إيه يا أمة عرفات /د.عبد الحفيظ بورديم

يا أمّة عرفات ما بالك توالت عليك المهلكات، أنت ما عدت كما كنت، بعد أن خفرت الأشهر المحرّمات، وبعد أن أعرضت عن الآيات البيّنات، فصرت مرمى سهلا وخضت سبيلا أضلاّ، لمّا خلت منك المباني من المعاني، ولمّا هجرت بصيرة القرآن، ولمّا أقفرت أروقة القصور إلاّ من الاستبداد والجور، فخرجت للناس صورة من التشرذم والاضمحلال، وهيكلا من التشتت والانحلال.
يا أمة عرفات. حباك الله بالاصطفاء، وبعث فيك خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وسلم)، ليورثك إمامة الخليل (صلى الله عليه وسلم) ويورثك لسان الذبيح إسماعيل (صلى الله عليه وسلم)، فجعل لك البيت الحرام وجعل لك الجبل آية وعلامه، وآتاك الآيات العظام، فوجب أن تكوني راشدة لربّك ساجدة وعلى الأمم شاهدة.
يا أمة عرفات. هل تذكرين حجّة الوداع، وما بلغ مسامع الثقلين من شعاع؟ أوصاك النبيّ (صلى الله عليه وسلم) من فوق القصواء بحرمة الأموال والأعراض والدماء، وقد شهدت على ما سمعت فقلت لا أكون كمن قبلي أرتدّ بعد موت الرّسل، وقد أمّنت على ما رضيت فقلت لن أرجع عن العهد ولن أترك نهج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وسلم).
يا أمة عرفات. لا زلت على بعض الوفاء، يضجّ حجيجك في البطحاء، فتملئينها بشجيّ الدعاء، حين يطوف بالبيت الطائفون، أو يقف بعرفات المحرمون، أو ينفر إلى المزدلفة المكبّرون، ومن غد ينحر المتمتّعون، أو يقيم بمنى المقيمون، أو يسعى بين الجبلين الساعون فيحلقون أو يقصّرون. هذا بعض الوفاء منك، فأين أين مقاصد الاجتماع فيك؟
هل يرضيك أن يكون الحجّ فيك تجردا من المخيط، والحرب من الشام إلى المحيط؟
هل يرضيك أن يكون الحجّ فيك وقفة بعرفات، وأكثر حاكميك أضاعوا الأمانات؟
فيا أمة عرفات ما الذي دهاك، ومن بالبلوى قد رماك، هل هذا ما جنته يداك، يوم رضيت من الاحتقلال برموز السيادة وغفلت عن سنن الشهادة، أم هل هذا حصاد زرعك يوم أفرغت المدارس من أخلاق تعدّ الفوارس، أم هل هذا نبات غرسك يوم أوكلت خطير المهمّات إلى أصحاب الولاء وتركت الكفاءات؟
آن لك يا أمّة عرفات أن تعلمي أنّ الحجّ مناسك ومسالك. وأنّ المناسك لبنيك، وأنّ المسالك لك، وأنّ الأمم إنّما تحيا بالاجتماع وتفنى بالحرب والصراع، وليت كلّ الحجيج يحفظون حجّة الوداع ويشهدون على أنفسهم بالسماع، إذن يكونون بها ذوو ريادة وتكونين بهم أمّة الشهادة.
فيا أمّة عرفات اطلبي المسالك بعد أن تكملي المناسك.

تغريدات الجمعية