علوّ في الحياة وفي المماة…!

يرفع الموت شأن أقوام، فيخلد –في التاريخ- ذكرهم، وينمّي –بين الناس- شكرهم، ويبعث –في الأجيال- فكرهم، كما يخفض الموت، قدر أقوام لآخرين، فيكشف مكرهم، ويفضح نُكرهم، ويطمس كربهم.
فالموت، هذا العدل الإلهي،  الذي يصيب كل كائن حي مهما علا شأنه، هو المنبه لنهاية المسير، والمشير إلى حتمية المصير، والحامل إلى كل عاقل عوامل التذكير، كي يقدم الزاد ليوم البعث والنفير…
إننا نلتقي بالموت في كل لحظة، وفي كل آن، فيشعرنا، بما يعانيه الإنسان من ضعف ومن هوان، فيكون حافزا لنا على مقاومة تقلبات الزمان، بالإقدام على فعل الخير، للانتصار على مغريات الشيطان…ويصدق علينا قول أبي الخطيب الأندلسي:
وكنا عظاما، فصرنا عضاما        وكنا نقوت، وها نحن قوت
وها نحن اليوم نودع –بالموت- علَما سياسيا من أعلام الجزائر، وهو الرئيس الشاذلي بن جديد، هذا الرجل الذي يغيّبه الموت عنا، جسما، ولكنه يخلّده اسما ورسما.
وإذا كنا –في جمعية العلماء- نعمل دائما بالأثر النبوي الشريف القائل: “أحثوا التراب في وجوه المداحين، فلا إخالنا ندخل في زمرة هؤلاء، عندما ننصف الرئيس الشاذلي بن جديد، تاريخيا –وقد أفضى إلى ربه، خصوصا وأننا لم نكن من الذين عاشوا تحت جلبابه، أو الذين تربوا تحت ظلال أعشابه.
نريد أن نقول للتاريخ أن عهد الرئيس –الشاذلي بن جديد- على ما قد يكون قد شابه من سلبيات، قد تميز بإنجازات تُذْكَر فتشكر. ففي عهده عرفت الجامعات الجزائرية انتشارا وازدهارا، وإن جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة لهي المعلم الحضاري الذي يمثل تاجا على رأس الشاذلي بن جديد.
وفي عهده أيضا ازدهرت الصحوة الإسلامية، التي جسدتها ملتقيات الفكر الإسلامي، التي مثلت المؤتمر العلمي العالمي الذي يضم خيرة العلماء، والباحثين والمفكرين من جميع أنحاء العالم، والتي كانت تحتضنها الجزائر في كل سنة، وانتهت هذه الملتقيات بانتهاء عهده.
ولعل ما يجب التذكير والإشادة به في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد هو تدشين عهد التعددية السياسية بعد عهد الأحادية، وعهد الحزب الواحد.
وإن مما يسجل للرئيس الراحل، عمله الريادي ومبادرة السبق في جميع البلاد العربية بتمكينه للأحزاب الإسلامية، التي أخرجها من العمل السري، داخل الكهوف والسجون إلى العلن، والعمل في وضح النهار وطبقا للقوانين.
إن قائمة الإنجازات والمكاسب التي تحققت في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي نودعه اليوم، لهي قائمة طويلة، ويكفي أن يقول فيه عالم جليل كالشيخ محمد الغزالي: “إنه رجل سينصفه التاريخ”، ونعتقد أن التاريخ قد بدأ بإنصافه.. ذلك أن مما يسجل له، أنه منذ أجبر على  مغادرة المسرح السياسي، ظل يعيش في الظل، كأي مواطن شريف يتجنب الأضواء، ويتجنب الإدلاء بأي تصريح، حاملا لأسرار تنوء بحملها الجبال.
وهكذا يرحل الرئيس الشاذلي بن جديد في صمت: مخلفا وراءه ذكرا جميلا، وستودعه الجماهير الجزائرية بالدموع والشموع، وبالثناء والدعاء، وستلفه بأعلام الوطن، والوفاء، وستسكنه من القلب في مكان السويداء.
وبعد، فقد انتهى عهد الشماريخ والتفريخ، ليبدأ عصر التدوين والتاريخ فليتحل المؤرخون بالنزاهة والإنصاف والموضوعية، في الكتابة عن حقبة زمنية هي من أخصب الحقب، ورحم الله فقيد الجزائر الذي وفى الجزائر يوم جاهد من أجل تحريرها، ويوم قاوم من أجل تعميرها.. وإن الأيام صحائف، فلنخلد فيها جميل الذكر.. ولنقل لفقيدنا ما قاله شاعر عربي قديم في رثاء أحد الحكام وقد قتل مظلوما:
علو في الحياة وفي المماة            لحقا أنت إحدى المعجزات.

تغريدات الجمعية