية تهتم بالمغتربين لحل مشكلاتهم المختلفة كالاندماج في المجتمع الجديد، والحصول على العمل والسكن. وتحصل هذه الجمعيات على مساعدات من الدول المحلية والمنظمات الدولية والإقليمية للقيام بهذه الرسالة الإنسانية. غير أن المغتربين الفاطنين اكتشفوا أن هذه الجمعيات تستغل ظروفهم الصعبة لكسب المال وتحويل المساعدات لأغراض أخرى، ولا تقدم لهم إلا أجزاء قليلة من حقوقهم.
فأسس المهاجرون بأنفسهم جمعيات لتدافع عن حقوقهم وفق خصوصيات كل جالية. وهكذا انتشرت جمعيات من جنسيات مختلفة منها السنغالية، والمالية والمغربية والجزائرية وغيرها. إلا أن هذه الجمعيات فشلت هي أيضا في تحقيق مشاريعها لأنها تتجاذبها المصالح الضيقة للمسؤولين عليها، وكثيرا ما تتأثر بالصراعات الإيديولوجية والجهوية التي تستورد من البلد الأصلي فتصنع للأسف صراعات وهمية وانشقاقات في صفوف المغتربين الذين ينحدرون من بلد واحد.

الإسلام في إسبانيا بخير:
يحرص المسلمون في إسبانيا على بناء المساجد لإقامة شعائرهم الدينية، وكان أول مسجد زرته خلال هذه الرحلة هو مسجد فلونسيا، وهو يقع على بضعة أمتار من محطة القطار وميدان الثور. وهو حي عربي بامتياز لولا أسماء الشوارع التي تذكر كل من مر منها بموجات الهجرات الأسبانية إلى أمريكا الجنوبية عبر العصور الحديثة، فالمسجد والمركز الثقافي (مقرار انخريط) الذي حاضرت فيه يوم 10 جويلية يقعان في شارع بوانس أيرس (عاصمة الأرجنتين)، وهو يقطع شارع كوبا المكتظ بالمحلات التجارية الجزائرية والمغربية والإفريقية، وكذلك مقرات جمعيات المغتربين المختلفة.
توجهت إلى المسجد بعد تناول الغذاء في مطعم مغربي دلني عليه صاحب مكتبة عربية. وهو عبارة عن قاعة واسعة في أسفل عمارة كبيرة. وهذا حال معظم المصليات والمساجد المنتشرة في أوروبا. صليت الظهر جماعة. وكان غالبية المصلين من الشباب، وهذا ما يثلج القلب ويطمئن على مصيرهم في هذه البلاد الغربية.
وحدثني بعض الإخوة عن المركز الثقافي الإسلامي في فلونسيا الذي يحتوي على مسجد ومدرسة وقاعة للمحاضرات. لكنني لم أتمكن من زيارته لضيق الوقت وبعده عن مكان إقامتي.
وحاولت عدة مرات خلال أيامي الأولى في أليكونت أن أؤدي الصلاة في المسجد خاصة في الليل بطقسه المعتدل، فكنت أتناول العشاء في مطعم جزائري يسمى البهجة في شارع سان فرانسيسكو ثم أسيح في الأحياء القديمة بحثا عن المعالم التاريخية غير أنني لم أوفق في العثور على المسجد إلا في اليوم السابع. فموقعه بعيد. كما أنه منعزل حيث يقع أسفل الجسر الأبيض الرابط بين المنطقة المرتفعة من المدينة والمتنزهات على ضفاف البحر.
ويوجد هذا المسجد داخل بناية قديمة يصعب على المرء أن ينتبه له أو يجده بدون دليل رغم وجود لوحة صغيرة فوق الباب كتبت عليها الكلمتين: مسجد الرحمة. صليت فيه صلاة العشاء جماعة وراء إمام من المغرب الأقصى.
وبعد ذلك ألقيت نظرة عامة على المسجد وشاهدت من نوافذه البحر والسفن الراسيات على المرفأ، ثم تابعت في اللوحة المعلقة عند مدخل المسجد مخططا لمشروع مركز ثقافي إسلامي كبير يسعى مسلمو هذه المدينة إلى بنائه. وقد حرصوا على أن يكون تحفة معمارية على الطراز الأندلسي حفاظا على خصوصيات هذا البلد، وقطع الطريق على المعارضين المتطرفين في المجلس البلدي.
ولقد علمت من بعض المصلين أن اللجنة المشرفة على الإنجاز تجاوزت كل العقبات الإدارية والسياسية، وجمعت قسطا من المال يسمح بانطلاق الأشغال قريبا بحول الله.

* أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر 2

تغريدات الجمعية