ملاحظات حول شهادة الرئيس الشاذلي في الإمام الغزالي/د. محمد الدراجي -ج2-

وكان الشيخ الغزالي رحمه الله يقدر للسلطة الجزائرية ورئيسها الشاذلي بن جديد –رحمه الله- هذا الانفتاح والتجاوب مع الصحوة الإسلامية، وكان يدعو الطلبة خاصة والشباب عامة إلى تقدير هذا الموقف وتثمينه، ويقول انظروا حواليكم: الإسلام مطارد في كل مكان، وشباب الصحوة يقادون إلى السجون، وأنتم في هذا البلد كل الأبواب مفتحة في وجوهكم، وكل الظروف مهيئة للعمل الإسلامي والدعوة إلى الله عزّ وجلّ، فاحمدوا الله على هذه النعمة واغتنموها لكي لا تحرموها.

ولم يكن الشيخ الغزالي في هذا الموقف مُداهنا للسلطة الحاكمة، أو مفرطاً في تعاليم الدّين وأحكامه، وهو الذي نذر نفسه للدفاع عن الدين بكتبه وقلمه وخُطبه، ولاقى في سبيل ذلك ما تنوء بجمله الجبال الراسيات، وعرف في سبيل ذلك المنافي والسجون،والحرمان من الوظائف، ومحاولات تشويه السمعة، والنيل من كرامته، والطعن في عرضه، وإنما تجربته الطويلة في العمل الدعوي هي رسخت لديه قناعة بأن الاصطدام مع السلطة الحاكمة لا يجدي نفعا ولا يأتي بخير لأحدٍ، فإذا مدّت السلطات يدها لتقديم خيرٍ للعمل الدعوي، وفسحت المجال أمام الدُّعاة، فما المانع الشرعي من التعاون معها في هذا المجال، مع الجهر بكلمة الحقّ وإسماعها للجميع لكن بحنكة ورويّة وإتران، ودونما إفراط أو تفريط، فلقد حدث أن زار الرئيس الشاذلي بن جديد –رحمه الله- ضيوف الجزائر من علماء ودعاة، وأساتذة باحثين، ورجال الفكر والسياسة، في ملتقى من ملتقيات الفكر الإسلامي، احتفاء بهم، فقام أحد المتحذلقين المعروف بتاريخه الموالي للسلاطين، يداهن الرئيس ويقول له: “أنتم الرؤساء تقومون بأعباء لا نقدرها نحن العلماء، وهذا من تقصيرنا في حقّكم، إن الواجب الديني يملي علينا ألا نتدخل في شؤونكم السياسية، بل علينا وعموم الشعب أن نسير وراءكم وأن نسمع ونُطيع”، فتضايق الجميع من هذه المداهنة التي لا مبرر لها، فأخذ الشيخ الغزالي رحمه الله الكلمة وقال بصوت جهوري: “أيها الحكام أنتم مطالبون بخدمة دينكم وشعوبكم، وأن مكانتكم عند الله وعند شعوبكم هي بمقدار وفائكم لتعاليم الدين والتزامكم بأحكامه، ثم ردّد مقولة للإمام الحسن البصري وهي إذا اختلف السلطان والقرآن، فسيروا مع القرآن ودعوا السلطان، فسّر الرئيس –رحمه الله- بهذا الكلام القوي والموزون وشكر الشيخ الغزالي عليه.

وهذا يقودني إلى نقطة أخرى أثارها مقال الأستاذ الكريم وهي أنّه- أي الشيخ الغزالي- لم يكن يتعرض للقضايا الداخلية، وهذا الكلام لا يقبل على علاّته، لأن ظاهره أن الشيخ اعتمد سياسة المداهنة للنظام وهذا غير صحيح، فالشيخ لم يكن يتعرّض للقضايا الداخلية من موقع رجل السياسة الذي يريد أن يسجل نقاطا على خصمه، بل كان يتعرّض لها من موقع العالم المصلح الذي يريد المصلحة العامّة، وأحب فقط أن أسجّل أن الشيخ الغزالي بمواقفه المعتدلة المتزنة قد اكتسب عداوة المتطرفين من الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء، فبينما كان يراه رموز التطرف الإسلامي بأنّه من علماء السلاطين الذين استعان بهم النظام من أجل أن يقطع الطريق على الإسلاميين، كان رموز التطرف العلماني يرون في الشيخ الغزالي بأنه خطر على أطروحاتهم وأفكارهم، وأنّه ينظر للأصولية الإسلامية.

وتبقى النقطة الواردة في المقال، وهي أن بعض بقايا رجال الجمعية –جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- كانوا متضايقين من الرجل وفكره –أي من الشيخ الغزالي-، فهذا غير صحيح بالمرّة، ذلك أن المنهج التنويري الوسطي الذي كان يدعو إليه الشيخ الغزالي، هو ذاته المنهج الذي قامت عليه دعوة جمعية العلماء، وعليه فقد كان احتفاء رجال الجمعية بفكر الشيخ الغزالي كثيراً، وكان فرحهم بقدومه إلى الجزائر واستقراره بها فرحا كبيراً، وكان التعاون بين الشيخ الغزالي وبين بعض رجال الجمعية مثيراً، ويكفي أن أنقل عن المرحوم الشيخ عباس بن الشيخ الحُسين قوله: “إنني معجب بمنهج الرجل في عرض حقائق الإسلام وطريقة مقارعته للجاهلية”، وأن أنقل عن الشيخ أحمد حماني رخمه الله قوله: “إنّه *أي الشيخ الغزالي- محمد عبده هذا العصر”، ولا بأس أن أذكّر بالمقال الذي كتبه الشيخ محمد الطاهر فضلاء ونشرته عدة صحف وطنية يومها بعنوان: “أبسط يدك أيها الشيخ لنبايعك”، أما الشيخ أحمد سحنون رحمه الله: فحدث عن البحر ولا حرج، ويكفي قوله فيه شعرا:

بمثل الغزالي تحيا الأمم وتبلغ في المجد أعلى القمم

إمام تبوّأ عرش القلوب وأثنى على فضله كل فم

أضاءت تعاليمه كل أفق كغيث سقا كل أرض وعم

فالذي سمعناه وقرأناه أن رجال الجمعية الكرام كانوا مرحّبين بالشيخ الغزالي محبين له، متعاونين معه، لا متضايقين منه، والله المستعان.

تغريدات الجمعية