جريدة "السبيل" المغربية تخطى السبيل

في زيارة كريمة لبلد شقيق، هو المغرب الجار القريب من الديار، وبينما، أنا بإحدى المكتبات وقعت عيني على صحيفة مغربية متميزة في شكلها، ولافتة المنظر من حيث عنوانها “السبيل”، ومن حيث عناوينها الرئيسية. وأدركت لأول وهلة أن الصحيفة ذات توجه إسلامي، وهو ما شجعني أكثر على اقتنائها، ومما زاد من عنايتي بها عنوان بارز في صفحتها الأولى بالبنط العريض يقول: “الأراضي المغربية المحتلة… إهمال وتقصير”(1).

ظننت لأول وهلة أن الأمر يتعلق بمدينتي “سبتة ومليلية” الواقعتين تحت الحكم الإسباني، وقلت لعل صحيفة “السبيل” الإسلامية وكاتبها يبعثان برسالة “من تحت الماء” كما يقول نزار قباني، ولكن ما راعني وأنا أقرأ المقال، أن الموضوع يتعلق بما وصفه معد الملف السيد إبراهيم بيدون بمغربية “الصحراء الشرقية”.. وللقارئ أن يتصور أن المقصود بالصحراء الشرقية إن هي إلا تندوف وبشار والساورة، والتي تقول صحيفة السبيل عنها: “وأما الصحراء الشرقية التي تقدر مساحتها بحوالي مليون ونصف مليون متر مربع، فقد ضمتها فرنسا إلى الدولة الجزائرية، التي عمل عسكرها غداة الاستقلال على إعدام كل محاولة للمطالبة باسترجاعها إلى السيادة المغربية”، ويعزز ملف ادعاءاته بحوار مع السيد علي بن العربي بنبريك القندوسي، وتنسب إليه صفة “رئيس الهيئة الوطنية للمناطق الشرقية المغربية المغتصبة”.

وباستفزاز وعدوانية، يقول من حاورته الصحيفة: “نحن في الهيئة قمنا بالخطوات اللازمة حيث راسلنا الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة بان كي مون، فكاتبنا في الموضوع وأرسلنا مذكرة إلى الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وتحدث إلينا في الموضوع على أن فرنسا تعترف بأن الصحراء الشرقية مغربية، وأنها محتلة من قبل النظام الجزائري، واحتلالها يدل على أن الفرنسيين لم يسلّموا للجزائر شيئا.

كما راسلنا الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولوند بمذكرة هو الآخر نقول فيها بالحرف: واجب على الدولة الفرنسية أن تدعوا النظام الجزائري إلى إخلاء الصحراء الشرقية من العنصر الجزائري وإرجاعها إلى السيادة المغربية.

وأرسلنا كذلك مذكرة إلى جميع قادة دول المغرب العربي بما فيهم عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، مفادها أنه ليس من المنطق اجتماع دول المغرب العربي في غيبة استكمال المغرب لوحدته الترابية، وعلى قادة دول المغرب العربي بدورهم أن يدعوا الجزائريين لتسليم المغرب أرضه”.

ويضيف المقال: “ونحن هذه الأيام بصدد كتابة مذكرة خاصة في موضوع استرجاع جميع الأراضي المغتصبة، ورفعها للملك محمد السادس”.

هذا إذن غيض من فيض، وقليل من كثير من الاستفزاز الذي حشى به ملف أسبوعية السبيل الإسلامية، من عدوانية صريحة ضد الجزائر “الشقيقة”.

يحدث هذا، وعقلاء في بلدان المغرب العربي، وفي الجزائر والمغرب بالذات يبذلون الجهود لرأب الصدع، ويعملون على مزيد من التلاحم للتقريب بين شعوب المنطقة، يحدوهم الأمل في فتح الحدود المغلقة، وإيجاد حلول للمشاكل المعلقة بما في ذلك مشكلة الصحراء الغربية، التي سممت الأجواء، ولغمت وحدة الأشقاء. ولمصلحة من تخرج أسبوعية “السبيل المغربية” بهذا الملف، وفي هذا الوقت بالذات، وهي الإسلامية الروح، المغربية الوطن، المغاربية الانتماء..

فلو أني بليت بهاشمي خؤولته بنو عبد المدان

لهان على ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن إبتلاني

فيا أبناء السبيل!

إن الفتنة نائمة، وسامح الله من كان سببا في إيقاظها، ففي الوقت الذي يصبو فيه كل أبناء المغرب العربي إلى تحقيق وحدة ثقافية، واقتصادية، وجمركية، تنقلنا من ضيق فكرة العشيرة والقبيلة، إلى رحاب وسِعة الدولة الحضارية التي ينتقل الناس فيها أحرارا بدون جواز سفر، وبعملة واحدة، على غرار ما تعيشه دول المجموعة الأوروبية، وقد علمنا أنها مختلفة لغة، وعقيدة، وإيديولوجية، فلم يمنعها ذلك من الإتحاد والاندماج في مجموعة موحدة.

إن في هذا العصر بالذات، يخرج علينا مغاربة، عرب، مسلمون، مالكيون، سُنيّون، ليكيلوا التهم لجارتهم الجزائر، ويجعلوا عليها من أوصاف الاحتلال والاغتصاب، ما لم يجعلوه على المحتلين الحقيقيين لأراضي سبتة ومليلية..

فاللهم إليك نشكو ضعف الوازع، وقلة الحكمة، وانعدام الوعي الحضاري.

متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه، وغيرك يهدم

الهوامش:

(1) صحيفة السبيل المغربية، العدد 132 بتاريخ 16 أكتوبر 2012.

تغريدات الجمعية