خواطر حول إندونيسيا…

في عالم يشتد فيه الصراع بين الضعف والقوة، والإيمان والإلحاد، والمادة والروح، والإسلام والإسلاموفوبيا، وفي عصر ينشد الإنسان –فيه- الطمأنينة النفسية، والاستقرار العقلي، بحثا عن توازن إنساني مفقود.
في هذا العالم، وفي هذا العصر، يوشك الإنسان أن يضرب أكباد الطائرات، ويدير شتى أنواع المحركات، ويقطع الآلاف من المسافات، بحثا عن هذا التوازن، فلا يكاد يجده إلا في إندونيسيا، فإندونيسيا هي البلد القريب البعيد، الذي يكاد ينطبق عليه قول الله تعالى: }اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ{. وإذا كانت مصر قد حباها الله نعمة النيل، فإن إندونيسيا قد خصها الله بهبة الأرخبيل، فهذا البلد المسلم، الذي هو إندونيسيا، يعد أكبر أرخبيل في العالم، إذ يشتمل على أكثر من 17500 جزيرة، منتشرة عبر 515 كيلومتر من المحيط.
إنه بلد سياحي من الطراز الأول، تجتمع فيه في وقت واحد كل فصول السنة، فهو يستحم بقدمه في مياه المحيط التي تشكل أربعة أخماس مساحة إندونيسيا، ويعلو برأسه نحو السماء، في علو إيماني رائق، وفي بناء عمراني شاهق، وبتنوع سكاني إنساني فائق.
يتجاوز عدد سكان إندونيسيا مائتين وخمسين مليون نسمة ) 250 (يتعايش أهله ذوو الأعراق المتنوعة التي تميزها لهجات خاصة متعددة تصل إلى 483 لهجة، يتعايشون جميعا تحت لواء اللغة الموحدة، هي اللغة الوطنية الإندونيسية التي يستعملها كل الإندونيسيين.
إن الزائر لإندونيسيا، تبهره هذه العمارات الشاهقات التي تفوق أحيانا المائة دور، المطلة على المحلات الشعبية البسيطة في مظهرها وجوهرها، كما يرتسم في ذاكرته، هذا التعايش العجيب بين أفخم السيارات، وأبسط الدراجات، وكلها تكد وتجد مساهمة في عملية التنمية البارزة التي شملت كل مجالات الحياة المادية والروحية، الثقافية والعلمية، الفلاحية والتكنولوجية. إن مما يلفت نظر الزائر لجاكارطا، وهي العاصمة الصاخبة بحركة نقلها الدائرة ليلا ونهارا، تجاور أعظم مسجد، وهو مسجد الاستقلال مع أعظم كنيسة وهي الكاتدرائية، وبالرغم من أن المسجد يؤمه أكثر من مائة ألف مصل في يوم الجمعة وحدها، وأن الكنيسة لا يؤمها سوى بضع مئات، إن لم نقل عشرات، ومع ذلك يبرز التسامح الإسلامي مع المحالفين من أهل الملل بشكل لافت للنظر.
فالإندونيسي، ذو طبيعة إيمانية إسلامية، تبرز في سلوكه،وتعامله، وإقباله على الخير، ببذل ماله في سبيل الوقف، والبر والإحسان.
وإن مما يجسد عمق الإيمان الإندونيسي، وجود جمعية نهضة العلماء، هذه الهيئة الإسلامية التي تتجذر داخل المجتمع الإندونيسي، فيتبعها أكثر من سبعين مليون مريد، وهي تقوم بعمل تربوي، واجتماعي، وأخلاقي، جعلت ملتقى كالذي حضرته، يقوم على تنظيم المتطوعين والمتطوعات من الشبان والفتيات، فيقضون الليل والنهار في تنظيم الدخول إلى مدينة الملتقى التي تبعد بمائتين وخمسين كيلومتر عن جاكرطا. وقد زار الملتقى رئيس جمهورية إندونيسيا، ووفد كبير مرافق له، فلم يجد أي عناء في الوصول إلى قصر المؤتمرات، سواء من حيث دقة التنظيم، أو الاستقبال، أو حفاوة الإنشاد والابتهال، التي خصته مجموعة الإنشاد المكونة من الذكور والإناث.
إن إسناد القيادة الروحية لجمعية نهضة العلماء، في إندونيسيا، قد مكنها من بناء عشرات الآلاف من المعاهد القرآنية المتخصصة، وعشرات الآلاف من المستشفيات التابعة لها، وكلها تعمل في نظام عصري متميز. وإن مما ميز عمل جمعية نهضة العلماء انتشار اللغة العربية في إندونيسيا، بسبب حب الإندونيسيين لها، ناهيك أني عندما كنت في زيارتي لورشات الملتقى العلمي، طلب مني إلقاء كلمة، فيطلب الحاضرون عدم الترجمة لأنهم يفضلون سماع الكلمة بالعربية.
وقد مكن للعلماء القيام بهذا الدور وتحقيق النجاح فيه، التسهيلات الممنوحة لهيئة العلماء، ويتجلى ذلك في المقر الحديث الطراز الذي تحتله الهيئة، وفي المزايا الممنوحة للعلماء، بحيث إن سيارة العلماء تحظى بأولوية السير في المرور، تقابل بالتجلة والاحترام من شرطة المرور.
والحقيقة أن الحديث عن إندونيسيا لا تكفي فيه خواطر عابرة كهذه، ولكن حسبنا أن نسجل للتاريخ بعض هذه الحقائق، وعسى أن تعود إن شاء الله في مناسبة قادمة إلى حديث مطوّل ومفصل عن هذا البلد المسلم، القريب البعيد، فهو قريب إلى قلب كل مسلم بالرغم من المسافة المكانية التي تبعده عنا.
إن إندونيسيا، فخر لكل المسلمين، لما يقدمه هذا البلد للعالم من صورة مشرفة عن الإسلام بفضل نهضة علمائها، وإيمان شعبها.

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.